جاء في المنطلقات النظرية لحزب البعث العربي الاشتراكي: (تمتاز أيديولوجية حزب البعث بسمتين أساسيتين هما : (العلمية والثورية).

والأسئلة المشروعة التي تطرح نفسها علينا اليوم هي: هل استطاع حزب البعث أن يحافظ على هاتين السمتين فكراً وممارسة عبر تاريخ قيادته للدولة والمجتمع منذ قيام ثورة آذار  1963 حتى اليوم؟.

وهل هو قادر اليوم على إرجاع هاتين السمتين إلى مجالهما الحيوي في الحزب والدولة بعد أن تبين في هذه الأزمة ذاك الخلل الكبير في بنيتي الحزب التنظيمية والفكرية.؟.ثم أين سيكون موقعه بين الأحزاب المعارضة إذاما حققت تلك الأحزاب مشاركتها في قيادة الدولة والمجتمع؟

إن المتابع لمسيرة البعث, يجدقبل انطلاق الأحداث الدامية في سورية بثلاثة أعوام, أي منذ عام 2008 تقريباً, توجها محموماً لتغيير فكر الحزب,وذلك من خلالعقد فروع حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية مؤتمراتها السنوية تحت شعار: (فكر يتسع للجميع). والملفت للنظر أن هذا الشعار في التباسه أو غموضه الفكري والطبقي, راح يُؤَسَسُ له نظرياً من قبل القيادة السياسية للحزب قبل أشهر من قيام الأزمة ، عبر دعوة  القيادة القطرية للحزب بعض الرفاق المهتمين بشؤون الفكر والثقافة الحزبية ، إلى الندوة التي خصصت لتغيير فكر الحزب في منطلقاته الاقتصادية والطبقية والفلسفية ، والمقصود في هذا التغيير عملياً هنا ،  هو تغيير الخط الاشتراكي في صيغته العلمية التي تبناها الحزب في منطلقاته النظرية ، وفي بنيته الطبقية وما تتضمنه هذه البنية من قوى اجتماعية تقوم أو ترتكز على مفهوم تحالف قوى الشعب العاملة من عمال وفلاحين وحرفيين وطلبة وانتلجنسيا وصغار كسبة وبرجوازية صغيرة . مع التأكيد بطبيعة الحال على ضرورة تبني الليبرالية فكراً وسلوكاً تحت ما سمي (باقتصاد السوق الاجتماعي). وهذا التوجه نحو الليبرالية تطلب بالضرورة أيضاً ،  التأكيد على تغيير المنهج العلمي في التفكير والممارسة الذي حددته مقدمة المنطلقات النظرية ، وهو المنهج القائم على قوانين ومقولات العلمية والثورية. أي قوانين المادية الجدلية والمادية التاريخية ،  كما وردت في كراس (العلمية والثورية) الصادر عن القيادة القومية للحزب.

     أما على مستوى التطبيق العملي داخل مؤسسات الدولة فقد أخذ الحزب في السير قدماً باتجاه (اقتصاد السوق الاجتماعي), وتعميق الخط الليبرالي في الدولة والحزب مع استلام السيد الرئيس بشار الأسد رئاسة الجمهورية ، إن كان على مستوى توسيع الهامش الديمقراطي الذي أُعطي داخل الحزب ، أوعبر علاقة هذا الحزب بالجبهة الوطنية التقدمية ومحاولة تفعيلها ، أو على مستوى المجتمع المدني وتوسيع نطاق عمله, (ربيع دمشق), وبالرغم من أهمية هذه التوجهات. إلا أن المشروع الاقتصادي ممثلاً  باقتصاد السوق الاجتماعية وهو الأهم أو القاعدة التي تقوم عليها تحولات اللبرلة, كانت له نتائجه السلبية على جملة ما أراده الرئيس بشار الأسد من تغيير في بنية الدولة والمجتمع , وذلك بسبب غياب القاعدة الاقتصادية لهذا المشروع من حيث عدم وجود أرضية اقتصادية متوازنة بعد أن أنهك القطاع العام وأهمل من جهة , ثم بسبب سيطرة البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية على هذا المشروع والدولة  والحزب معاً , وهي برجوازية يهمها الربح السريع وليس تنمية المجتمع والدولة , أي بتعبير آخر في هذا الاتجاه فُسح في المجال واسعاً أمام الرأسمال الخاص, ومنه رأسمال البرجوازية البيروقراطية والطفيليةالتي وجدت في هذا المشروع القدرة على استثمار رؤوس أموالها التي كدستها على حساب نهب ثروات البلد من جهة ثالثة. وأخيراً بسبب  سياسة الانفتاح الاقتصادي على تركيا وغيرها, حيث نافست بضائع الخارج منتجات الحاضر وعملت على تدميره من جهة رابعة،  الأمر الذي ساهم في فشل تطبيق نمط هذا اقتصاد السوق الاجتماعي اولاً, وخلخلتأركانالاقتصادالاشتراكي ومقوماتهالعلمية الداعية إلى خلق توازن بين القطاع العام والمشترك والخاص الذي تبناه الحزب في منطلقاته النظرية ثانياً,

يبدو أن هذه التوجهات نحو الليبرالية التي أشرنا إليها, جاءت تحت ذريعة أن المنطلقات النظرية التي تشكل الدليل النظري لحزب البعث العربي الاشتراكي والدراسات المتعلقة بهذه النظرية ,لم تعد قادرة على الاستجابة للتحولات العميقة التي انتابت العالم تحت مظلة النظام العالمي الجديد, وهي– أي المنطلقات – بحاجة إلى إعادة النظر في أهدافها الاستراتيجية على مستوى الداخل السوري, وعلى مستوى البنية الطبقية لهذا الداخل التي تبناها الحزب أكثر من خمسة عقود من الزمن , أي منذ المؤتمر القومي السادس للحزب عام 1963,  بالرغم من أن هذه المنطلقات النظرية كثيراً ما وضعت على الرف أو ظلت في حالة طيران بسبب تلك التحديات الكثيرة التي تعرض لها الحزب والدولة على مستوى الداخل والخارج معا, تجلت في الصراع الطبقي والفكر يداخل الحزب نفسه منذ نشوئه حتى قيام الحركة التصحيحية, كما تجلى في أغرق الحزب نفسه أيضاً في التكتيك على حساب الاستراتيجية بسبب تلك التحديات الداخلية والخارجية أيضاً التي تعرض لها الحزب منذ قيام الحركة التصحيحية حتى اليوم , الأمر الذي دفع قيادة الحزب أو من يتحكم في قراره عبر تاريخه, على السير في طريق ما يسمى في الفقه السياسي بـ  (المهام المباشرة). لذلك عندما جاء انعقاد ندوة تغيير فكر الحزب قبل قيام الأحداث بعدة شهور, راحت تظهر أمراض الحزب الفكرية والطبقية داخل الندوة , ممثلة بارتفاع أصوات ودعوات فكرية متناقضة كل التناقض , ومتأرجحة  ما بين اليمين واليسار والوسط من قبل الرفاق المشاركين داخل الندوة نفسها . وهذا يدل على حالة التردي الفكري وانكساره لدى الرفاق البعثيين داخل حزبهم وخارجه كما أشرنا أعلاه, هذا التردي الذي جاء تعبيراً حقيقياً عن انعدام المسؤولية الحزبية التي سادت القاعدة الحزبية , وترهل البنية التنظيمية وغياب مسألة الانتماء لفكر الحزب داخل صفوف الحزب, وانتشار للفساد الذي عم كل شيء, وذلك كله جاء أيضاً تحت غياب المحاسبة , وتوقف انعقاد مؤتمرات الحزب القطرية لمدة عقدين من الزمن. أي من عام 1980 حتى استلام السيد الرئيس بشار السلطة.

نقول: إن حالة التردي الفكري والتنظيمي والسلوكي داخل الحزب والدولة التي أشرنا إليها أعلاه, تجلت واضحة في هذه الندوة من خلال ظهور التناقض الشديد في الطروحات بين من يدعو إلى التمسك بقيم البعث وموقفه من الجماهير الكادحة أو حوامله الاجتماعيين الذين حددتهم المنطلقات النظرية وهم العمال والفلاحون وصغار الكسبة… الخ , وبالتالي الحفاظ على مكتسبات الثورة الاشتراكية, وبين من يدعو إلى تبني التوجهات البرجوازية الطفيلية للقوى الطبقية التي أشرنا إلى طبيعتها والتي بدأت تطرح نفسها قائدة للمشروع الاقتصادي والسياسي للدولة (اقتصاد السوق الاجتماعي), بعد أن مكن لها (الدردري) قواعد حضورها , وبعد أن شرعن هذا الحضور وضرورته الأمين القطري المساعد (سعيد بخيتان) في رده على أحد الرفاق المشاركين في ندوة تغيير فكر الحزب, عندما قدم هذا الرفيق مداخلته عن ضرورة التمسك بمفهوم القوى الطبقية التي حددتها المنطلقات النظرية ,فكان رد (بخيتان) على مداخلة الرفيق قائلا : (لا يوجد هناك شيء إسمه صراع طبقات في الوطن العربي). كما ظهر في الندوة توجه غير عادي لعدد من المشاركين في الندوة إلى تبني الفكر الإسلامي كبديل عن المنطلقات النظرية للحزب , وذلك انطلاقاً من سياسة الربط بين العروبة والاسلام البراغماتية.

مع تطبيق سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي في الساحة الاقتصادية للقطر لعدة سنوات قبل انعقاد هذه الندوة , وصعود التيار المعادي لمصالح الجماهير الكادحة المتبني لهذه السياسة الاقتصادية الانفتاحية, راح يطرح وبكل صراحة من قبل ممثلي هذا التيار ضرورة تغيير ليس فكر الحزب كي ينسجم في خطه النظري  والعملي مع مصالح هذه القوى الاجتماعية الطفيلية فحسب, بل وحتى الدعوة إلى تغيير إسم الحزب نفسه,حيث اقترح بعضهم تسميته بـ(حزب البعث الديمقراطي).

على العموم لم يتحقق المطلوب من الندوة, أو ما كان مرسوماً لها فعلاً من قبل القيادة السياسية آنذاك, وهو نسف فكر الحزب ومنطلقاته النظرية, وبنيته الطبقية ومنهجه العلمي الجدلي, والسير قدماً في طريق المشروع الليبرالي أو اقتصاد السوق (الحرة)  الذي بشر به شعار المؤتمرات الحزبية التي أشرنا إليها قبل قليل, وهو (فكر يتسع للجميع), وذلك بسبب قيام الأحداث في منتصف الشهر الثالث من عام 2011, وهي الفترة التي كان يُعد فيها لعقد مؤتمر قطري يتم فيه طرح المشروع الفكري الجديد والتصويت عليه, الأمر الذي أدى إلى انتهاء المشروع وانتهاء دور الحزب نفسه كقائد للدولة والمجتمع (نظرياً) بعد إلغاء المادة الثامنة من الدستور الجديد, وبعد أن تبين أيضاً أن هذا الحزب الذي نخره الفساد وغياب حس المسؤولية وترهل بنيتيه الفكرية والتنظيمية, وتفشي روح الوصاية من خلاله على الدولة والمجتمع , وأخيراً طبيعته الشمولية, بأنه غير قادر على حماية مقراته نفسها في هذه الأزمة , وأن هناك عدداً قليلاً جداً من أعضائه ظل واقفاً إلى جانب النظام في هذه الأزمة. وما يؤسف ويحزن معاً, وغير المتوقع في الحقيقة , هو أن الكثير من أعضاء هذا الحزب الذي قاد الدولة والمجتمع منذ عام 1963, قد انظموا إلى القوى المسلحة المعادية للدولة والحزب وحملوا السلاح لمقاتلتهما معاً تحت شعار (لا إله إلا الله محمد رسول الله). أي تحت الدعوة إلى الحاكمية والفرقة الناجية الطائفية.

من هذه المعطيات التي جئنا عليها, نعيد طرح السؤال المشروع هنا أيضاً وهو: هل يستطيع الحزب أن يعود كما كان في قوة وعمق بنيتيه الفكرية والتنظيمية التي أسست لقيام هذا الحزب في أربعينيات القرن الماضي عندما كان يحرك الشارع السياسي كله تحت مظلة تعددية سياسية وحزبية وفكرية  كثيرة الانتماءات الطبقية, ومتعددة التوجهات والانتماءات العقيدية , وهو اليوم في بنية فكرية وتنظيمية مخلخلة ومهشمة ومتردية ومهزومة من الداخل والخارج معاً.؟. أو هل يستطيع العودة إلى حيويته وهو بسلطته الشمولية/الكليانية, وبشعاراته الفضفاضة التي أكلها (العث), والتي لم يستطع أن يحقق منها شيئاً لا على مستوى الوحدة ولا الحرية, ولا حتى على مستوى تحقيق الوحدة الوطنية أو المواطنة داخل المجتمع السورية؟. علماً أن ما حققه البعث من منجزات على مستوى الاشتراكية خلال مسيرة حكم البعث الطويلة,قد دمرته الثورة المضادة, أو ما تسميه قيادة الحزب اليوم بـ (الإرهاب), أو ما تسميه المعارضة بالثورة. هذا مع تأكيدنا أن السيد الرئيس بشار الأسد الأمين القطري للحزب, قد تحدث كثيراً في خطابه أمام مجلس الشعب عند بداية الأزمة عن ضرورة  توجه الحكومة والحزب بالعودة إلى الجماهير والالتحام بها, وتأكيده على الاقتصاد الصغير والمتوسط الذي ينال الشريحة الأوسع من الجماهير الفقيرة والمغربة والمستلبة – أي العودة إلى خط الاشتراكية العلمية -, وأخيراً تأكيده على العلمانية وضرورة تبني الفكر العقلاني التنويري وفسح المجال للطليعة المثقفة داخل الحزب وخارجه ان تأخذ دورها بعد أن همشت وحوربت طويلاً من قبل قيادات سياسية داخل الحزب أكثر ما تكره الثقافة والمثقفين, ومن قبل قوى دينية أصولية سخرت بهذا الشكل أو ذاك لمحاربة هذه الشرائح التنويرية في الحزب والدولة. علماً أن هذه القيادة لم تزل للأسف تمارس الاقصاء لهذه الشرائح التنويرية حتى بعد دعوة الأمين القطري للحزب السيد الرئيس بشار الأسد بضرورة تبنيها في هذه الأزمة التي لمس فيها تلك الأعداد الهائلة من شباب سورية الذين أطلقوا لحاهم وحفوا شواربهم وحملوا في عقولهم الخطاب الفكري السلفي التكفيري الطائفي, وفي يدهم السلاح الذي حرق الأخضر واليابس.

تظل الاجابة على هذه الأسئلة وغيرها الكثير مرهونة قبل أي شيء آخر بعملية الاصلاح السياسي التي ستفرض نفسها على الواقع السوري بعد تلك التجربة المريرة التي مر بها المجتمع السوري في هذه الأحداث, هذه التجربة التي ستضع القيادة السياسية داخل الدولة والحزب اليوم أمام مفترق طرق, سيؤدي إلى طريقين لا ثالث لهما:

     الأول: إما استمرار سيادة الحزب الواحد بدولتهالشموليةوقياداته المترهلة, وما تتضمنه هذه الشمولية من أمراض سياسية واجتماعية وثقافية وأيديولوجية وأخلاقية, انعكست وستنعكس سلباً إذا ما استمر السير عليها, لا سيما وأن ما تحقق من استشراء للفساد في بنية الدولة والحزب خلال السنوات الماضية قبل الأزمة, ساهم إلى حد كبير في الأزمة السورية وما لحق بالدولة بسببهمن دمار في بنيتها الاقتصادية والخدمية والاجتماعية والفكرية, والدخول في حرب لم يسلم منها أحد,مع غياب أو هجرة أكثر من ثلاثة عشر مليوناً من السوريين خارج القطر (من بينهم خيرة الكوادر العلمية والأدبية والفكرية والفنية) بناءً على إحصاءات الهيئة الدولية لللاجئين , أما من بقي داخل القطر فقسم كبير منهم حمل السلاح ليقاتل في حرب دخل فيها الحابل بالنابل , ومن عزل نفسه عن هذا القتال, لم يعد يهمه سوى كيفية الحفاظ على أرواح مكوناته ولقمة عيشهم وما تبقى من ممتلكاتهم, مع تأكيدنا أيضاً على ما تركته هذه الأزمة من أمرض اجتماعية وصحية ونفسية وأخلاقية لايمكن وصفها وليس من السهل تجاوزها لسنين طويلة. هذا إضافة إلى ما يترتب عل هذه المعطيات السلبية من إمكانية خلق فرص أخرى في أي وقت لحدوث ثورات أو ردود أفعال مضادة للنظام لا يعرف نتائجها إلا الله والمتآمرون على الوطن, ويأتي في مقدمتها الفسح في المجال واسعاً لكل زناة الليل لدخول سورية والتلاعب بمقدراتها وحياة أبنائها ,  هذا عدا إمكانية تدويل الحياة السياسية للدولة, وترك القوى العظمى هي من يقرر ما يجب أن يكون في سورية.

    الثاني: وهو السير قدماً في تطبيق الديمقراطية والعلمانية والسير في طريق الإصلاح السياسي بكل ما تدل عليه كلمة إصلاح من دلالات ايجابية, وما يعبر عنه هذا الإصلاح من رغبة حقيقية في تحقيق المواطنة الحقيقة لأبناء المجتمع السوري بكل مكوناته عبر احترام التعددية السياسية والمشاركة في السلطة ووضع مصالح الشعب والدولة أمام أوفوق أي مصالح حزبية أو فئوية أنانية ضيقة, أو تحت ذرائع ايديولوجية براغماتية أثبتت تجربة التاريخ البعثية فشلها في العراق وسورية معاً. وهذا ما يؤكد هنا تلك المقولة الشعبية الرائعة والصادقة في دلالاتها” بالنسبة لمفهوم (العقد الاجتماعي) بأن (اليد الواحدة لا يمكنها أن تصفق لوحدها.). وهذا ما يؤكده مفهوم الديمقراطية الشعبية في المنطلقات النظرية للحزب, ممثلة في التفعيل الايجابي لدور المنظمات الشعبية والنقابات المهنية والمجالس التمثيلية, وأقصد بالتفعيل الايجابي هو عدم تحويل هذه المؤسسات التنظيمية والدستورية إلى حزام ناقل للسلطة بقدر مايُعمل على دفعهالتمارس مهامها في الرقابة والبناء والمحاسبة والمشاركة في قيادة الدولة والمجتمع.

الفرق بين النظرية الثورية والأيديولوجيا:

من هذا المنطلق دعونا نقف هنا قليلاً عند مسألة على درجة عالية من الأهمية في مسيرة أية حركة ثورية, وهي التمييز بين النظرية الثورية والأيديولوجيا, وما هي أهمية النظرية في حياة الأحزاب التي تدعي الثورية كحزب البعث, وبالتالي ضرورة الوقوف طويلاً أمام تجربتنا في حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية, وخاصة عندما راحت القيادات الحزبية تعتمد في ممارستها لمهامهاعلى شعار (المهام المباشرة), دون الارتكاز على الاستراتيجية, التي حددتها المنطلقات النظرية وخاصة مرتكزي العلمية والثورية. أو بتعبير آخر انغماس الحزب في (التكتيك), على حساب الاستراتيجية, مع تأكيدنا بأن التكتيك ليس ضاراً ,وعندما يستخدم وقت الضرورة, فهو يغني الاستراتيجية.

إن العمل بالتكتيك دائما على حساب الاستراتيجية هو السير في طريق أو طرق أخرى أقل ما توصف بـ (البراغماتية السلبية), وأهم هذه الطرق, هو الانغماس في السلطة  وشهوتها, التي تولد الأنانية السياسية والدولة الشمولية. وبالتالي فإن أية قيادة سياسية تدعي بأنها وحدها قادرة على قيادة الدولة والمجتمع ستخسر نفسها وحزبها ودولتها ومجتمعها, وإن لم تخسرها, فهي لن تستطيع أن تربحها كاملةحتى ولو ظلت قائماً في السلطة.

 لاشك أن كل نظرية هي انعكاس للواقع في مجال الفكر. وكل تفكير نظري هو محاولة لوعي الواقع من خلال تجريده, بيد أن تجريد هذا الفكر وتحويله إلى أيديولوجيا متعالية على الواقع ذاته, سيظل انعكاساً مشوهاً للواقع , لا تقدمه أو تعكسه بصورته الحقيقية , بل بصورة مشوهه تطابق إلى حد كبير مصالح الطبقة أو الشريحة أو الفئة الاجتماعية والدينية التي  تتبنى هذه الأيديولوجية قبل وصولها بعد إلى مرحلة وعي الذات. أي هي مشروع فكري يعكس مصالح قوى اجتماعية محددة لا تعمل لمصلحتها ومصلحة المجتمع ككل , بقدر ما تعمل لمصلحتها فقط.

إن الأيديولوجيا عندما تتعالى على الواقع او توضع على الرف ستكون وعياً زائفاً, لكونها نتاج شروط اجتماعية لقوى طبقية أو فئوية أو حزبية محددة لا تتجاوز مصالحها, وتفترض ثبات هذه الشروط وهذه المصالح معاً, ولكونها كذلك, فهي ترتفع إلى مرتبة (الوعي المجرد), الذي يأخذ شيئاً فشيئاً في الانفصال عن شروطه المادية التي كونته. ومن هنا تفتقد الأيديولوجيا علميتها وعقلانيتها لكونها غير قادرة بسبب حواملها الاجتماعية الأنانية على الإحاطة بكل جوانب الواقع وتناقضاته. ولكونها – أي الأيديولوجيا – تعمل غالباً على قسر الواقع للارتقاء إليها وليس النزول إليه ومطابقتها له, بسبب رؤية حواملها الاجتماعيين الذين حولوها إلى دوغما , فكثيراً ما يمنح هذا التعالي الأيديولوجيا صفةالرجعية , أو المحافظة, أو غالباً ما يمنحها صفةالبراغماتية أيضاً, وبالتالي هذا ما يحول بينها وبين صفة العلمية والعقلانية. وهذا الكلام يبقى صحيحاً بالضرورة طالما أن المجتمع منقسم إلى طبقات متناقضة في مصالحها ومتناحرة إلى درجة الصراع أو ما تؤدي تناقضاته إلى الصراع لا محال. والطبقات التي ترتبط مصالحها بنظام الاستغلال والاستبداد لا يمكن أن تبلور وعياً علمياً للواقع الاجتماعي, حتى ولو ادعت بأنها تتبنى التقدمية, لذلك سيبقى وعيها بالضرورة أيديولوجياً, ويبقى تغنيها بتمثيل الجماهير ومصالها قادماً من باب تشويه الحقيقة ومحاولة لذر الرماد في العيون, وهذا الموقف البراغماتي السلبي الأناني لن يطول عليه الزمن حتى تكتشفه الجماهير ذاتها التي تتغنى هذه القوى بإسمها, وعندها ستكون ردود فعل الجماهير ضد هذه القوى المستبدة والمستغلة وأيديولوجيتها خارج نطاق العقل والمعقول, وستستثمر هذه الجماهير كل ما يتاح لها مادياً ومعنوياً من أجل الوصول إلى عدالتها وحقوقها, حتى ولو كانت هذه الوسائل تحمل تدمير هذه الجماهير ذاتها أو من يعبر عنها.

إذاً, إن الوعي الأيديولوجي سيكون رجعياً ومحافظاً عندما يعبر عن رؤية طبقية أو شريحة ترتبط مصالحها بالعودة إلى نمط سابق من أنماط الاستغلال.

وتكون براغماتية سلبية, عندما تعبر عن رؤية طبقة أو شريحة محددة ترتبط مصالحها بولادة مجتمع جديد من أنماط المجتمعات  الطبقية القائمة على الاستغلال أيضاً حتى ولو ادعى حاملها الاجتماعي التقدمية.

     إن هذه الأيديولوجية في اتجاهها البراغماتي لن تكون علمية وعقلانية وتعبر عن مصالح الجماهير تعبيراً حقيقياً إلا إذا تحولت إلى (وعي مطابق), أي تتحول إلى نظرية ثورية قادرة على عكس الواقع والعمل على ضبط مصالح الجماهير بشكل دائم, مراعية في ذلك حالة التوازن الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي لهذه الجماهير في كل مرحلة تاريخية معيوشة, واعتبار العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والمساوة والمواطنة جوهر طموحاتها.

إن تجاوز مرحلة الوعي الأيديولوجي (كوعي سلبي) في فكر قوى اجتماعية محددة, أوفي فكر الأحزاب التي تهيمن على السلطة بإسم التقدمية ومصلحة الجماهير ,يصبح ممكناً عندما تتوافر الشروط التي يتحقق فيها نمو القوى المنتجة وارتقاء المجتمع الطبقي من حالة الهجانة أو التداخل الطبقي, إلى حالة الوضوح الطبقي والفكري. أي عندما توجد أو تولد من رحم التاريخ طبقة أو قوى اجتماعية مؤمنة بقضيتها الثورية وبدورها  كقائدة فعلاً للجماهير المسحوقة والمضطهدة قبل أي شيء آخر, وقادرة علىتحرير نفسها وغيرها من مكونات المجتمع من الاستغلال. وهي لن تستطيع تحقيق ذلك إلا بإلغاء نظام الاستغلال الطبقي الحاد كما بينا في موقع سابق من هذه الدراسة.أو بتعبير آخر وصولها إلى مرحلة الايمان بضرورة العمل بمسؤولية عند استلامها السلطة على تحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص ودولة المواطنة واحترام الرأي والرأي الاخر, وأن لا تغريها شهوة السلطة التي ستدفعها إلى تحريف أو إفراغ الشعارات والمطالب الثورية التي كانت تناضل من أجلها من مضمونها كما فعلت الطبقة البرجوازية الأوربية قبل استلامها السلطة وبعد استلامها. لقد كانت مقولة الخليفة عثمان بن عفان صادقة عندما قال مالا يحققه الدين تحققه السياسة . وبالتالي هذا يؤكد عندنا بأن القوى الاجتماعية التي تصل إلى السلطة, والمؤمنة بمصلحة الجماهير وقواها المضطهدة, قادرة على تحقيق الدولة والمجتمع العادلين إذا ما تخلت هذه القوى عن أنانيتها وشهوتها للسلطة ووضعت مصالح الشعب والوطن في مقدمة أهدافها.

النظرية والمهام المباشرة:

مع انتهاء المنظومة الاشتراكية والحرب الباردة, وبدء اضمحلال صراع المسائل الفكرية والعملية المتعلقة بتلك الحرب, وخاصة مسألة الصراع الطبقي بين القوى المستغِلة والمستغَلة على مستوى المجتمع  داخل الدولة الواحدة, أم على مستوى الأمم أو الدول, راحت تُطرح آراء   عديدة حول نهاية الأيديولوجيا أو النظريات الكبرى, ومدى قدرتها على تحليل الواقع, ورسم الحلول المباشرة والمستقبلية لشعب من الشعوب أو طبقة من الطبقات. وذلك تحت ذريعة البحث عن وعي مطابق بصيغه البراغماتية, ووعي كوني, ووعي يرتبط بخصوصيات الواقع وقيمه الثقافية والأخلاقية.. الخ . وكل ذلك جاء على اعتبار أن النظريات الشمولية ومنها الاشتراكية قد شاخت وهرمت وأثبتت عجزها في ربط الفكر بالواقع, وعن تحقيق شعاراتها المتعلقة  بتخليص الفرد والمجتمع من القهر والظلم والاستلاب الذي يقع عليهما. أما الذي ساعد في الحقيقة على تبني هذه الرؤى والأفكار الما بعد حداثوية, فهي تلك التحولات العميقة التي ساهمت بشكل دراماتيكي في انهيار المنظومة الاشتراكية من جهة, ثم استمرار وبالتالي صعود  المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وقدرتها علىفرض سيطرتها ونظامها العالمي الجديد الذي راحت تبشر به الرأسمالية الاحتكارية, وهي (الحامل الاجتماعي ) لهذا النظام العالمي الجديد بقوة السلاح على الساحة العالمية من جهة ثانية.

فمع هذه التحولات الدراماتيكيةراح يُؤكد عند من  هزته هذه التحولات فكراً وممارسة, وخاصة عند قادة الأحزاب التي تدعي الثورية. أي (أحزاب الديمقراطية الثورية),انتهاء دور النظريات الثوريةأو المشاريع الكبرى مثل الاشتراكية كما أشرنا اعلاه , وأن سياسة الانفتاح على العالم الداخلي والخارجي  هي الحل لتحقيق التقدم والنهضة لشعوبها. مثلما وجدت عند قادة بعض هذه الأحزاب أو من يتحكم بقرارها السياسي والحزبي فكرة العودة إلى الخصوصية الثقافية والحضارية والمهام المرتبطة بصورة مباشرة بالدولة والمجتمع وفقاً للظروف الدولية المحيطة والتلاؤم مع تحولاتها, كحل لتجاوز مأزق هذه الدول وشعوبها من تخلفها أيضاً.

ما يهما الاشارة إليه هنا هوتركيز بعض القوى السياسية والفكريةعند قادة الحزاب الديمقراطية الثورية, على ضرورة  الأخذ بـ (المهام المباشرة)واتخاذه كغطاء لإبعاد دور النظرية عن حياة أي حزب, أو حركة تقدمية.

إن الفهم الخاطئ لمقولة المهام المباشرة لا يخفي إذن تلك الدعوات الرامية إلى إبعاد دور النظرية العلمية في المعرفة خاصة عن مجال الفكر والممارسة داخل حياة هذه الأحزاب وخارجها. فمؤسسي النظرية الثورية كانوا دائماً يؤكدون على أنه لا ثورة بدون نظرية ثورية. وبالتالي فإن اضعاف دور النظرية في حياة أية حركة أو حزب تقدمي ما هو إلا دعوة لفتح الأبواب مشرعةً أمام تمرير النظريات والآراء الما بعد حداثية أو من يمثل نهجها, تحت ذريعة العقلنة أحياناً, ومراعاة خصوصيات الواقع والتماهي مع هذه الخصوصيات أحياناً أخرى.

إن العمل على تطبيق النظرية الثورية في سياسة الدولة والحزب وإظهار دور القوى الطبقية صاحبة المصلحة الحقيقية المكلفة بقيادة هذه الدولة,ما هو في الحقيقة إلا دعوة صادقة على صحة تبني المهام المباشرة هنا, وأهميتها وتوجيه خط سيرها كي تلتقي بالضرورة مع الاستراتيجية التي تطرحها النظرية الثورية ممثلة بحواملها الثوريين. وهي دليل على صحة هذا الشعار أو هذه المهام في لحظة تاريخية معينة أيضاً. بحث أن الاستناد على النظرية الثورية يوفر القدرة على معرفة المهام الممكنة التحقق, ويميزها عن المهام التي لم ينضج الواقع الموضوعي لطرحها, أو لم تكتمل شروط ظهورها بعد.

إن وهم صياغة مهام مباشرة دون الاستناد إلى نظرية ثورية (استراتيجية), ودورها في حياة الحزب أو الدولة, يؤدي إلى التخبط في أتون الذاتية والارتجال والمواقف الذهنية والحدسية , أيالوقوع تحت تأثير أفكار غريبة عن أي منطلقات فكرية تمس حياه الجماهير ومؤسسات الدولة والحزب , كونها أفكار تعمل على تغييب الواقع وتناقضاته وصراعاته (الأساسية), واللهاث دائماً وراء الأحداث والمستجدات الحياتية الجارية كجريان النهر , كأحداث منفصلة عن غيرها , ولها بنيتها الخاصة بها بعيداً عن أي تأثير وتأثر بغيرها.  وهذا ما يساهم في السير قدماً من ضياع إلى ضياع آخر أكثر تطرفاً في مجالي الفكر والممارسة معاً. أي في مجال تحليل الظاهرة واتخاذ القرار المناسب في حلها أو تنميتها .. الخ.

إن فقدان النظرية الثورية لدى الأحزاب التي تدعي الثوريةبتعبير آخر, سيؤدي بالضرورة إلى خلل في الممارسة من جهة, وإلى تغييب البعد الطبقي وتحديد مهام الطبقة أو القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة الحقيقية في تحقيق التقدم من جهة أخرى, وحين تفقد الممارسة دليلها النظري وحواملها الاجتماعيين الحقيقيين فهي ستُضِل الهدف وتسقط في بحر التجريبية, حيث يسود شعار (نجرب ونخطئ, ثم نجرب ونخطئ…) حتى النهاية.

وبناءً على كل ذلك نعود لنسأل مرة أخرى هل سيستطيع حزب البعث أن يعيد حيويته وقدرته على النهوض من جديد كطائر الفينيق بعد هذه الانتكاسة والهزيمة التي أصابته بسبب تهميش نظريته الثورة أو منطلقاتها الأولية فكراً وممارسة ومنهجاً وحوامل اجتماعية على حساب التكتيك؟, أو بسبب انغماس الحزب في المهام المباشرة المتكئة على الحركة الدائمة في بنية الدولة والمجتمع وعلاقاتهما بالخارج بشكل عام, دون تحديد الأهداف الاستراتيجية وحواملها الاجتماعية؟. ثم هل يستطيع الحزب أن يجد الكوادر القيادية الواعية لنفسها ونظرية حزبها ومهامه التي حددها لنفسه في منطلقاته النظرية, والتي وجه الرئيس الأسد بضرورة الاعتماد عليها لمواجهة هذه الأزمة؟. أي حوامل تجيد الفهم والتطبيق أكثر من التزلف والتصفيق؟.

 

د.عدنان عويّدكاتب وباحث من سورية.
الخميس 19  يوليوز 2018.