يتحدد البعد السوسيولوجي (الاجتماعي) للدين بالواقع المعيش, على اعتبار أن الدين شكل من أشكال الوعي.فهو يتصل اتصالاً مباشراً ووثيقاً بالواقع.والواقع هو الذي يحدد طبيعة هذا النص المقدس, أي هو الذي فرضويفرض على هذا النص المقدس أن يتعامل مع هذا الواقع بأبعاده الاقتصادية والسياسية والثقافية والقيمة,وما يترتب على هذه الأبعاد من مهام ووظائف عبر الممارسة من جهة, والواقع ذاته هو من يفرض على من يشتغل على هذا الدين أن يعمل على تفسير وتأويل النص الديني بما يتفق ومصالح الفرد والمجتمع وفقاً للمرحلة التاريخية المعيشة من جهة ثانية. والواقع أخيراً في حركته وتطوره وتبدله هو من فرض الناسخ والمنسوخ على هذا النص المقدس, وتأكيد أن الأحكام تتغير بتغير الأحوال من جهة ثالثة.

فهذا الشيخ الإمام محمد عبده يتعامل مع الفكر عموماً ومنه الفكر الديني خصوصاً, بكل جرأة وعقلانية وفقاً لهذه الرؤية السوسيولوجية عنوان موضوعنا بقوله: ( نعم إن الإنسان إنسان بكل فكره وعقائده, إلا أن ما ينعكس إلى مزايا عقله من مشاهد نظره ومدركات حواسه يؤثر فيه أشد التأثير, فكل شهود يحدث فكراً, وكل فكر له أثر في داعية, وعن كل داعية ينشأ عمل, ثم يعود من العمل إلى الفكرولا ينقطع الفعل والانفعال بين الأفكار والأعمال مادامت الأرواح في الأجساد, وكل قبيل هو للآخر عماد) . (الأعمال الكاملة – محمد عبده- ج3- ص 286 وما بعد).

     إن الدين إذاً يرتبط في حركته وتطوره وتفسيره وتأويله وتطبيقه بالواقع الاجتماعي المعيش بكل علاقاته, وأن علاقة أو ارتباط هذا الدين أو ذاك بالواقع تختلف من مجتمع إلى آخر ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى ومن دين إلى آخر, تبعاً للموقع الذي يأخذه الدين في المجتمع أولاً, ثم للخصوصية الثقافية التي يتمتع بها هذا المجتمع ثانياً.ففي المجتمعات الغربية مثلاً التي تطورت فيها الثورة الصناعية والتكنولوجيا, والعلم, وقيام الدولة الحديثة, والتضحيات الجسام التي ضحتها الشعوب المقهورة المضطهدة في نضالها ضد استبداد الكنيسة وطبقة النبلاء والملك, من أجل الحصول على حقوقها الطبيعية,وبما يرتبط بهذه الحقوق من مفاهيم عريضة مثل الحرية والعدالة والمساوة, ثم الدعوة لتحقيق إيمان الإنسان بأنه قادر أن يعتمد على عقلهوإرادتهلتحقيق مصيره… الخ.كانلكل ذلك تأثيره على حياة الفرد والمجتمع الأوربيالاقتصادية والاجتماعية والثقافية, والسياسية والقيمية, مثلما كان له أيضاً تأثيره الكبير على علاقة الدين بالمجتمع, ودفع الدين وحصره في مضمار المجال الفردي أو المسائل الشخصية, وبالتالي فصل الدين عن الحياة السياسية.بينما نجد الصورة عكس ذلك في الدول والمجتمعات المتخلفة والمخلّفة في العالم الثالث. فالدين هنا وبسبب ركود الوجود الاجتماعي بكل مكوناته وانعكاساته الفكرية بكل مضامينها على حياة الفرد والمجتمع, لم يزل الدين يأخذ مكانته الكبيرة والفاعلةفي حياة الفرد والمجتمع والدولة.وعلى هذا الأساس هو من يحدد الهوية الحضارية لهذه المجتمعات المفوته حضارياً والانتماء لها, وهو من يحدد الأرضية الثقافية التي يجب على الدولة والمجتمع الوقوفعندها, وبالتالي البناءعلى مضامينها كل ما يتفقوالقيم الدينية من حيث تحديد طبيعة الملْكيّة الخاصة وضبط الحياة الزوجية وغير ذلك. وإضافة إلى ذلك يظل الدين في هذه الدول والمجتمعات هو دين الطائفة والمذهب.. هو الدين الذي يفرض على حاضر شعوب دول العالم الثالث الكثير من صراعات ماضي هذه الشعوب وإشكالياتها التي عاشوها, ويظل الدين أيضاً هو من يحدد وفقاً للمواقف الفقهية المرتبطة بحياة هذه الطائفة أو المذهب طبيعة معايير الحرام والحلال التي على المتدينين السير عليها أو الابتعاد عنها, الأمر الذي يؤدي إلى بروز رؤى ومواقف فقهية متعددة ومتناقضة ومتصارعة غالباً في فهمها للنص الديني وتطبيقاته , وهذا ما يساهم كثيراً في تفريق أبناء المجتمع وضرب أسس المواطنة أو الوحدة الاجتماعية لديه. فالدين في هذا السياق , يظل مسألة لها المكانة الأولى في تحديد وضبط حياة الفرد أكثر من دور الدولة ومؤسساتها , إضافة لتأثيره في مسار الدولة ذاتها.

     ملاك القول: إن للدين موقف وظيفي تفرضه كما قلنا أعلاه طبيعة المرحلة المعيوشة بالنسبة لحالات التطور والتقدم بالنسبة للمجتمع والدولة تاريخياً من جهة, وبالنسبة لقوة حضور هذا الدين ودرجة فاعليته في حياة هذه الدولة والمجتمع بشكل عام من جهة ثانية. ولكن يظل في المحصلة للدين دور وظيفي في حياة الشعوب ودولها يؤديه حوامل هذا الدين الاجتماعيين في شقيه الايجابي أو السلبي.

 فالدين من الناحية الايجابية يقوم بربط الفرد بالمجموعة, ويقدم له العون المعنوي عند الضياع والخيبة والاحتجاج , أو عند القناعة والرضى التسلية والرضوخ ,كما يقدم له العون المادي أحياناً من قبل أصحاب هذا الدين أو ذاك أو تفريعاته الطائفية والمذهبية. إن من وظائف الدين الايجابية ضبط وتعديل جملة التوازنات الممكنة بين الفرد وذاته, وبين الفرد والمجموع, كما أن آليات الضبط هذه تشتغل على وظيفة الفرد الاجتماعية والإدارية والسياسية والاقتصادية والثقافية, أي وظيفته كإنسان في نهاية المطاف. ومن وظائفه الايجابية أيضاً ,يشكل الدين في مفاهيم عدالته وموقفه من الظلم والاستعباد والاستغلال أحد الوسائل الأساسية التي يتكئ عليها المحتجون أو المعارضون للأنظمة السياسية المستبدة القائمة.

أما بالنسبة للمواقف السلبية التي يحققها الدين من سلبيات وخاصة في مواقف حوامله الاجتماعيين الاحتجاجية, هي أن الدين يعمم هنا على مجمل مستويات قوى الاحتجاج, أي يغيب البعد الطبقي عند القوى المحتجة إلى حد بعيد طالما أن العدو واحد في مرحلة تاريخية محددة. ولكون الدين في رؤيته لمفاهيم العدالة بكل مستوياتها أو تفريعاتها تقوم على رؤى ثابته (معيارية) غير قابلة عند الكثير من مشايخ الدين للنقد أو المراجعة, لذلك نجد الدين يَحُولُ دون تطور ونضج قوى الاحتجاج وإيصالها إلى قوى تغييرية شاملة قادرة على تحقيق ثورة حقيقية قد تكون أساسية وضرورية في مرحلة تاريخية محددة من تاريخ الدول والمجتمعات التي تعيش حالات من القهر والظلم والاستبداد. فمكانة الدين كـ ( أفيون للشعوب), لا تستثمر الدين عقلانيا وبما يتفق وروح العصر. ومن ناحية أخرى يظل لوظيفة الدين سلبياتها على حياة المجتمعات ودولها انطلاقاً من الوظيفة الانتمائية للدين, هذه الوظيفة التي تتناقض مع تكوين الهويات الأخرى غير الدينية التي تقتضيها الوضعيات المعاصرة للأمم والشعوب, كالانتماءات الكبيرة مثل الانتماء للوطن أو للقومية, أو الانتماءات الصغرى مثل للحزب أو النقابة او المنظمة… الخ.

     إن الدين في وضعيته الانتمائية القائمة على العقيدة, يصبح هنا عامل تقسيم وتشرذم خصوصاً داخل المجتمعات المتعددة الديانات والطوائف والمذاهب, حيث تؤدي هذه الانتماءات الدينية الضيقة إلى صراعات دينية وأهلية تهدد وحدة المجتمع ككيان حضاري وثقافي وسياسي.

     تظل أخيراً هناك وظيفة سلبية للدين على درجة عالية من الأهمية وهي, تحول الدين إلى أيديولوجيا بيد السلطات الحاكمة التي لا تعبر عن مصالح شعوبها, فتاريخياً اتكأت السلطات الحاكمة على الدين ووظفته تفسيراً وتأويلاً بما يحافظ على وجودها وبالتالي مصالحها. بل إن الدين ظل يحكم طبيعة السلطة ذاتها من حيث الانتماء الصلبي إلى البيت القرشي, أيالانتساب للرسول بالنسبة للدين الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر. وهذا لم يزل قائما في عالنا العربي والإسلامي حتى بعد انهيار الخلافة العثمانية. فالأردن لم يزل حتى اليوم يحكم بإسم العائلة الهاشمية, وكذا الحال في المغرب حكم العائلة السعدية والعلوية, والملفت للنظر أن من ينتمي لآل البيت من مشايخ الدين له حظوة اجتماعية كبيرة لدى المجتمعات الإسلامية إن كان من السنة أو من الشيعة.. كما أن من الآليات المهمة التي يعمل الدين عليها في توجهاته السلبية, هو التواطؤ الذي يقوم بين الطبقات الحاكمة والكثير من علماء الدين نتيجة مصالح مشتركة بينهما, وذلك عن طريق بعض المؤسسات الدينية وعلمائها, هؤلاء العلماء الذين كانوا بغالبيتهم في مختلف عصور الإسلام على سبيل المثال لا الحصر, خاضعين سياسياً واقتصاديا للقوى الحاكمة. و هم من يقوم بعملية تفسير وتأويل النص الديني وإصدار الفتاوى لمصلحة هذه القوى السياسية او تلك. أما الخطر في هذا التحالف المشبوه بين رجال الدين والسلطة, فهو تشجيع الفكر السلفي الغيبي الامتثالي والصوفي منه على وجه التحديد الذي يعمل على محاربة العقل والإرادة الإنسانية من جهة, ومحاربة الفكر التنويري والعقلاني والتقدمي وحوامله الاجتماعيين ووصف ما يحملون من أفكاربأنها أفكار زندقة وكفر من جهة ثانية.

 

د.عدنان عويّد كاتب  وباحث من سورية.
السبت : 28 يوليوز 2018.