كما كان مرتقبا من قبل، صادق المجلس الوزاري المنعقد برئاسة الملك محمد السادس مساء يوم الاثنين: 20 غشت 2018، الذي يصادف الذكرى 65 لثورة الملك والشعب، على مشروع القانون رقم:18 .44 المتعلق بالخدمة العسكرية، بعد أن تدارسه المجلس الحكومي صباح نفس اليوم تحت إشراف سعد الدين العثماني رئيس الحكومة. وهو القانون الذي كان ساريا منذ أربعين عاما إلى أن ألغي سنة 2007، لأسباب قيل إنها مرتبطة باكتشاف أن أغلبية معتقلي السلفية الجهادية المتورطين في أعمال إرهابية، استفادوا من “التجنيد العسكري الإجباري”، وقيل بأن الأمر له علاقة مباشرة بالكلفة المالية الضخمة وعدم جدوائيته، في غياب أي توضيح رسمي.

      وجدير بالذكر أنه بمجرد ما علم المغاربة بعزم الحكومة على عرض القانون القديم/الجديد أمام مجلسها لمناقشته، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي وتعالت الأصوات من هنا وهناك، منها المؤيدة لعودة الخدمة العسكرية الإجبارية في ظل ما بات يشوب المجتمع من ظواهر اجتماعية غريبة وانحرافات رهيبة في أوساط الشباب العاطل بوجه خاص، ومنها الرافضة لهذه الخدمة التي يعود تاريخ ظهورها إلى عهد الملك الراحل الحسن الثاني، الذي أصدر مرسوما تحت رقم: 66.137 بتاريخ 20 صفر 1386ه الموافق ل: 9 يونيو 1966 بمثابة قانون يتعلق بإحداث وتنظيم الخدمة العسكرية. متوخيا منه بث قيم الإخلاص والإيثار والتضحية وحب الوطن، وجعل المواطن متشبعا بروح المسؤولية ومستعدا للدفاع عن حوزة الوطن ووحدته الترابية، ومؤهلا للمساهمة في النمو الاقتصادي للبلاد. ويمنح هذا القانون حق تأجيل الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها لبعض الحالات، كالعجز البدني والصحي، التحمل العائلي ومتابعة الدراسة وغيرها.

      وبصرف النظر عما اكتنف العودة للعمل بهذا القانون في هذا الوقت من غموض أثار جدلا واسعا ومجموعة من الهواجس والمخاوف، وعما إذا كان تم الاحتفاظ بفصوله أم أدخلت عليه بعض التعديلات من قبيل “إلزام المواطنات والمواطنين المتراوحة أعمارهم ما بين 19 و25 سنة، بأداء الخدمة العسكرية لمدة 12 شهرا عوض 18 شهرا في السابق”، وعن الامتيازات والعقوبات وأعداد الشباب المعنيين، والغايات الكبرى والكلفة المالية السنوية المرصودة لها … يرى المتحمسون للتعجيل بتطبيقه، ممن استاؤوا من السياسات الحكومية، التي أخفقت في إيجاد حلول مناسبة لمشاكل الشباب المتفاقمة، وعجزت عن التصدي للمنحرفين الذين باتوا يشكلون تهديدا حقيقيا لأمن وسلامة المواطن في تعارض تام مع تعاليم الدين الإسلامي السمح وتحد سافر للقانون… أنها خطوة إيجابية في اتجاه تعزيز قيم المواطنة، والتربية على الانضباط والاعتزاز بالانتماء للوطن والدود عن حدوده. ويعتبرونها فرصة للحد من مظاهر العنف والإجرام والتعاطي للمخدرات وحبوب الهلوسة والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، والشغب في الملاعب الرياضية…

      ومنهم كذلك من يرون أنها فرصة ثانية أمام المجندين لتدارك ما فاتهم وتنمية معارفهم ومهاراتهم، الاستفادة من تكوينات تقنية ومهنية متنوعة حسب مستوياتهم التعليمية، وإمكانية الإدماج في سلك القوات المسلحة، ومساعدتهم في ولوج سوق الشغل مباشرة بعد نهاية فترة الخدمة العسكرية. وأنها إلى جانب ذلك كله ستساهم في امتصاص أعداد كبيرة من العاطلين، الذين أصبحوا يشكلون عبئا ثقيلا على أسرهم وعلى المجتمع، فضلا عن أن المؤسسة العسكرية ستستفيد بدورها من خبرة حاملي الشهادات العليا لاسيما في التخصصات العلمية…

      وفي المقابل هناك الرافضون الرجوع إلى الخدمة العسكرية، باعتبارها حلا ترقيعيا ولا ترقى إلى مستوى تطلعات الشباب، وأن مدة 12 شهرا لن تكون كافية لتقويم الاعوجاجات التي عجزت الأسرة والمدرسة وجميع مؤسسات الدولة عن القيام به طوال سنوات. ولكونها تتم خارج الضوابط القانونية بأسلوب انتقائي وغير ديمقراطي، حيث يخضع لها فقط ضحايا الهدر المدرسي والمشاكل الاجتماعية والمنتسبون للطبقات الشعبية الفقيرة في القرى المنسية وأحزمة البؤس بالمدن، الذين لا يتوفرون على أي “ركيزة” سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية لحمايتهم، في ظل تفشي المحسوبية التي تلعب دورا حاسما في إعفاء أبناء الأثرياء والعائلات النافذة. علاوة على ما يتعرض له المجندون من مضايقات وسوء المعاملة في الثكنات العسكرية خلال زمن “التجنيد العسكري الإجباري”، من خلال أساليب القمع والتسلط وفرض الطاعة العمياء والصرامة في تنفيذ الأوامر من قبل المسؤولين العسكريين، مما رسم صورة قاتمة عن مؤسسة الجيش وأعطى انطباعا سيئا للأسر المغربية عنها، جعل الشباب يشمئزون من مواصلة التداريب أو الالتحاق بها…

      وإذ نحترم جميع الآراء والانتقادات بما فيها حتى تلك التي لا تحسن عدا الهدم ونسف المبادرات، فإننا لا نخفي ميلنا الشديد إلى إعادة العمل بالخدمة العسكرية الإجبارية، ومدى حاجتنا إلى تثبيتها أمام فشل مؤسسات التنشئة الاجتماعية في الاضطلاع بدورها وابتعاد غالبية شبابنا عن القيم الأخلاقية والحس بالمسؤولية، لما لها من إيجابيات عديدة في تكوين شخصية المواطن، إذا ما حرص المسؤولون على احترام القانون المنظم لها بالجدية اللازمة، على أساس أن تشمل كافة المواطنات والمواطنين دون تلاعب أو تمييز بين ابن الوزير وابن الفقير. وأن تعمل المؤسسة العسكرية إلى جوار الأسرة والمدرسة على ترسيخ قيم المواطنة في أذهان شبابنا وجعلهم على استعداد دائم للتضحية في سبيل الوطن، وتقوم بإبرام اتفاقية شراكة مع وزارة التربية الوطنية، لتنظيم تداريب عسكرية خلال العطل الدراسية، تعمق الوعي لدى المتعلمين والطلبة بروح الانضباط ونبذ العنف واحترام القوانين وحقوق الإنسان، والاعتماد على النفس في السراء والضراء.

 

الخميس:  23 غشت2018. / 02 ذو الحجة 1439 هح