( إنا لله وإنا اليه راجعون )..

إلتحق بالرفيق الأعلى الوطني والمناضل والقائد الإتحادي سي الحبيب الشرقاوي الذي وافته المنية بالرباط حيث دفن   عصر يوم الجمعة 24 غشت 2018.

نسأل الله للراحل الرحمة والمغفرة والجنة ..آمين …ونتقم بالتعازي لأسرته الكريمة والأسرة الإتحادية والتقدمية .

(***)

وبهذه المناسبة أنشر نص الحوار الذي  نشر بجريدة ” الاتحاد الاشتراكي ” المغربية  فبراير 2010 .والذي انجزه الاخوين عبد الحميد جماهري ، و محمد الخو .

بعد التحاقي بالاتحاد قاطعني والدي .. إلى حين وفاته

س- الأخ الحبيب الشرقاوي أبدأ معك من مداخلتك الأخيرة في المجلس الوطني(5/6دجنبر2009) حيث تحدثت عن الذكرى الخمسينية لتأسيس الإتحاد، بما يفيد أن تاريخ الإتحاد ليس صورا فقط ، ومع ذلك كان التخليد إيجابيا. لكن بدا لك أن الطريقة التي تم بها التخليد لم تكن جيدة . سؤالي كيف يعيش الأخ الحبيب هذه الخمسينية اليوم؟

ج- قلت إن تخليد الذكرى كانت تخليدا ناقصا، لأن تجربة الإتحاد تجربة كبيرة، فهناك الكثير من الناس عاشوا تلك الفترة. وكان مُهما لواستدعوا وأدلوا بشهاداتهم قي لقاءات وندوات حتى يتعرف الشباب المغربي عن تاريخ الحزب .أما تختزل الذكرى هكذا في بعض الصور فأمر غير كاف.

و قبل التطرق لذكرياتي خلال 50 سنة الماضية سأشير بإيجاز لتجربتي الاستقلالية ، ذلك أني ترعرعت في أسرة استقلالية. فوالدي رحمه الله ،الحاج الحفيان الشرقاوي ،كان من الموقعين على عريضة الاستقلال سنة 44، وقتها تعرفت على بعض الإخوة القياديين أمثال عبد الكريم الفلوس،عثمان جوريو، صالح الشرقاوي ،محمد المدور، خلال اللقاءات والتجمعات التي كان ينظمها حزب الإستقلال.

س- انخراطك في حزب الاستقلال، أظن أنه كان سنة 1947؟
ج- أنا من مواليد 1932 وعشت كما قلت أحداث 1944 والتحقت بالحزب سنة 1950 .

س- كان الالتحاق طبيعي، عادي؟
ج- كان على الملتحق أداء اليمين فقط ، فاليمين حينئذ كانت له قيمة، وليس كما هو عليه اليوم حيث لحقه التزوير هو الآخر.

س- وعلى يد من أديت اليمين؟
ج – على يد الحاج عثمان جوريو الذي توفي مؤخرا (بداية دجنبر2009).

س- من قادك للانخراط في حزب الاستقلال؟
ج- العائلة هي التي قادتني للإنخراط . وبعد حركة الانتفاضة في 25 يناير1959 قاطعني والدي ولم يعد يتكلم معي.

س- ربما كان يعتقد أن مكانك الطبيعي هو حزب الاستقلال؟
ج- لذلك بقي ، رحمة الله عليه ،على موقفه مني إلى أن أدركته الموت سنة 1961 . لقد ترك ما حدث سنة 1959 ، شئنا أم أبينا، أثرا نفسيا بالغا على نفسه ، وتفهمت موقفه جيدا ورد فعله. ففي تلك الفترة كان الإخلاص في الانتماء السياسي .لم يكن الفرد يغير انتماءه أربع أو خمس مرات في السنة كما نشاهده الآن في الساحة السياسية.

س- ماذا عن الجماعة الأولى التي بدأت العمل معها في حزب الاستقلال؟
ج- كنت أجتمع مع الإخوة محمد المدور ومع عبد الكريم الفلوس الذي درست على يديه ، وكذلك مع صالح الشرقاوي، وهو بالمناسبة عمي وقد توفي في حادثة سقوط طائرة بحي دوار الدوم سنة 1961 .
كما كنت ألتقي ببعض القادة الاستقلاليين الذين كانوا يزورون والدي في البيت، منهم السي محمد اليزيدي الملقب ببوشعيب والفقيه الغازي وكذلك الحاج أحمد بلافريج والذي كان يتردد كثيرا على بيتنا في حي مارسا ، وبالطبع كان يتناول الغذاء أو العشاء مع العائلة لدرجة أن والدي كان يطلب رأيه في نوع الأطعمة التي يرغب أكلها. فكان جوابه رحمه الله : كل من دب وطار وعام .
لم أكن أجالسهم دائما، ولكن عندما أجالسهم أستمع إلى أحاديثهم . والحقيقة كانت أحاديث عن الوطنية طبعت عمل الحزب في تلك الفترة، وتوج هذا العمل الوطني بالمقاومة فيما بعد بالحصول على الاستقلال .
والحقيقة أن حزب الاستقلال لعب دورا مهما في توعية المغاربة وفي نشر قيم الأخلاق.

س- ماهي ذكريات السي الحبيب عن سنوات الإنخراط في حزب الاستقلال ؟ وعن علال الفاسي؟
ج- لم يسبق لي أن اجتمعت مع المرحوم علال الفاسي. لكن ما كنت أسمعه عنه من القادة الآخرين وخاصة من أصدقائه، بل ومن خصومه أيضا ، أن الرجل كان دائما يسعى وبإخلاص لتحقيق الوحدة الوطنية، وحينما احتد الصراع سنة 1959 داخل الحزب كان السي علال مصمما على وحدة الحزب و مصرا على عدم تشتيته.

س- وعلاقتك بالشهيد المهدي بن بركة ،هل عملت معه قبل أم بعد 1959؟
ج- بالنسبة للشهيد المهدي فقد اشتغلت بجانبه بعد الانتفاضة. كنت أعمل موظفا بوزارة الخارجية ، وطردت منها بعد إضراب 20 دجنبر1961 إذ كنت الكاتب العام للنقابة، وطرد معي مجموعة من الإخوة أذكر منهم محمد الصويري، حسن إسماعيل، مصطفى اعمارة، محمد الذهبي، عمر بلكورة،أحمد الشاوي شفاه الله، وأحمد الشرقاوي وعبد الصمد الكنفاوي رحمهما الله. وأفتح قوسين لأقول أن الحاج أحمد بلافريج هو مؤسس وزارة الخارجية وجلب لها أحسن الأطر المغربية آنذاك جعلها تنبض بالحيوية والنشاط. ومن عايش مثلي أو اطلع على أجواء العمل بالوزارة آنذاك وقارنها بما أصبحت عليه اليوم، لا شك أنه سيشعر بإحباط كبير.
طردت إذن، فطلب مني الشهيد المهدي أن أعمل في المقر المركزي للحزب بالرباط الكائن بالمامونية قرب محطة «لاستيام» .والتحقت بالمقر مع مجموعة أخرى أذكر منهم الأخ عبد الحفيظ الرفاعي والأخ محمد الجوهري والمناضل الفد عبد الواحد بنونة، اخ الشهيد محمد بنونة، كما كان يشتغل معنا من فترة إلى أخرى كل من الأخوين عبد الفتاح سباطة وعمرو العطاوي رحمهما الله.

س- كيف عاش السي الحبيب أحداث 1959 وتأسيس الجامعات المتحدة لحزب الإستقلال؟
ج- طبعا حضرت التجمع الذي ترأسه الشهيد المهدي بن بركة في قاعة الغرفة التجارية والذي سهر على تنظيمه الإخوة: عبد الفتاح سباطة ،اعمرو العطاوي ومحمد الحيحي رحمهم الله جميعا .
كان تجمعا حاشدا على غرار التجمعات التي عقدت في جميع المدن المغربية ومن تنظيم مقاومين وغيرهم. وقد رفض المهدي رفضا باتا أن تخاض معارك مع الطرف الآخر حول المقرات الحزبية. فأول مقر عثرنا عليه كان في زنقة بيلي قرب المقر الحالي لوزارة الصحة، واتخذته اللجنة الادارية بالرباط مركز نشاطها تحت رئاسة الشهيد المهدى بن بركة ، وتأطير الاخوة الطيب بنعمر والمرحوم الهاشمي بناني والذي كان يعمل كذلك في الواجهة النقابية ، وإخوة آخرين كثيرون.منهم الاخ مولاي المهدي العلوي، محمد الحيحي، وهكذا بدأ النشاط الاتحادي بمدينة الرباط بعد ذلك اتخذنا بناية كانت في السابق أوطيل موجود بزنقة الصحراوي بشارع الجزاء (شارع محمد الخامس اليوم) مقرا لفرع الرباط.واسسنا مكتب الفرع
مع الاخوة محمد البدراوي، الحاج ادريس بن بركة و المقاوم إدريس فرشادو والمقاوم الحاج أحمد العوفير، تشكلت النواة الأولى التي سهرت على تأسيس فرع الإتحاد الوطني بمدينة الرباط.

س- الملامح الأولى لأزمة حزب الاستقلال ظهرت قبل أم بعد حكومة أحمد بلافريج؟
ج- الأزمة بدأت مع تنصيب حكومة الحاج أحمد بلافريج وتفاقمت بعد ذلك.

س- لم يكتب لحكومة بلافريج أن تعمر طويلا وتكونت حكومة جديدة برئاسة عبد الله ابراهيم. ألم تكن هناك نية في تشكيل حكومة بقيادة علال الفاسي؟
ج-نعم كانت محاولة.

س- غضب علال الفاسي كثيرا .أصحيح أنه كان يأمل في أن حكومة تحت قيادته من شأنها تخفيف أو تبديد الخلاف داخل الحزب؟
ج- نعم. ولكن لا يمنع أن بعض الخلافات كانت وراءها نزوعات ذاتية. ومن المؤكد أن هذه الذاتيات تركت أثرا عميقا في النفوس.

س- تكليف الراحل علال الفاسي جاء بعد استقباله من طرف الملك. والبعض يقول أن نسف هذا التكليف جاء أيضا من القصر؟
ج- نعم قيل هذا الكلام كثيرا، وكان رائجا، واعتقد أن ولي العهد آنذاك لعب دورا كبيرا ليبقى الخلاف على أشده داخل حزب الاستقلال ، وهو الذي كان كذلك وراء تأسيس الحركة الشعبية في تلك الفترة.

س- 13يناير1953 عُقد اجتماع سري فقط لبعض أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال تحت رئاسة علال الفاسي وأحمد بلفريج بهدف تغيير قوانين الحزب.معلوماتك عن هذا الاجتماع؟
ج- ليس لدي معلومات في الموضوع.

س- يوم 25 يناير1959 أعلنت الانتفاضة باسم الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال. باعتقادك هل كانت انتفاضة ضد بعض قادة حزب الاستقلال أم أن نية الانفصال عنه كانت المحرك الأساس؟
ج- لا أنفي وجود بعض الممارسات لبعض القيادات . لكن في الوقت نفسه، أتذكر تصريحا أدلى به المهدي بن بركة لجريدة لوموند الفرنسية عن الانتفاضة، أحد عناوينه البارزة تقول: (إنها موجة عميقة لقلب الهياكل العتيقة داخل حزب الاستقلال تتجاوز الأشخاص ومن بعيد). معناه أن المسألة ليست مرتبطة بأشخاص ولكن بخط سياسي.

س- هل كانت هناك مساعي حميدة لتوحيد الرؤيا ورأب التصدع؟
ج- أعتقد أن الأستاذ المناضل أبو بكر القادري، أطال الله في عمره، هو القادر على الإجابة عن هذا السؤال.

س- وماذا عن عبد الرحيم بوعبيد الذي لم يكن متحمسا لما يجري؟
ج- فعلا عبد الرحيم لم يكن متحمسا لجهة الانفصال ولم يلتحق بالانتفاضة إلا بعد 25 يناير1959 .

س- وهل أعلن موقفه صراحة وعلنا؟
ج- تماما. فقد عبر عن رأيه بعد الانتفاضة خلال التجمعات الحزبية.

س- يوم 24 دجنبر1958 تشكلت حكومة عبد الله ابراهيم ، كيف عشت الحدث، وماذا عن دور عبد الرحيم بوعبيد في هذه الحكومة؟
ج- لقد لعب عبد الرحيم بوعبيد دورا كبيرا كوزير للاقتصاد والمالية رغم العراقيل التي كانت موجودة حينها. وتجلى عمله في عدة مشاريع اقتصادية ومالية وإحداث عدة مؤسسات اقتصادية.

س- في فاتح مارس 1959 عقدت الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال ندوة وطنية انبثقت عنها كتابة عامة مكونة من خمسة أفراد، محمد البصري كاتبا سياسيا، المهدي بن بركة كاتبا في التنظيم، عبد الرحمان اليوسفي كاتبا مكلفا بالدعاية والأنباء، الدكتور بلمختار أمينا للمال والحسين أحجبى محافظا للوثائق. ألم يلاحظ غياب اسم أي وزير ضمن هذه التشكيلة ..
ج- كانت كتابة عامة، لكن مؤقتة.

س- أسماء البصري، بن بركة ،اليوسفي كانت معروفة لدى الناس. من يكون الدكتور بلمختار؟
ج-لم يسبق لي أن تعرفت عليه و لا أدري من أتى به

س- وبالنسبة لمحافظ الوثائق الحسين أحجبي؟
ج- الحسين أحجبي كان يمثل الاتحاد المغربي للشغل، أي المحجوب بن صديق.

س- صحيح أنه وجهت دعوة لجميع الأحزاب للانضمام إلى التنظيم الجديد ، وهل تتذكر بعض الأسماء التي استجابت؟
ج- بالفعل وجهت تلك الدعوة ،وانضمت عناصر كان أبرزهم عبد الله الصنهاجي، أحمد بنسودة وعبد الهادي بوطالب وآخرون. وكان المهدي بن بركة يرمي من وراء ذلك جمع أكبر عدد الوجوه السياسية .

س- الملاحظ أن هذه العناصر الوافدة من أحزاب أخرى لم تبق طويلا في الإتحاد الوطني؟
ج- بكل تأكيد. فطبيعي أن يكون أمرهم كذلك. فمثلا السيدان عبد الهادي بوطالب وأحمد بنسودة كان يصعب عليهما الاستمرار في العمل في صفوف الاتحاد، أضف إلى ذلك الضغوط التي مورست عليهما من أعلى هرم النظام.

س- وماذا عن تنظيم الحزب آنذاك؟
ج- سوف أتكلم عن تنظيم الرباط. كانت هناك فروع عديدة يلتئم كتابها في اطار اللجنة التنظيمية لإقليم الرباط. وكانت كل الاجتماعات تمر في جو من الحماس والجدية وفي غياب الذاتية. و كان للمهدي دور كبير داخل تنظيمات الرباط والذي كان حريصا على حضور اجتماعاتها وترأسها، فقد كانت له قدرة كبيرة على الحركة. غالبا ما يترأس اجتماعا بالرباط وبعد الظهر يؤطر أربعة أو خمسة اجتماعات في عدة أقاليم وفي نفس اليوم.

س- وعلى الصعيد الوطني كان المناضلون يعملون في جماعات حزبية في الأحياء وكذا في تنظيمات قطاعية داخل الاتحاد المغربي للشغل؟
ج- تماما. وكان التنسيق بين التنظيم الحزبي والنقابي يتم عبر خلايا الموظفين. مثلا كمسؤول في الفرع كنت أتصل بالعديد من القطاعات في الوظيفة العمومية، المالية ، المعادن الاشغال العمومية …

  .. جثة المهدي رميت في بحيرة فونتني لو فيكونت!؟

س- ماذا تتذكر عن محاولة اغتيال المهدي بن بركة سنة 1962؟
ج- المهدي بن بركة رفقة الأخ المهدي العلوي كانا متوجهين على متن سيارة إلى الدار البيضاء، وفي الطريق اقتربت سيارة أخذت تزاحم سيارتهما وتدفع بها إلى حافة الطريق.

س- كيف قرأ المناضلون تلك الحادثة؟
ج- أنها محاولة تصفية المهدي بن بركة. انقلبت السيارة عدة مرات ، وأصيب الراكبون بجروح ورضوض.

س- قبل هذه المحاولة، هل كان المهدي مراقبا أومتابعا؟
ج- دائما وباستمرار ، كان مراقبا ومتابعا من طرف الجهاز الأمني ، وكنا نشاهد يوميا عناصر الأمن أمام منزل الفقيد المهدي بحي ديور الجامع بالرباط.

س- بعد ذلك قرر المهدي بنبركة مغادرة البلاد. قبل أن يسافر، هل اتصل بك وأنت في إدارة الحزب؟
ج- غادر المهدي المغرب بالضبط في يونيو1963 ، وقبل ذلك التقى بنا في إدارة الحزب وأعطى توجيهاته فيما ينبغي القيام به كإدارة. وأخبرنا أنه سيسافر. وشهرا بعد مغادرة بن بركة بدأت حملة اعتقالات واسعة ومن جديد.

س- عندما كان بالمنفى، هل كان يتصل بكم ؟
ج- لا لم يكن يتصل.

س- لماذا؟ لأسباب مادية أم قرار منه؟
ج- لا، في الخارج كانت له اهتمامات أخرى ، وكان دائم التنقل.

س- ألم تلتق به في الخارج؟
ج- لن أكذب عليك. لم أسافر إلى الخارج ولم أتعرف على باريس إلا سنة 1976 .

س- كيف تلقيت نبأ اختطاف الشهيد المهدي بن بركة، وأين كنت ذلك اليوم؟
ج- كنت بمقر الحزب واتصل بي الأخ عبد الواحد الراضي الذي كان أول من أخبرني أن المهدي تم اعتقاله. قلت له المهدي معروف .. كيف؟ أجاب أن المهدي اعتقله شرطيان. قررت المبيت بالمقر ذلك اليوم وبدأت الأخبار ترد علينا وبعد اتصال الأخ اليوسفي ، تبين لي أنه اختطاف وليس اعتقال. وطوال تلك الليلة كانت الأخبار ترد على المقر وبشكل مسترسل. ويومان أو ثلاثة بعد عملية الاختطاف، تناول السفير الفرنسي روبير جيل طعام العشاء مع عبد الرحيم بوعبيد ،فأخبره السفير بأن معلومات المخابرات الفرنسية تقول أن جثة المهدي رميت في بحيرة فونتني لو فيكونت والبحث جار للعثور عليها. وكانت أول رواية تصلنا من مصدر فرنسي. حقيقة ، كان الشهيد مهددا بسبب نشاطه السياسي داخل البلاد وفي الخارج أيضا. عشنا أياما عصيبة وأيام اضطراب ، لم يكن هناك رد فعل نظرا للخوف الذي هيمن على نفوس الناس. حاولنا تنظيم مظاهرة أمام المقر ، شاركت فيه أنا والأخ اليازغي بمعية حوالي عشرين فردا فقط . فرقتنا الشرطة بسهولة.

س- قبل الاختطاف، هل كانت اتصالات بين الملك والاتحاد الوطني؟
ج- نعم كانت اتصالات مع مبعوث الملك إدريس المحمدي رحمه الله الذي كان يتصل يوميا بعبد الرحيم بوعبيد بمنزله بسلا. والغريب ، أن النظام كان يجري مع الاتحاد مفاوضات للمشاركة في الحكومة وفي نفس الوقت كان يخطط لعملية اختطاف الشهيد المهدي بن بركة. ومباشرة بعد الاختطاف نشرت المحرر افتتاحية عنوانها مسؤولية الحكومة المغربية والفرنسية, فجاء نهار الغد جواب الحكومة المغربية في بلاغ للديوان الملكي يقول بهذه الوقاحة ( إنه لم يسبق ان اجري ادريس المحمدي مفاوضات مع عبد الرحيم بوعبيد)

س- متى بدأت هذه المفاوضات؟
ج- بعد أحداث مارس 1965 .

س- وأنت بإدارة الحزب كيف كنت تتوصل بالأخبار عن أحداث مارس1965؟
ج- أحداث مارس كانت أقرب إلى انتفاضة قام بها الطلاب، واكبها قمع ورعب جعل الخوف يسيطر على بعض الإخوان تماما كما وقع سنة1981 التي سنتحدث عنها فيما بعد . كنت أتابع الأخبار التي تأتينا من الدار البيضاء ، أساسا عن طريق الأخ محمد الحبابي الذي كان وقتها مدير جريدة ليبراسيون ، وكان يمركز كل المعلومات حول الانتفاضة ويزودنا بها ، ثم نرسلها للقيادة وللأقاليم وللإخوة المعتقلين في السجون.

س- أهم نشاط تضامني قمت به كمسؤول حزبي بعد اعتقالات 1963؟
ج- عند ماغادرت السجن مع مجموعة من المناضلين سنة 1963، تركنا الكثير منهم في المعتقلات وصدرت فيهم بعد ذلك أحكام متفاوتة ، وتم نقلهم بعد ذلك للسجن المركزي بالقنيطرة .فكرت كثيرا في أمرهم مع بعض الإخوان ، أذكر منهم الحاج إدريس بن بركة وبوشعيب الحجام ، ممحد فرج، حسن السقاط والحاج أحمد العوفير رحمه الله..،وانصب اهتمامنا على مسألة تزويدهم بالمواد الغذائية .لهذا الغرض كنا نعقد ثلاثة أو أربعة لقاءات أسبوعية مع العائلات والتي كانت تمدنا بالمؤونة ، ويتكلف أحدنا وبشكل دوري بحملها لسجن القنيطرة، إلى أن تم الإفراج عن جميع المعتقلين. وأذكر كذلك أنه بعد إطلاق سراح الجميع، وكان على رأسهم الفقيه محمد البصري ، نظمنا بمنزلنا بحي مارسا حفل استقبال، يصعب وصفه، نظرا للحماس الكبير الذي خُصص للمفرج عنهم من قبل المناضلين وعائلاتهم. في آخر سنة 1983 ، عين إدريس السلاوي رحمه الله وزيرا للمالية ، وكان مدير ديوانه الأخ والصديق سيناصر بلعربي، شفاه الله.كان بلعربي عضوا في اللجنة الادارية للإتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى أن عُزل منها بقرار من الشهيد المهدي بنبركة. اتصل بي أخي وصديقي بلعربي هاتفيا وحدد لي موعدا لزيارته بمكتبه بوزارة المالية سنة 1964 . تم اللقاء وعرض علي الالتحاق بالعمل بالوزارة.فعلا التحقت بهذه المؤسسة وعملت بإدارة الأملاك المخزنية.كنت أقضي بعض الأوقات هناك،بينما كنت أتواجد باستمرار في مقر الحزب.

س- إذن بعد أحداث الدار البيضاء وعملية اختطاف الشهيد المهدي بن بركة والمفاوضات التي جرت وقتئذ مع القصر، تبع تلك الفترة جمود سياسي وآخر حزبي .ضَعنا في أجواء تلك الفترة.
ج- كما قلت سابقا سيطر الخوف على النفوس بسبب القمع المسلط في تلك الآونة ، وحاولت مع الأخ محمد اليازغي ربط الإتصال ببعض المناضلين والمتعاطفين مع الإتحاد الوطني وكذلك مع بعض كبار الموظفين، تحديدا، لجمع أكبر عدد من المعلومات حول قضية المهدي بن بركة .

س- بدأت الحركة تدب رويدا رويدا داخل تنظيمات الحزب بالرباط ومعها بدأ المواطنون يلجون مقرات الحزب.
  هل شعرتم بحقيقة الوضع التنظيمي للحزب؟

ج- فعلا ، وبدأ التفكير في الخروج من حالة الجمود التنظيمي ، واتخذت عدة مبادرات، منها مبادرة الأخ السي عبد الرحيم بوعبيد لبناء وحدة سياسية بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والإتحاد المغربي للشغل غداة هزيمة الجيوش العربية سنة1967 واعتقال المحجوب بن الصديق. كان رد فعل المناضلين عنيفا اتجاه تلك المبادرة ، لقناعتهم أن تلك الوحدة لن تؤدي في نهاية المطاف إلى أي نتيجة.وأمام تصميم السي عبد الرحيم انضبط المناضلون للقرار.وانطلقت اجتماعات بالرباط بين القيادتين السياسية والنقابية بدار مارسة والتي حضرها عن جانب النقابة كل من عبد الغني برادة ومحمد بهيج وعن حزب التقدم والاشتراكية عمر الفاسي… سرعان ما توقفت تلك الإجتماعات وتم تجميدها بعد ذلك.

س- هل شعرتم وقتها أن الاتحاد الوطني أصبحت فيه ثلاثة اتجاهات أو تيارات :اتجاه سياسي وآخر نقابي والثالث قرر نهج العمل المسلح؟
ج- العمل المسلح لم يبدأ في تلك الفترة، بل انطلق التفكير فيه من قبل الفقيه محمد البصري بعد سنة1960 غداة توتر العلاقة بين المعارضة والقصر الملكي. بعد فشل الوحدة اتجه المناضلون للعمل السياسي الحزبي إلى أن جاءت محاكمات مراكش التي كان لها تأثير كبير على عملنا. ومع بداية السبعينات ظهرت بوادر حملة قمع جديدة للاتحاديين، لا سيما بعد تنصيب برلمان أوفقير. وتُوجت تلك الحملة باعتقالات ومحاكمات عديدة كان آخرها اعتقالات ومحاكمات 1973، في ظل فترة حرجة من تاريخ المغرب عرفت محاولتي انقلاب عسكري سنتي 1971و1972 .

س- هل شملتك اعتقالات 1973 وفي أي ظروف وماذا عن أيام الاعتقال؟
ج- حضرت اجتماع الكتابة الإقليمية بالرباط بمنزل الأخ شوقي بنعزو مع كل من الإخوة عبد الواحد الراضي، محمد الناصري ، بوعنان ، محمد الحيحي رحمه الله وآخرون.اعتقل الأخ بنعزو شوقي بعد الاجتماع. وحوالي الساعة التاسعة و45دقيقة مساء زارني شقيقه ،الأخ حسن بنعزو، بمنزل أصهاري بحي أكدال ، فأخبرني باعتقال شوقي وطلب مني الاستعداد للاعتقال أيضا. فطلبت من زوجتي إعداد بعض الملابس ومنها الجلباب لأن الطقس كان باردا. بعد ساعة أو ساعة ونصف من زيارة الأخ حسن قَدمت فرقة من البوليس ، مكونة من خمسة أفراد بقيادة بنغموش ،هجمت على بيت أصهاري وفتشوه تفتيشا دقيقا، ثم أخذوني إلى مخفر البوليس. وفي طريقنا بدأت عملية الإذلال لتحطيم معنوياتي.بعد ذلك أدخلت زنزانة و التي ولجها مفتش يدعى شخمان وكان يعرفني .فسألني إذا كان بيتي قد فتش أجبته بنعم، ثم أردف قائلا: وهل وجدوا شيئا ما؟ نظرت إليه صامتا. فهم الجواب وانصرف. في مخفر البوليس سمعت أن الأخ عبد الله الشرقاوي يوجد من بين المعتقلين ، ورأيت الأخ العربي الشتوكي رحمه الله في مكتب التحقيقات. في الصباح الموالي بدأ الاستنطاق في مكتب التحقيق وتعرضت لتعذيب شديد وتركزت الأسئلة حول السلاح وعن التمويل ومصادره الخ .. وحسب ما رواه لي الإخوة المتواجدون معي، فقد استغرق التحقيق معي لمدة 12 ساعة متواصلة وأنا معلق من رجلَيٌ. وأذكر كذلك أن بعد حصة التعذيب هذه، جيء بالأخ محمد الحبابي. وكان يُستنطق طيلة اليوم ويغادر المخفر في المساء، ثم يستأنف استنطاقه في اليوم الموالي. وعندما سألوه عن الفقيه البصري أجابهم بأن تاريخ الرجل يجب أن يُدرَس في المدارس والجامعات. وذات يوم حملت له زوجته طعام الغذاء عبارة عن طبق من دجاج ، فطلب من الحارس أن يُسلم بعضا منه لي. فرفض الحارس القيام بذلك متذرعا أن لديه أوامر صارمة بمنع تلقي الحبيب الشرقاوى أي طعام من الخارج. فما كان من الأخ الحبابي إلا الإمتناع عن تناول طعامه تعبيرا منه عن تضامنه معي. ولما لم يجد البوليس أي تهمة لإلصاقها بي ، تم الإفراج عني بعد أيام. وفي الصباح الموالي للإفراج زارني أخي محمد الحبابي ،وأمام الحالة الصحية السيئة التي كنت عليها حملني إلى عيادة مونيي بالرباط حيث مكثت 10 أيام لتقي العلاج ، وقد صارحني الطبيب مونيي أنني كنت سأحسب في عداد الموتى لو استمر تعذيبي فقط لساعتين إضافيتين. كذلك زارني إخوة كثيرون من بينهم الأخ عبد الرحيم بوعبيد والذي تأثر بالغ التأثر لوضعيتي، وكانت تلك أول مرة أرى فيها عبد الرحيم على هذه الحالة. والجدير بالذكر أن الدكتور مسواك رحمه الله هومن تكلف بدفع جميع مصاريف العلاج للمصحة. شيئا فشيئا بدأت أستعيد عافيتي ، لكن الجو في البلاد كان جوا مشحونا : اعتقالات ومحاكمات وطرود ملغومة ..

س- ماذا عن الطرد الملغوم الذي توصل به الأخ محمد اليازغي في يناير1973؟
ج- يوم توصل الأخ اليازغي بالطرد الملغوم كنت بالمنزل. وحوالي الواحدة ظهرا زارني عضوين من اللجنة الادارية للحزب ، وأخبراني أنهما توجها لزيارة الأخ اليازغي فوجدا سيارة للبوليس جاثمة أمام منزله .سألت هل دخلتما المنزل؟ أجابا بالنفي.فورا ارتديت جلبابا وقصدت منزل الأخ اليازغي، حاول البوليس منعي من الدخول ، فلم أبال بهم ووجدت نفسي داخل المنزل. فلاحظت أن زوجة الأخ اليازغي قد تم نقلها لمنزل والدها المجاور ، كما لاحظت أن قطع زجاج النوافذ كانت تملأ المكان. قضيت تلك الليلة وحدي بالمنزل.وكانت الأخبار حول صحة اليازغي تأتيني من زوار بيته. وكان في مقدمة الزوار الأخ عبد الرحيم بوعبيد. كذلك كان من أول الزائرين للأخ اليازغي بالمستشفي الزعيم علال الفاسي رحمة الله عليه. حالة الأخ اليازغي الصحية لم تشفع له، فاعتقل سنة 1973 ونقل إلى مركز الشرطة . فكرت مع بعض الإخون في الأمر .فاتصلت بابن عمي وكان يعمل في ديوان وزير الداخلية محمد بنهيمة مقترحا نقل الأخ اليازغي للمستشفى. وهو ما تم فعلا في اليوم الموالي لذلك الاتصال.

  حكومة عصمان قررت منع الاتحاد الوطني

س- المشاكل الأخرى عدا الاعتقالات والمحاكمات؟
ج- بعد الاعتقالات والمحاكمات، وجدنا أنفسنا أمام عدة مشاكل من بينها تراكم ديون كراء مقر الحزب، الكائن بزنقة الزقطوني، التي وصلت وقتها إلى حوالي 5 ملايين سنتيم. الأمر الذي دفع شركة باليما، مالكة المحل، للإتصال بالأخ عبد الرحيم بوعبيد. هذا الأخير اتصل بي وطلب مني تسليمه مفاتيح المقر. فنبهته إلى أن عقد البيع محررفي اسم المرحوم عبد الفتاح سباطة، فكان رد عبد الرحيم، رحمه الله، أن علي تسليمه المفاتيح فورا. وسألته عن مآل الوثائق الحزبية وأرشيفه، طلب مني أن أتدبر الأمر. وبالفعل سلمته المفاتيح، بعدما كنت قد اتصلت بأحد المناضلين كانت بحوزته سيارة كبيرة من نوع سطافيط، وبواسطتها نقلت الوثائق وآلة رونيو إلى منزلنا بمارسا. المشكل المترتب عن ذلك كان هو البحث عن مقر جديد . كلفني الأخ اليازغي بالبحث عنه في عمارة قيد البناء من لدن مؤسسة السي جي إي. استخبرت في الأمر وعثرت على شقة صالحة أن تكون مقرا للحزب، لكن كان يجب دفع حوالي 10000درهم على دفعتين، وفي ظرف ستة أشهر فقط، مع دفع سومة كرائية شهريا. لم يكن المال متوفرا لأداء ذلك المبلغ. فقصدت موظفا ساميا، رحمه الله، وفاتحته في الأمر. وفي نفس اليوم بعث لي بنصف المبلغ دفعته كتسبيق. وبعد 6 أشهر كنا أمام نفس المأزق، فعاودت الاتصال بنفس الموظف السامي والذي لم يبخل علي وعلى الحزب بالنصف المتبقي. هكذا أصبح المقر الجديد للإتحاد بشارع تمارة بالرباط، وهو المقر الذي تم فيه الإعداد للمؤتمر الإستثنائي الذي عقد في يناير 1975 ، وفيه أيضا نظمت حملة الإنتخابات البلدية والقروية سنة 1976 . وفي نفس المقر أيضا صدمنا بخبر اغتيال الشهيد عمر بنجلون في دجنبر1975، ومنه توجهت لمنزل الفقيد يوم اغتياله وحضرت تشييع جنازته في ذلك الموكب الرهيب بالدار البيضاء.

س- كيف عشت ظروف منع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1973؟
ج- الحكومة التي كان يرأسها أحمد عصمان هي التي اتخذت قرارا بمنع الحزب بتعليمات من أعلى. اتصل بي الأخ عبد الرحيم وأخبرني أن البوليس سيتوجه لمقر الحزب قصد تفتيشه ووضع الشمع الأحمر على الباب، وطلب مني أن أتوجه للمقر صحبة عضوين من اللجنة الادارية من المستحسن أن يكون بينهما محام. اتصلت بثلاثة إخوة، لكن بدون جدوى . فانتقلت لوحدي إلى المقر وطلبت من الحارس الأخ عمر الباز فتح الباب الذي كانت فرقة البوليس، بقيادة عبد القادر لكناوي، على وشك تحطيمه. فُتح الباب وأخذ البوليس العديد من الوثائق ثم جرى تشميع الباب واصطحبتهم لمركز الأمن للتوقيع على المحضر. أمام هذا الوضع كنا ننظم الاجتماعات بالمنازل ويحضرها الأخوة عبد الرحيم بوعبيد، محمد الحيحي، العربي الشتوكي وعبد الرحمان بنعمرو.

س- وماذا بعد رفع قرار المنع؟
ج- رفع قرار المنع في أواخر سنة 1974 ، وعُهد إلي أمر فتح مقر الحزب بشارع تمارة بعدما استرجعناه. فتحنا المقر المغلق لأكثر من سنين. لم أجد لا ماء ولا كهرباء. فما كان علي إلا الاتصال بمدير الوكالة محمد برادة رحمه الله. لم أكن أعرفه من قبل، لكنه استقبلني بحفاوة وتناولنا أطراف الحديث عن الأوضاع السياسية ثم تطرقت لموضوع زيارتي له. صارحني أنه يتعاطف كثيرا مع مولاي عبد الله إبراهيم. ومع ذلك لم يتردد في موضوع الزيارة، إذ نادى على أحد العاملين وطلب منه مصاحبتي وتزويد مقر الحزب بالماء والكهرباء. هكذا كان بعض الموظفين يتصرفون بتلقائية رغم الظروف. بعد أيام توصلت بإنذار من المحكمة لأداء فورا المبلغ المحدد من طرف الوكالة، جراء ما تراكم من فواتير الماء والكهرباء طيلة فترة منع الحزب. اتصلت بالأخ الحليمي الذي كانت تربطه علاقة صداقة مع السيد عبد الكامل الرغاي وزير المالية آنذاك، والذي أسقط المتابعة القضائية في هذه القضية. استعاد الحزب نشاطه بداية سنة 1975 ومعه استأنفت عملي بهذا المقر، عملُُ ُ كنت قد بدأته سنة 1961 .

س- كيف دورك استعدادا لتلك الانتخابات الجماعية بالرباط؟
ج- تقريبا اقترحت أسماء جميع المرشحين لتلك الانتخابات، وفازوا جميعا على ما أذكر، إلا في دائرة واحدة فاز بها محمد زيان. بعد ذلك وجدنا أنفسنا أمام مشكل من يتولى رئاسة المجلس. الأخ عبد الرحمان بنعمروا اقترح نفسه. وكان لي رأي آخر، رغم أنني أكن احتراما كبيرا للأخ بنعمرو فهو مناضل كبير ونزيه، لكن كانت تنقصه التجربة الإدارية، بينما تجربة الأخ عبد الوهاب ملين سواء في المالية أو في مكتب الصرف كانت تؤهله لرئاسة المجلس. وبالفعل حظي هذا الأخير بالرئاسة، واشتغلت معه أطر اتحادية كفؤة من بينها الأخوة محمد جسوس ، عبد الواحد بنونة، حسن السرغيني، عبد الرزاق المعداني وآخرون، وهي الأطر التي أهٌلت مجلس الرباط لكي يلعب دورا هاما في تسيير شؤون ساكنة الرباط وتدبير أمور العاصمة.

س- استعرضت تقريبا عقدا من الزمن المغربي امتد من 1965إلى1976 . لو سمحت نريد أن نعود إلى بعض المحطات، منها ماهو موقف الحزب من حالة الاستثناء التي أعلنت سنة 1965وتم بموجبها تعطيل عمل البرلمان؟
ج- رغم الوضعية الحزبية آنذاك، فوجئ المناضلون بذلك الإعلان، ولم نكن راضين عنه. ولم نشهد أي تراجع أو ردة بين صفوف النواب الاتحاديين. بعد ذلك انصرف المناضلون للعمل السياسي الحزبي. وانصب اهتمامنا على متابعة تطور قضية المهدي بن بركة. في هذا الإطار اتصلت بالأخ سعد الشرقاوي، رحمه الله، وشقيقه علي – وهما من أبناء عمي، والأخ شوقي السرغيني الذي سيتولى من بعد منصبا هاما في وزارة الداخلية. كان الثلاثة يلتحقون بي بمقر الحزب بزنقة الزرقطوني على الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا، وذلك لتحرير وطبع نشرة حزبية كانت تحمل كل مرة اسما :التحرير،القضية، المشعل، الطليعة.. كنا ننشر أقوال الصحف الفرنسية التي كان يمنع توزيعها في المغرب عقب اختطاف الشهيد المهدي بنبركة. تطبع النشرة بآلة الرونيو وأسهر على توزيعها على بعض الموظفين والأطر المتعاطفة مع الحزب وبعض المناضلين بالرباط.

س- ما هي أهم المحطات النضالية في المجال النقابي؟
ج- تأسست النقابة الوطنية للتعليم سنة 1965 ، بعد الانفصال عن الجهاز النقابي للإتحاد المغربي للشغل. وكان للإخوة حموش، رحمه الله، ومحمد الدوير والضمضومي وآخرين الفضل في تأسيس هذه النقابة التي ستلعب دورا رائدا وتتخذ عدة مبادرات. بعد ذلك، وبقيادة الشهيد عمر بنجلون، سيتم تأسيس النقابة الوطنية للبريد بمساعدة الإخوة عبد الكبير المالكي، غالب، الشريف وعبد الله العثماني رحمه الله. وستخوض هذه النقابة كذلك عدة نضالات.

س- وماذا عن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في تلك الفترة؟
ج- لعبت المنظمة الطلابية أدوارا هامة في تربية الشباب وزودت الإدارة المغربية بأطر مقتدرة عديدة في كل المجالات. وهنا لا بد من الإشادة بالدور الذي لعبه الإخوة الرؤساء المتعاقبون لهذه المنظمة منهم الإخوة إدريس السغروشني، وعبد الرحمان القادري، رحمه الله، بطل مؤتمر التحدي الذي عُقد بأكادير . كذلك محمد الحلوي المناضل الصامت، الذي تعرض لعدة اعتقالات، حميد برادة، فتح الله ولعلو، محمد لخصاصي والطيب بناني شفاه الله. وقتها كانت هناك جامعة واحدة وتوجد بالعاصمة .

س- كمسؤول عن تنظيم الرباط، هل كانت علاقة الطلبة الاتحاديين مع فرع الرباط أم مع القيادة الوطنية للإتحاد الوطني للقوات الشعبية؟
ج- الاتصالات كانت أساسا مع قيادة الحزب. وقد شهدت دار مارسا العديد من الاجتماعات بين القيادة والطلبة الاتحاديين سواء بعد مؤتمرات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب أو حالة نشوب خلافات بينهم. وكان المهدي بن بركة يتدخل مرات ومرات لرأب الصدع بين مكونات الطلبة الاتحاديين.

س- هل انعكست وضعية الحزب على القطاع الطلابي الاتحادي في تلك الفترة؟
ج- بطبيعة الحال. فالخلافات في قيادة الحزب انعكست على مجمل قواعد الحزب وروافده، ومنها القطاع الطلابي، إضافة إلى حملة القمع التي دفعت بالعديد من المسؤولين إما لتجميد نشاطهم أو الابتعاد جراء الخوف. وأذكر أن أحد أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة عبر لي صراحة عن شعوره بالخوف، فنصحته بالتوجه للديار الفرنسية لاستكمال دراسته. أصبح بعد ذلك وزيرا، لكن ذلك لم يمنعه من القول أن نصيحتي له هي التي أنقذت حياته.

س- هل كانت تصلكم أخبار عن نشاط الاتحاديين المنفيين بالخارج، وما كان يخططون القيام به في الداخل؟
ج- أبدا. ورغم وجود إخوان كانوا أعضاء في الكتابة الاقليمية بالرباط، الأخ محمد آيت قدور مثلا، لم نكن على علم بما يخططون له.

س- الملاحظ أنه رغم الظروف الحزبية الصعبة وظروف البلد سياسيا لم تمنع الإتحاد الوطني من اتخاذ مبادرات سياسية منها إنشاء الكتلة الوطنية سنة 1970 . ماذا تعرف عن هذه المبادرة؟
ج- لم أتابع مبادرة الكتلة عن كثب، حضرت الندوة الصحفية لإعلان الكتلة بمقر جريدة «لوبنيون» الكائن بشارع علال بنعبد الله. أظن أن الأخ محمد الحبابي قد يزودكم بالمعلومات الكافية، إذ كان عضوا في قيادة الكتلة ضمن الفريق الاتحادي إلى جانب الأخوين عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي. مع الأسف توقفت اجتماعات الكتلة وبقي عملها محدودا جدا.

س- هل تابعت المفاوضات من أجل تشكيل حكومة وطنية بين الكتلة والقصر؟
ج- كانت النية في تشكيل حكومة فقط من الأطر المتوسطة للأحزاب لا من الوجوه البارزة سواء في حزب الاستقلال أو في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.

  قرار انسحاب الفريق الاتحادي من البرلمان .

س- هل تذكر بعض المقترحين الاتحاديين للإستوزار؟
ج- من بين المرشحين كان عبد الواحد الراضي، أحمد الحليمي، أحمد الحاكمي، محمد بنسعيد .. والأخ عبد الرحيم بوعبيد هو من اقترحهم. لكن محاولة تكوين هذه الحكومة فشلت.

س- هل وجدت مقاومة قوية من طرف محمد أوفقير؟
ج- فعلا. وفي خضم تلك المفاوضات رفعت الكتلة الوطنية مذكرة حول الدستور.. رفعت الكتلة الوطنية المذكرة. لكن وجود أوفقير ودوره كانا سببين في إفشال كل ذلك إلى غاية انقلاب غشت 1972.

س- ألم ينتابك والمناضلون شعور أن التوتر السياسي سيؤدي لا محالة إلى انفجار الوضع؟
ج- بالنسبة لي لم يكن لدي هذا الإحساس.

س- متى وأين تلقيت خبر انقلاب يوليوز 1971؟
ج- يومه، كنت بشاطئ هرورة، وكانت معي ابنتي التي شعرت بالعطش، فتوجهنا إلى مقهى مجاور لشراء مشروبات. وفي الطريق قصدني شخص غريب، عَرّفني بنفسه أنه مفتش شرطة، وهو من أخبرني بحدوث الانقلاب، واقترح علي أن أعود وابنتي للمنزل بالرباط. هناك بدأت أتابع الأخبار بواسطة المذياع.

س- وكيف تلقى الرباطيون الخبر؟
ج- هناك من تلقاه بفرح كبير، أتذكر صاحب ذلك المقهى الذي نزع صورة الملك وأخذ يوزع المشروبات مجانا على الناس. طبعا تم اعتقاله بعد ذلك. والملاحظة الواجب ذكرها أن بعد إعلان الانقلاب لم تخرج أية مظاهرة للشارع، لا لتأييد الملك الحسن الثاني ولا لتأييد الانقلابيين، واكتفى بعض الناس بالفرح في بيوتهم.

س- بالنسبة لانقلاب غشت 1972، هل كنت على علم بعلاقة بعض الاتحاديين بأمقران متزعم الانقلاب؟
ج- كنت من بين الذين يعلمون أن الفقيه البصري كان على اتصال بأمقران، كذلك كنت أعرف أن الأخ آيت قدور تربطه علاقة صداقة بأمقران الذي كان من بين الذين حضروا حفل عقيقة طفل آيت قدور لما كان مديرا لميناء القنيطرة.

س- أثناء المفاوضات مع الكتلة الوطنية وبعد فشل المحاولة الانقلابية الأولى، هل لمست أن الملك الراحل كان جادا في دعوته في تكوين حكومة وطنية؟
ج- لم ألمس ذلك بدليل أنه وجه تهديدا لقيادات الأحزاب في إحدى خطبه. لكنه تغير كثيرا بعد المحاولة الانقلابية الثانية.

س- وكيف كان الجو السائد داخل قيادة الحزب أثناء المفاوضات؟
ج- لم يكن هناك تفاهم بين أعضاء القيادة. وأعتقد أن موقف المحجوب بن صديق، ومنذ 1960، كان سببا رئيسا في الأوضاع التي عرفها الحزب وعرفتها البلاد. مناسبة المفاوضات كانت آخر محطة تجمع بين القيادة النقابية والقيادة السياسية، تبعتها مباشرة إعلان قرارات 30 يوليوز1972. بالفعل حضرت ذلك الاجتماع الذي عقد بمنزل الأخ ادريس بن بركة الكائن بحي المحيط بالرباط. وفيه كان قرار الحاضرين بضرورة الخروج من تلك الوضعية الحزبية الشاذة، أي الخروج من الازدواجية التنظيمية.

س- وهل كان هناك إجماع حول ضرورة الابتعاد عن الاتحاد المغربي للشغل؟
ج- كان هناك إجماع، بل وأقول أن إصرار بعض المناضلين على ذلك هو الذي دفع القيادة أن تنحو ذلك المنحى وأن يُحسم القرار في ذلك الاتجاه.

س- وماذا عن دور الشهيد عمر بنجلون رحمه الله؟
ج- لعب الشهيد عمر دورا هاما في ذلك الاجتماع، كما لعب دورا رياديا في الإعداد للمؤتمر الاستثنائي الذي انعقد في يناير1975 ، وهو من تولى إعداد التقرير المذهبي للحزب بمعية الأخ أحمد لحليمي. ذلك المؤتمر هو الذي وضع حدا لغموض كبير. قياديون يقومون بعمل هنا، وآخرون يقومون بعمل هناك، البعض متجه للعمل السياسي والآخرون متجهون للعمل المسلح.. وبذلك كان انعقاد المؤتمر الاستثنائي محطة أساسية لوقف ذلك الغموض.

س- ذكرياتك الشخصية عن عمر بنجلون؟
ج- كان الشهيد عمر مندفعا ومتحمسا جدا بداية نشاطه الحزبي . لكن بعد اعتقالات 1973 وجدت عمر بنجلون آخر. لقد تأثر بما رآه وعايشه وسمعه في فترة الاعتقال وفي المحاكمات. يشار إلى أن الشهيد عمر تلقى هو أيضا طردا ملغوما نجا منه بأعجوبة. للحقيقة فقد كان الأخ عمر بنجلون مناضلا صلبا، أعتبره شخصيا تلميذا، بل نموذجا للمهدي بن بركة رحمهما الله، خصوصا في كل ما يتعلق بشؤون وقضايا التنظيم الحزبي.

س- في ذلك المؤتمر أصبح اسم الحزب: الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية..
ج- نعم تم تغيير اسم الحزب. بالمناسبة، وبسبب القمع، لم يتمكن العديد من ممثلي الأقاليم حضور المؤتمر، مثل أكادير وورزازات .. شارك الأخ اليوسفي في المؤتمر بكلمة صوتية، وكان المؤتمر مؤتمرا ناجحا، خرج بخط سياسي واضح، وانبثقت عنه قيادة حزبية، وتشكلت اللجنة الإدارية الوطنية من 28 عضوا فقط، أذكر من بينهم عبد الواحد الراضي، فتح الله ولعلو، محمد الناصري…، وكان أيضا الأخ أحمد بنقليلو ومحمد المكناسي من بين الممثلين للمقاومة في تلك اللجنة. ولأول مرة أصبحتُ عضوا في اللجنة الادارية، بعدما تدرجت من عضوية مكتب الفرع والكتابة الاقليمية بالرباط لأكثر من 16 سنة. وبعد 30 سنة سأنتخب عضوا في المكتب السياسي سنة 1989 خلافا لما يجري في هذه الأيام، حيث تجد في المكتب السياسي أعضاء لم يلتحقوا بالحزب إلا البارحة.

س- وهل ضمت القيادة أسماء من المناضلين الموجودين بالمنافي؟
ج- كل أعضاء القيادة من المناضلين من داخل الوطن، وتقرر أن يكون الأخ عبد الرحمان اليوسفي الممثل الدائم للحزب في الخارج.

س- ردا على قرارات المؤتمر الاستثنائي أنشأ الفقيه البصري تنظيم الاختيار الثوري سنة 1976؟
ج- بالفعل تأسس الاختيار الثوري، وكان ضمن قيادته المرحوم عبد الفتاح سباطة، إبراهيم أوشلح وآخرون. وشن هذا التنظيم حملة قذف وتشهير في حق المناضلين في القيادة، عبر الكتيبات التي كانت تصدر عنه. لكن سرعان ما توقفت حملته تلك إلى أن اندثر.

س- هل صادف وأن حضرت نقاشا بين عمر بنجلون وعبد الرحيم بوعبيد؟
ج- لو كنت عضوا في المكتب السياسي لصارحتك بما كان يدور فيه. فأعضاء المكتب السياسي إلى جانب الأخ عبد الرحيم هم: عبد اللطيف بنجلون، عمر بنجلون، محمد الحبابي، محمد منصور، محمد اليازغي ومحمد عابد الجابري، والتحق بهم الأخ الحبيب الفرقاني بعد خروجه من السجن سنة 1976 . نعم كانت مناقشات جدية وكانت أيضا خلافات، لكنها كانت خلافات بسيطة.

س- خروج الحزب من المؤتمر بخط سياسي واضح لم يمنع من ظهور اختلاف حول المشاركة وعدم المشاركة في الانتخابات ومن جديد؟
ج- حسم المؤتمر موقفه السياسي وقرر الانخراط في مسلسل النضال الديمقراطي. وبعد انتخابات 76 و1977 ظهرت مشاكل جديدة، منها التنافس حول الترشيح وعلى تحمل المسؤولية في المؤسسات المنتخبة، لكن ليس بالحدة التي سيعرفها الحزب بعد ذلك. بعد المؤتمر الثالث سنة 1978 وإنشاء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بدأت فترة المواجهة بين الاتحاد الاشتراكي والملك الراحل، بدءا من المناظرة الوطنية حول التعليم ، وبمناسبة استفتاء 1980 لتمديد ولاية مجلس النواب سنتين إضافيتين، ثم جاء الإضراب العام في 20 يونيو 1981 ومُنعت جريدتا «المحرر» و«ليبراسيون» ، وصولا إلى بيان المكتب السياسي حول قرارات نيروبي القاضية بإجراء الاستفتاء في الصحراء المؤرخ ب5 شتنبر…. وتنفيذ قرار الانسحاب من البرلمان في أكتوبر من نفس السنة… بالفعل كانت التوتر بين الحزب والملك قد بلغ أعلى درجاته في تلك الفترة. أذكر أنني زرت الأخ عبد الرحيم بمنزله بأكدال قصد تسليمه بعض الوثائق . طلب مني الجلوس وأطلعني على مسودة بيان المكتب السياسي في موضوع الاستفتاء. قرأت نص البيان وقلت له سوف يتم اعتقالك. استغرب من كلامي فأكدت له قولي مرة أخرى . ناولته الوثائق وودعته منصرفا. في طريقي لمدينة المحمدية، حيث أمضيت الليلة هناك عرجت على الأخ اليازغي الذي كان يقضي بعض الأيام على الشاطئ .استفسرني إن كنت قد اطلعت على نص البيان، قلت، قرأته عند السي عبد الرحيم وسوف يعتقلونكم. لكنه استبعد الأمر. في صباح اليوم الموالي عدت إلى المنزل بالرباط فوجدت الأخ عبد القادر باينة في انتظاري وأخبرني باعتقال الأخ عبد الرحيم بوعبيد ليلا. قررت التوجه مباشرة إلى مقر الحزب. ولعلمي أن هاتف المقر مراقب من طرف البوليس عدلت عن الذهاب. وأرسلت من يخبر الأخ عبد الوهاب ملين أنني قادم لبيته حتى أتمكن من الاتصال بالمناضلين في الأقاليم . بعد نصف ساعة أرسل لي الأخ ملين ابنه ليخبرني أن منزله مطوق بعناصر الأمن وأن البحث جار للعثور علي. فورا توجهت إلى منزل ابن عمي ومن بيته اتصلت، بواسطة الهاتف، بأكبر عدد من المناضلين لإخبارهم بالاعتقال وببيان المكتب السياسي، كما اتصلت بزوجة الأخ محمد اليازغي، علما أن البوليس كان يبحث عنه وعن الأخ محمد الحبابي. في ما بعد سلما نفسيهما للنيابة العامة. في نفس اليوم وعلى الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا طرق البوليس باب منزل ابن عمي، وأخذونا معا إلى مركز الشرطة. وضعوا ابن عمي جانبا في أحد الممرات. وبدأت عملية استنطاقي . اعترفت لهم – حماية للإخوة العاملين في إدارة الحزب – أنني استنسخت نص البيان وأنني وزعته على وكالات الأنباء وعلى السفارات. سألني المحقق: وهل قمت بكل هذه الأعمال وحدك؟ قلت نعم وحدي. ثم سألني عن مكان تواجد الأخ اليازغي، أجبته أنني لا أعلم. فقال مستغربا اتصلتَ هاتفيا بزوجته ولا تعرف مكان تواجده، قلت له حتى زوجته لا تعرف أين يوجد. دام الاستنطاق حوالي أربع ساعات ونصف الساعة، لكن بدون عنف وكنت محاطا بسبعة مفتشين. وأطلقوا سراحي فجرا. بعد ذلك كنت أداوم يوميا بالمقر. ولم أجد المساعدة إلا من ثلاثة إخوان هم رشيد العوفير، رحمه الله ، وإدريس لشكر ومحمد فرتات. وقد كلفتهم بالكتابة على الجدران، ليلا، شعارات ضد النظام، وأخرى تطالب بإطلاق سراح الأخ عبد الرحيم بوعبيد، وذلك حسب التوزيع التالي: رشيد العوفير بالمدينة وإدريس لشكر باليوسفية ومحمد فرتات بيعقوب المنصور. وعدا هؤلاء الثلاثة لم يكن أحد يفد على المقر، بمن فيهم أعضاء اللجنة الادارية ربما خوفا من سيارة الأمن التي كانت مركونة أمام المقر. ثم جاء قرار الانسحاب من البرلمان في اكتوبر1981 . بعض الإخوة النواب أصابهم الخوف بعد الاستماع لخطاب الملك الحسن الثاني رحمه في البرلمان. وللتاريخ فقد كان الأخ عبد الواحد الراضي وحده من استعد للاعتقال. إذ هيئت له زوجته حقيبة بها ملابس وأدوية ووضعتها قرب الباب . لم يعتقل النواب المنسحبون ووضعوا تحت الحراسة وفي أماكن تواجدهم، وحرموا من استعمال الهاتف ومن زيارة ذويهم. مع ذلك تمكنت والأخ اليوسفي من زيارتهم. وبمنزل الأخ الراضي عقدنا نحن الإثنين اجتماعا مع بعض النواب الذين كانوا متواجدين بالمنزل حين فرضت عليهم الحراسة. حاول الأخ اليوسفي رفع معنوياتهم ودام الاجتماع أكثر من 7 ساعات متواصلة. بعد ثلاث سنوات شارك الحزب في الانتخابات التشريعية سنة 1984، وفاز جميع أعضاء المكتب السياسي الذين ترشحوا، وبدون استثناء.

  الأسباب التي كانت وراء انسحابي من لجنة الترشيحات .
 
س- نُقل الأخ بوعبيد صحبة رفيقيه إلى ميسور، وبعد انسحاب النواب الاتحاديين من البرلمان كانت هناك شائعات تروج عن مفاوضات بين بعض النواب والقصر الملكي. ما صحتها؟
ج- بعد اعتقال الإخوة أعضاء المكتب السياسي ومحاكمتهم ونقلهم إلى مدينة ميسور، تم أول اتصال بهم عبر الإخوة المحامين محمد الصديقي، خالد السفياني ومحمد بوزبع رحمه الله، الذين بلغونا عن رد الفعل الأول للأخ عبد الرحيم بعد الانسحاب من البرلمان يقضي بطرد جميع النواب من الحزب. كنت مع الأخ اليوسفي نسهر على تسيير الحزب ولما اطلعنا قرار الأخ عبد الرحيم رفضنا أن نساند مثل ذلك القرار في ذلك الوقت العصيب واتفقنا أن لا نتخذ أي إجراء في حق هؤلاء النواب. بعد ذلك انصرف اهتمامي لتنظيم زيارة عائلات الإخوة المعتقلين لمدينة ميسور، حيث كنا نُوفر السيارات ونبحث عن سائقين لها. في إحدى الزيارات رافقت الأخت سعدة زوجة الأخ اليازغي، وعلى مشارف المدينة وجدنا دورية للأمن فأخذوا بطاقة هويتي ومنعوني نهائيا من دخول المدينة. من جهة أخرى، سافر الأخ اليوسفي إلى فرنسا واتصل بي ذات صباح ليخبرني أن السيد سنغنيتي، الشخصية الفرنسية المعروفة بدفاعها عن حقوق الإنسان، سيقوم بزيارة للمغرب. وطلب مني الاتصال بخمسة من أعضاء اللجنة الإدارية لاستقبال هذا الحقوقي الكبير بالمطار. اتصلت ببعض الإخوة فرفضوا الذهاب إلى المطار. زارني ذلك الصباح الأخ رشيد بلافريج بمنزلي بأكدال، وضعته في الصورة واقترحت عليه مرافقتي، فلم يتردد وعبر عن استعداده للقيام بذلك. في طريقنا نحو المطار عرجت على منزل الأخ العربي عجول. وجدته وحيدا مع ابنته وكانت في أول سنوات عمرها. اقترحت عليه مرافقتنا. كان عليه أن يجد من يتكلف بابنته، وأمام إلحاحي التحق بنا وتوجهنا صوب المطار الذي وصلناه. وجدنا الأخ عبد الواحد الراضي ووجدنا كذلك بداخل البهو عدد كبير من رجال الد.س. تي. استقبلنا السيد سنغينتي وأقام بفندق شالة بالرباط ليمضي الليلة، بعد لقاء قصير له، معي ومع الأخ الراضي، ضربنا موعدا للقاء آخر لتناول وجبة الفطور في الصباح الموالي. في الرابعة صباحا، تم إيقاظ السيد سنغينتي من نومه، ونقله البوليس على وجه السرعة إلى المطار، حيث وضع في أول طائرة متوجهة نحو باريس. بعد ذلك سيتم اعتقال الأخ العربي عجول، وتمحور الاستنطاق حولي وعما قلته له أثناء توجهنا للمطار وأثناء العودة منه. وأفرج عنه بعد ذلك. أخبرت الأخ عبد الرحمان اليوسفي بما جرى في حينه. ثم سأحكي له التفاصيل لما رجع للمغرب حين توفت والدته رحمها الله.

س- وبالنسبة للمفاوضات بين بعض النواب والقصر الملكي
ج- بعد انسحاب النواب في اكتوبر1981 .افتتح الملك الراحل الدورة التي انتقد فيها بشدة الاتحاد الاشتراكي. ووصلني أن إدريس البصري كان يتابع الخطاب بمنزله بمعية البشير الفكيكي. التفت الوزير إلى الفكيكي وسأله من سينسحب من النواب الاتحاديين ومن سيبقى. أجابه الفكيكي الكل سيبقى إلا اثنان محمد منصور ومحمد اليازغي. تعرض نائب من العرائش لضغط من عامل الاقليم دفعه لبعث برقية يتراجع فيها عن الانسحاب. ومن جهة أخرى اجتمع بعض النواب بأحد مساعدي إدريس البصري، وكما قلت لما علم الأخ عبد الرحيم بوعبيد بذلك أرسل لنا مقترح قرار مضمونه طرد جميع النواب من الحزب. وغالب الظن أنه كان قرارا عفويا. اكتفينا فقط بإصدار قرار داخلي في حق أخوين ، قرار اتخذه أعضاء اللجنة الادارية المقيمون بالرباط، وكان قرار للردع فقط. وتم تجاوز المشكل، بعد ذلك، حينما اقترح الكاتب الأول الأخ فتح الله ولعلو لرئاسة الفريق الاتحادي بالبرلمان عقب انتخابات 1984 .

س- ماذا وقع سنة 1983؟
ج- سنة 1980 انتقل المقر المركزي للحزب لزنقة واد سوس بأكدال. كان لبعض الإخوة وجهة نظر حول عمل الحزب في الواجهة البرلمانية والجماعية، أذكر منهم العربي الشتوكي، عبد الرحان بنعمرو ، أحمد بنجلون واليزيد البركة.. وعقب صدور قرار الطرد في حق الأخ عبد الحق الغزالي الذي كان ينشط في الشبيبة الاتحادية، احتج رفاقه على ذلك القرار. وفي صبيحة يوم اجتماع اللجنة المركزية المصادف ل8ماي 1983 ، تجمهر حوالي 80 من المحتجين قبالة المقر، منهم بعض الشبان كانوا يحملون العصي. وصلت إلى باب المقر ولم يمنعني أي أحد من الدخول. بل وتبادلت السلام مع الأخوين بنعمرو والشتوكي. وجدت الأخ اليوسفي داخل المقر واقترحت عليه أن لا يُمنع أي عضو اللجنة المركزية من المحتجين من الدخول. فطلب مني التريث إلى حين قدوم الأخ الكاتب الأول. في هذه الأثناء تطورت الأمور خارج المقر، ومُنع عدد من أعضاء اللجنة المركزية من الالتحاق بالاجتماع. ثم تدخل رجال الأمن بقيادة عامل الإقليم المرحوم عمر بنشمسي والكومسير لمزايتي، فوقعت المواجهة بين الطرفين وبعدها اعتقل من اعتقل وهرب من هرب. بعض الإخوة سامحهم الله نسبوا إلى أنني كنت وراء حضور رجال الأمن، ربما كان يعتقدون أننا في بلد كالسويد. فوجود حوالي 80 شخصا متجمهرين في الشارع كان ولابد أن يستدعي تدخلا من رجال الأمن. في النهاية عقدت اللجنة المركزية اجتماعها المقرر لها، وأصدرت قرارات الطرد في حق مجموعة من أعضائها الذين كانوا ضمن المحتجين. بعد ذلك استدعيت لمركز الشرطة واستقبلني العميد رمزي وأحالني على مكتب المدير الإقليمي للأمن لمزايتي، الذي طلب مني أن أرفع دعوى قضائية ضد المجموعة التي احتجت. رفضت وقلت له لم يهاجم أحد منهم مقر الحزب. أما أمن الشارع فهي مسئولية الأمن وحده ولا دخل لنا بها. وأمام إلحاحه قلت له ما يمكن فعله هو الإدلاء بشهادتي فقط . حررت الشهادة ووقعتها وانصرفت. بدأت محاكمات المعتقلين، واستدعيت للمحكمة كشاهد. وأدليت أمام هيئة المحكمة بشهادة كانت في صالح الإخوة المعتقلين، حيث نفيت أن يكون من بينهم من كان يحمل العصي أو من كان يمنع أعضاء اللجنة المركزية من دخول المقر. ومع ذلك صدرت أحكام سجن قاسية وصلت إلى ثلاث سنوات. طبعا تألمت لصدور تلك الأحكام سيما وأن الإخوة بنعمرو والشتوكي وأحمد بنجلون أصدقائي. بعد خروجهم من السجن أسسوا حزب الطليعة وقادوا حملة على قيادة الحزب وعلي شخصيا، حيث وصفوني ب«مداوم المكتب السياسي» . وانقطع الاتصال بيني وبينهم. وهكذا فقد الحزب للأسف العديد من مناضليه مرة أخرى.

س- ألم يكن ممكنا تطويق هوة الخلاف، وهل كانت هنا مساع؟
ج- كانت محاولات، لكن الأمور تطورت بسرعة. ويوم الاجتماع توصلت من الأخ عابد الجابري برسالة الاستقالة من المكتب السياسي. وللحقيقة لم يكن لا عبد الرحيم بوعبيد ولا عبد الرحمان اليوسفي متحمسين لاتخاذ قرار الطرد.

س- كتب الأخ محمد عابد الجابري في مذكراته أنه عرض مساعيه لرأب الصدع، لكنه لم يجد حماسا من لدن الكاتب الأول.
ج- صحيح قام الاخ عابد الجابري بعدة محاولات لرأب الصدع، لكن، مع الاسف، لم يكتب لها النجاح.

س- هل الخلافات كانت اتحادية أم كانت تحركها أيادي خفية؟
ج- لا أظن ذلك. كل ما عرفته في تلك الظروف، أن عددا من الإخوة كان يطالبون بعدم المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية علما أن البعض منهم كانوا منتخبين وأعضاء في عدة مجالس بلدية.

س- بعد مرور الوقت هل التقيت ببعض الإخوة الذين أسسوا حزب الطليعة؟
ج- التقيت عدة مرات بالإخوة بنعمرو وأحمد بنجلون شفاه الله والعربي الشتوكي رحمه الله.

س- وهل لمست عندهم نوعا من الندم عما وقع؟
ج- لا أبدا . بالعكس فهم مقتنعون أن الطرف الآخر هو المخطئ.

س- ماذا عن ظروف التحضير للمؤتمر الرابع للحزب سنة 1984؟
ج- قبل المؤتمر كلفني الأخ عبد الرحيم تنظيم حفل شاي بدار مارسا على شرف بعض الصحفيين وبعض السفراء المعتمدين في الرباط. وفي هذا اللقاء أعلن الأخ الكاتب الأول عن انطلاق عمل جريدة «الاتحاد الاشتراكي» وقدم الأخ محمد البريني مديرا للجريدة ، كان ذلك سنة 1983 . أما عن المؤتمر الرابع فقد تم التحضيرله في ظروف عادية، وبدون مشاكل تذكر . لكن الأخ عبد الرحيم اقترح في اليوم الثالث من المؤتمر تشكيل كتابة وطنية تساعد المكتب السياسي في تحضير اجتماعات اللجنة الادارية. قوبل الاقتراح بالرفض التام أثناء المؤتمر. عاود الأخ الكاتب الأول طرح الفكرة بعد المؤتمر واقترح عدة أسماء لعضوية الكتابة الوطنية. وفعلا أنشأت الكتابة الوطنية التي ضمت كل من الراضي، محمد جسوس، ولعلو، عبد ربه، مالك الجداوي، خيرات، منشد، عبد القادر باينة، العربي عجول، حسن الصبار وآخرين. اشتغلت الكتابة بعض الوقت ثم توقفت اجتماعاتها.

س- لو سمحت ننتقل إلى محطة أخرى : المؤتمر الخامس للحزب..
ج- بالفعل عقد المؤتمر الخامس سنة1989 وقد سبقه تحضير في جو من الحماس. فوجئنا مع بداية الجلسات الأولى ببعض المشاكل منها مثلا رفض الأخ نوبير الأموي أن يكون الأخ القرشاوي مصطفي، رحمه الله، عضوا في لجنة الترشيحات. كنت عضوا في تلك اللجنة وأعلنت عن احتجاجي بالإنسحاب منها . عدت للجنة تحت إلحاح السي عبد الرحيم ، بينما غادر الأخ مصطفى القرشاوي قاعة المؤتمر. تولى الأخ الحبيب الفرقاني رئاسة لجنة الترشيحات وأصبح الأخ نوبير الأموي مقرر اللجنة، وكان النقاش حادا داخلها. رغم ذلك استطعنا أن نفرز لجنة مركزية في المستوى المطلوب. بل وأعتبرها أحسن لجنة مركزية عرفها الحزب عبر تاريخه، ظهر ذلك جليا فيما بعد في المستوى العالي للنقاش الذي طبع اجتماعاتها. أتذكر أنه في بداية عمل لجنة الترشيحات اقترح الأخ الأموي على الأعضاء أن يمدوه كتابة بأسماء من يقترحونهم لعضوية اللجنة المركزية، وكباقي الأعضاء، وبحسن نية، ناولته ورقة تحمل أسماء من اقتراحي. لكن أفاجأ كون الأخ الأموي يأخذ الكلمة في الجلسة العامة ويخبر المؤتمرين أن الحبيب الشرقاوي أراد أن يمرر لائحة أسماء أعدت سلفا. كما لازلت أتذكر تلك الحملة الكبيرة التي استهدفت الأخ مولاي المهدي العلوي، فدافعت عنه داخل لجنة الترشيحات في مواجهة مباشرة مع الأخ الأموي، و أكدت أن الاخ العلوي أصبح ممثلا دائما للمغرب في الأمم المتحدة تبعا لقرار من الحزب، وهو الذي كلفه بتلك المهمة.

س- ما الذي وقع بعد انسحاب الأخ عبد الرحيم بوعبيد من المؤتمر؟
ج- عاد الأخ عبد الرحيم إلى منزله وكان رحمه الله متأثرا بما وقع داخل جلسات المؤتمر. لذلك قررعدم العودة لمتابعة أشغال المؤتمر . فتوجه إلى منزله بعض الإخوة واستطاعوا إقناعه بالعدول عن قراره. وبعودة السي عبد الرحيم تغير مجرى المؤتمر واتخذ اتجاها آخر. وقد صادق المؤتمرون بالاجماع على أن يتحمل الأخ بوعبيد مسؤولية الكاتب الأول للمرة الرابعة على التوالي. بعد أسبوعين من انتهاء أشغال المؤتمر، اجتمعت اللجنة المركزية لانتخاب أعضاء المكتب السياسي . اقترح الأخ الكاتب الأول 19 إسما، ليتم اختيار 12 منهم لعضوية المكتب السياسي. جرى التصويت. وترأس الأخ لكبير البزاوي لجنة للفرز اشتغلت منذ الصباح وانتهت عملية الفرز في حدود الواحدة ليلا . بعد ذلك أعلن ألاخ البزاوي عن تشكيلة المكتب السياسي الجديد. هكذا انتخبت عضوا في هذا المكتب إلى جانب الإخوة: عبد الواحد الراضي، محمد الحبابي، محمد اليازغي، محمد جسوس، نوبير الأموي، عبد المجيد بوزبع، عبد الرحمان اليوسفي، فتح الله ولعلو، محمد منصور شفاه الله والمرحومان مصطفى القرشاوي والحبيب الفرقاني.

  لهذه الأسباب اختلفت مع السي عبد الرحيم .
 
س- قبل انتخابك عضوا في المكتب السياسي هل سبق وان اختلفت مع الأخ عبد الرحيم بوعبيد؟
 ج-  كان في ذلك بداية السبعينات بمناسبة خروج الأخ المقاوم سعيد بونعيلات من السجن . استدعاني المرحوم كما استدعى الأخ اليازغي وأخبرنا بموعد الإفراج عن الأخ بونعيلات. وكلفني باستقباله بباب السجن المركزي بالقنيطرة ، ثم نقله ليستريح بعض الوقت بالرباط ومنه أن أسهر عى تنظيم رحلته إلى الدار البيضاء . لم استسغ والأخ اليازعي ذلك .فمقاوم ومناضل من حجم سعيد بونعيلات لا بد وأن يحظى باستقبال يليق له . ليلة الافراج عن قمت بالاتصال بعدد كبير من المناضلين في الأقاليم والذين تقاطروا بأعداد غفيرة الى سجن القنيطرة ، وخصصوا للأخ بونعيلات استقبالا رائعا ،وتشكل موكب ضخم من السيارات رافقه إلى منزلنا بمارسا ، الأمر الذي أحدث ارتباكا كبيرا في حركة السير بالعاصمة . بمنزل الاستقبال كنت والأخ اليازغي ننتظر وصول الأخ عبد الرحيم بوعبيد وننتظر أيضا رد فعله. التحق بنا الأخ عبد الرحيم وتوجه إلي منتقدا. لم نرد على انتقاده وتحملت أنا و اليازغي مسئولية ما وقع. أشير فقط أن الفضل في الإفراج عن الأخ بونعيلات يرجع إلى المناضل والمقاوم حسن صفي الدين. ذلك أنه في إحدى المناسبات الرسمية ، استدعى الملك الراحل عددا من الشخصيات وطُلب منها الحضور باللباس المغربي . حضر الأخ صفي الدين باللباس العصري أو الأروبي . بينما الملك الراحل يتجول بين الضيوف ،صادف الأخ صفي الدين وقال له :أين الجلباب ياحسن؟ كان جواب الأخ حسن صفي الدين رحمه الله أنه لن يلبس الجلباب إلا أن يطلق سراح الأخ بونعيلات. فرد عليه الملك : لقد أتبعتني كل مرة بطلبك هذا . بعد ذلك بأشهر غادر الأخ سعيد بونعيلات سجن القنيطرة.

س- كنت بلا شك تعرف عددا من رجال المقاومة ؟
ج- هو كذلك. كنت أعرف المناضل والمقاوم الفذ محمد بنسعيد آيت يدر. وآخرين هم في دار البقاء :حسن صفي الدين ،الحاج العربي ،ابراهيم تروست ،بوشعيب الكالي (الحريري)،العربي الفكيكي ، الحسين الخضار ، وعمر المسفيوي. ومن الأحياء :الغالي العراقي ، الحسين برادة ، سعيد بونعيلات ،محمد بن الضاهر ومحمد بنحمو. بالنسبة لهذا الأخير فقد سهرت ،متطوعا ،على أن يتابع أبناءه دراستهم بعد اعتقاله. وكلما التقيت به وبعائلته بعد الإفراج عنه، كان يشير إلي ويقول لأبنائه: هذا هو أبوكم.

س- بعدما أصبحت عضو في المكتب السياسي هل اختلفت مع السي عبد الرحيم أو تصادمت معه ؟
 ج- بالفعل، كان ذلك عقب غزو العراق للكويت .ففي اجتماع للمكتب السياسي حول الموضوع اقترح بعض الإخوة إصدار بيان في تأييد للرئيس صدام حسين .طلبت الكلمة، فأكدت أن علينا إصدار بيان عكس ذلك، يطالب صراحة بانسحاب العراق من الكويت. ثارت ثائرة الأخ عبد الرحيم ورفض اقتراحي وبعنف شديد لم أعهده في الرجل . وصدر البلاغ . ولأن للسي عبد الرحيم رحمه الله خصال حميدة كثيرة وبعد شهرا من هذه المواجهة ، أتى المرحوم لمقر الحزب قبل ساعة اجتماع المكتب السياسي .دخل مكتبي وبعدما جلس ، اعتذر لي عما صدر عنه في حقي خلال ذلك الاجتماع ، معترفا أن رأيي كان هو الرأي الصائب وأنه كان مخطئا في التقدير وفي الموقف أيضا .

س- ضعنا في أجواء الاجتماعات الأولى للمكتب السياسي؟
ج- مع بداية أول الاجتماعات بدء الخلاف خصوصا مع الأخوين الأموي وعبد المجيد بوزبع. كانت اجتماعات يُخيم عليها التوتر وتدوم لساعات طوال . كانت اجتماعات مرهقة حقا.

س- كيف كان الاصطفاف داخل المكتب السياسي ؟
ج- اصطف الأعضاء في فريقين اثنين.

س- بلا شك عايشت الأيام الأخيرة من حياة الأخ عبد الرحيم بوعبيد ؟
ج- قبل أشهر من وفاته، توجهت مع الأخ اليازغي لمنزل الراحل لاطلاعه على نص مشروع بيان. فتحت زوجته باب المنزل وعلامات الحزن بادية على محياها ، فاضطربنا بعد الشيء. بعد تحية الأخ عبد الرحيم ، صارحنا هذا الأخير أنه مصاب بداء السرطان وأنه مقبل على إجراء عملية جراحية في غضون الأيام المقبلة . ودونما شعور، تناول سيجارة بين يديه ، قلت له : عليك الآن أن تتجنب التدخين. فرد علي رحمه الله، أبعد خمسين سنة تريدني الآن أن اقلع عن التدخين؟ بعد العملية الجراحية ،التي أجريت له بفرنسا، تحسن وضعه الصحي بعض الشيء لكن سرعان ما بدأ يتدهور يوما بعد يوم . الأمر الذي حدا بالأخ عبد الرحيم لإلقاء كلمة وداع مؤثرة في آخر اجتماع للجنة المركزية في نوفمبر 1991. قبل هذا التاريخ اقتُرحَ على الأخ عبد الرحيم أن يعين نائبا له لمساعدته في تحمل أعباء الكتابة الأولى.. رفض المرحوم عبد الرحيم رفضا باتا تعيين نائب له ، لقناعته راسخة لديه أن الأمر يهم المناضلين وعليهم تقع مسئولية اختيار خلف له بعد وفاته . أشهر قليلة قبل الوفاة فاتحه الأخ محمد الحبابي مرة أخرى بل وعرض عليه مشروع قرار في هذا الشأن. لا أدري ماذا دار بينهما ، إلى أن جاء اليوم الذي حمل لي الأخ محمد الحبابي رسالة موقعة من طرف الكاتب الأول، يعين فيها الأخوين عبد الرحمان اليوسفي ومحمد اليازغي نائبين للكاتب الأول ، فسهرت على بعثها لكافة أعضاء اللجنة المركزية .

س- وقتها هل فكرت في من سيخلف الأخ عبد الرحيم في الكتابة الأولى للحزب؟
ج- قبل 3 أشهر ،على وفاة السي عبد الرحيم ، كنت والأخ عبد اليوسفي على موعد لحضور اجتماع المجلس الإقليمي بتطوان . وفي طريقنا طلبت من الأخ اليوسفي أن يهيئ نفسه لتحمل مسؤولية الكتابة الأولى للحزب نظرا لتدهور الحالة الصحية للأخ عبد الرحيم بوعبيد . لم أتلق منه حينها أي جواب .

س- متى وصلك نبأ وفاة السي عبد الرحيم بوعبيد؟
ج- يوم وفاته ، زرته بمنزله رفقة الأخ اليازغي وودعناه على الساعة العاشرة ليلا وكان في وضع صحي متدهور للغاية . على الساعة الثالثة صباحا اتصل بي الأخ اليازغي يخبرني بوفاة القائد الكبير عبد الرحيم بوعبيد. فورا توجهت إلى منزل الفقيد و تعمدت عدم إخبار المناضلين في الأقاليم إلا ابتداء من الساعة 8 صباحا. وبقيت هناك انتظر وصول الأخ عبد الرحمان اليوسفي قادما من مدينة «كان «. وصل الأخ اليوسفي اقترحت أن يودع الفقيد ثم بادرت وقلت له أنت من سيأبن الفقيد العزيز.قال انه لم يهيأ بعد كلمة في الموضوع، فاقترحت عليه أن يذهب للفندق ويعمل على صياغة كلمة التأبين . والحق أنها كانت كلمة في مستوى الحدث وكانت رسالة إلى كافة الاتحاديين . وشيعت جنازة الفقيد في موكب ضخم وبحضور كبير من المواطنين والمناضلين في جو من التأثير عقب فقدان الحزب والمغرب لأحد السياسيين الكبار . رغم أجواء الحزن كنت أفكر مرة أخرى في مرحلة ما بعد رحيل السي عبد الرحيم وتفادي أن يكون هناك فراغ في قيادة الحزب. اجتمعنا كمكتب سياسي بمنزل الأخ محمد الحبابي بوم الأريعاء 15 يناير1992، وطُرحت فيه مسألة الكتابة الأولى ومن سيشغلها. تحفظ البعض ،واقترح الأخ الأموي التريث لبعض الوقت وعدم التسرع . شخصيا وإخوان آخرين كنا من الراغبين في حسم الأمر حتى لا يكون هناك فراغ على رأس هرم الحزب. فعلا ،وفي ذلك الاجتماع تقرر أن يكون الأخ عبد الرحمان اليوسفي كاتبا أولا للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية . بعد الحسم في مسألة الخلافة والسرعة التي تم بها ، راج أنكم بذلك قد قطعتم الطريق أمام أي تدخل من خارج الحزب ، القصر الملكي مثلا ،سيما وأنه كانت اتصالات غير مباشرة بين الملك والفقيه البصري منذ 1990. شخصيا استبعد أن تكون هناك أي نية للتدخل في شؤون الحزب في تلك الفترة، بل واستحالة مثل ذلك التدخل. هاجسنا كان السهر على أن لا يكون هناك فراغ على رأس الحزب.

س- الصداقة التي كانت تجمعك مع ألأخ عبد الرحمان اليوسفي، ومهمتك في المكتب السياسي مسؤولا عن إدارة ومالية الحزب، ربما جعلتك من أقرب المقربين للكاتب الأول الجديد…
ج- بالفعل حصل ذلك .

لقاءات الأمير مولاي هشام مع قيادات الاتحاد التي أغضبت الحسن الثاني .

س- قلت كانت اجتماعات المكتب السياسي تدوم لساعات طوال، و في تلك الفترة بدأت مداولات الأعضاء تتسرب إلى الصحافة. كيف تصرف المكتب السياسي ؟
ج- بالفعل بدأت عدة صحف تنشر « محاضر « اجتماعات المكتب السياسي .وفي أحد الاجتماعات وقبل الشروع في بداية نقط جدول الأعمال، تساءل الأخ عبد الرحمان اليوسفي عن العضو الذي يسرب تلك الأخبار للصحافة فأشرت أنني أعرف من هو…

س- رغم الأوضاع الحزبية والجو السائد آنذاك ،استطاع الحزب أن يخرج بموقف موحد من دستور 1996. كيف ؟
ج- لم تكن هناك معارضة قوية لدستور 1996.

س- كيف استطعتم تدويب الخلافات كقيادة ؟
ج- اجتمعنا بمنزل الأخ عبد الواحد الراضي ، وقدم لنا الأخ عليوة شروحا حول مضمون مشروع الدستور ، وبعد نقاش، صادق المكتب السياسي بالإجماع على التصويت بالإيجاب على ذلك المشروع .

س- قيل وقتها أن موافقة الحزب كانت موفقة سياسية بالأساس؟
ج- بالفعل كانت موافقة سياسية ويعتقد العديد أنها هي التي مهدت فيما بعد لمرحلة التناوب.

س- مرت الانتخابات التشريعية لسنة 1997،و احتل الاتحاد الاشتراكي المركز الأول متبوعا بالاتحاد الدستوري بفارق بضعة مقاعد وقدم مرشحين فائزين استقالتهما من البرلمان…ماذا وقع؟
ج- مباشرة بعد إعلان النتائج تبين لنا أنا السلطة زورت النتائج لصالح الأخوين محمد حفيظ ومحمد أديب رحمه الله .فقدم الأخ محمد حفيظ استقالته. أما بالنسبة للأخ محمد أديب رحمه الله، فقد استدعيته بتكليف من الأخ اليوسفي، إلى مقر الحزب بالرباط، وطلبت منه أن يقدم استقالته، فرفض القيام بذلك . بعد عدة أشهر فقط قدم استقالته من مجلس النواب.

س- وما ترتيبات تشكيل الحكومة ؟
ج- أخبرني الأخ عبد الرحمان اليوسفي انه متوجه إلى القصر الملكي للقاء الملك الراحل ، وطلب مني دعوة أعضاء المكتب السياسي لاجتماع عاجل . مباشرة بعد خروجه من القصر ، التحق بالاجتماع الذي عقد في بيتي بحي الرياض . وقدم عرضا أشار فيه أن في أول اللقاء بادر الملك بالقول:من كان يتصور يوما أن يجلس أمامي رجل مقاوم وسياسي معارض . كما أخبرنا أن الملك لم يضع شروطا فيما يخص تشكيلة الحكومة .، وقد اقترح الأخ اليوسفي أن يتولى الأستاذ أحمد الخملشيي وزارة الأوقاف ، لكن الملك ،وبلباقة ، تشبث بالسيد العلوي المدغري. تبع ذلك العرض نقاش عام حول الحكومة إلى ساعات متأخرة من الليل. بعد الاجتماع حاولت إقناع الأخ اليوسفي بالمبيت بالرباط إلا أنه اخبرني أنه على موعد في ذلك المساء مع الأخوين محمد الفقيه البصري وعابد الجابري بالدار البيضاء . وبدأت المشاورات حول تأليف الحكومة. الأمر الذي دفعني أن أعبر له عن موقف معارض من حيث شكل وطريقة مشاوراته.

س- ما هو هذا الموقف ؟
ج- قلت له بشكل مباشر، لا حق لك أن تشكل حكومة مع الأخ الحليمي وحده، هناك مكتب سياسي وهناك لجنة مركزية ، لابد من استشارتهما والأخذ برأيهما في الموضوع .
 شعرت حينها أنه انزعج من قولي هذا. بعد ذلك بدأ المكتب السياسي ينظر في المرشحين الاتحاديين للاستوزار ، وبطلب من الأخ اليوسفي ، تقدم كل عضو من أعضاء المكتب السياسي ياقتراحات، باستثناء الأخ نوبير الأموي الذي لم يقترح أي اسم .

س- ما هي ردود الفعل التي ولتك بعد صدور لائحة الوزراء ؟
ج- كانت هناك احتجاجات من البعض، وتم تجاوزها وظهرت « معارك» أخرى حول الدواوين…

س- وبالنسبة للمفاوضات مع الأحزاب حول تشكيل الحكومة من كان يتولاها ؟
ج- عبد الرحمان اليوسفي هو من تولى المشاورات مع الأحزاب. كنت أساعده في ترتيب مواعد لقاءاته مع بعض القيادات. فمثلا اتصلت بالمحجوب بن الصديق لتحديد موعد لقاء بينه وبين الأخ اليوسفي، رحب بن الصديق بذلك وسألني عن مكان اللقاء قلت له بجريدة الاتحاد الاشتراكي ، قال الله ،هل نسي السي عبد الرحمان منزلي. وبالفعل عقد اللقاء بين الرجلين بمنزل المحجوب بن صديق . أذكر كذلك أن الأخ اليوسفي عبر عن رغبته في لقاء القادري، وعرشان،عبرت له عن مخاوفي من أن لا يتصور المناضلون والمغاربة عموما لقاءه مع هؤلاء . لكنه اعتبر أن ذلك يدخل ضمن مهمته كوزير مكلف، سانده الأخ عبد الواحد الراضي الذي كان قد التحق بنا. طبعا لم أتصل بالقادري ولا بعرشان . كما التقى بالأستاذ عبد الله إبراهيم رحمه الله وبجميع قادة الأحزاب .

س- يقال أن الأخ عبد الرحمان اليوسفي التقى 10 شخصيات وطنية بعد لقاءه الأول مع الملك ؟
ج- بالفعل وكما ذكرت يوم لقاءه مع الملك وبعد اجتماع المكتب السياسي، اخبر كل من المرحوم محمد البصري وعابد الجابري بالدار البيضاء.واتصل كذلك بالأستاذ امحمد بوستة.

س- راج أن بعض قيادات الحزب عقدت لقاء مع الأمير مولاي هشام ؟
ج- اللقاء الأول كان قبل إعلان حكومة التناوب. فبدعوة من الأمير حضرت إلى جانب الأخ اليوسفي اجتماعا بمنزل الأخ رشيد بنعبد الله الذي كان صديقا للأمير عبد الله . تناول اللقاء عددا من المواضيع، وكان الحديث مطبوعا بالعموميات . لم يكن يدور في أذهاننا أبدا أن الملك الراحل سيكون مطلعا على كل ما دار في ذلك اللقاء. بعد ذلك استقبل الملك أحد الاتحاديين وبعث معه رسالة شفوية للأخ اليوسفي مضمونها انه ( أي الملك ) مستعد للاستماع للأخ اليوسفي في أي وقت وعليه أن لا يحشر العائلة من أمور البلاد. كانت الرسالة واضحة .

س- انطباعك عن الأمير في هذا اللقاء ؟
ج- حقيقة وجدته شابا في منتهى الذكاء، ذا تكوين تعليمي عال، متتبعا لأحوال المغرب، كما كان ملما بالسياسة الداخلية والخارجية . اللقاء الثاني ، استدعينا ، الأخ اليازغي وعبد ربه، لتناول العشاء بمنزل الأمير. في بداية اللقاء توجه بالكلام للأخ اليازغي وقال له كان عليك أن تتفرغ للحزب .

س- ربما كان ذلك مطلبا جماعيا؟
ج- بالفعل لكن أن تأتي الملاحظة من شخصية بتلك الأوصاف التي ذكرتها ، تصبح للملاحظة أهمية كبرى.

س- تقييمك لتجربة حكومة الأخ اليوسفي؟
ج- بصفة عامة نجحت الحكومة في تحقيق الكثير خصوصا في الميدان الاقتصادي والمالي والاجتماعي، وواجهتها كذلك عراقيل كثيرة من طرف عدة جهات من بينها عراقيل من صنع بعض الاتحاديين أنفسهم تجلت مثلا في عدم تنفيذ بعض القرارات …

س- كيف تلقيت خبر وفاة الملك الحسن الثاني ؟
ج- قبل تاريخ موت الملك كنت قد قدمت استقالتي من المكتب السياسي. لكن بلغني أن المكتب السياسي كان مجتمعا وعلم بوفاة الملك في حينه. مباشرة بعد الاجتماع توجه الأخ اليازغي لمستشفى ابن سيناء، فوجد إدريس البصري والمستشار ازولاي. استفسر وزير الداخلية الأخ اليازغي عن مصدر معرفته بالخبر .كان جواب اليازغي: بفضل المناضلين العاملين بالمستشفى.

س- هل سبق للأخ اليوسفي أن تحدث معك حول علاقاته بالأمير قبل أن يصبح ملكا؟
ج- لا، أبدا.

 

 * نشر بجريدة ” الاتحاد الاشتراكي ” المغربية  فبراير 2010 .