إن التعليم حق  ،  وهو بالنسبة للدولة فرض وواجب   عليها القيام به على الوجه الأكمل   لفائدة   كل مواطن ومواطنة  ، ولفائدة مناهجه وبرامجه وفضاءاته وعلاقاته بالمعرفة والعلم، و بالتنمية والإدماج في الحركية الإقتصادية والإجتماعية و.. ، ولها بموازاة مع ذلك  ان تسمح بالتعليم الخاص ،  دون إضعاف أو تهميش أو تعطيل  أو تحجيم  الأدوار الريادية للتعليم العمومي وكفاءاته وشغيلته ،لفائدة التشجيع على  التعليم ” الخصوصي “…

كما أن من مسؤلية الدولة ان تيسر وتعمل بكل طاقاتها الإيجابية من أجل  انخراط  واندماج ابناء الوطن  بإشراكهم العملي في بناء وتطور المجتمع والدولة ، و في كل الأسلاك العامة  والوظائف ، وفي جميع دورات الإنتاج  المهني والحرفي والمعاشي …إلخ ، ومن هنا يعرف أهل الحل والعقد والعلماء والأساتذة  أن التعليم والتعلم واجب  وحق  لكل مواطن ومواطنة و ليس امتيازا  ، لأن الحصيلة الإيجابية له في علاقته بالعدالة الإجتماعية والإقتصادية  هي القطع مع  إهدار  الطاقات والتسبب في  تعطيلها وتهميشها  وجعلها عالة على المجتمع والدولة  …

..إن  التعليم والعملية التربوية والتأطير والتكوين يحتاج  إلى الإرتكاز  على مناهج علمية ، وعلاقات تروبوية مؤطرة برؤية فلسفية واعية ، واستراتيجية بانية مهيكلة للحاضر ..، إنه يعتبر الطريق الوحيد المعبد الذي يضمن المرور به  تحقيق وبناء مجتمع المعرفة والعلم والتنمية الشاملة و الرقي الحضاري  ويكون منصفا  للأجيال المتعاقبة يجعلها مستعدة وقادرة على مواجهة تحديات وإكراهات وانتظارات وضرورات المستقبل في جميع المجالات ..

إن كل من يدعي أن التعليم يثقل ميزانية الدولة  وفق مذهب صندوق النقد الدولي ومن يتبنى توصياته ، والبعض ممن يـعد الناس بالتنمية شريطة  تقليص الإنفاق عليه وتضييق منافذه ليكون نخبويا يـروج لسياسة  طبقية وراسمالية  تجعل الإنسان  خاذما لها وليس ثروة ورأسمالا بشريا شريكا في الوطن والثروة والإنتاج  ، لأنها لاتريده أن يكون معطلا لطموحها وإراداتها عندما تتضارب المصالح وتختل الموازين وتصبح الديموقراطية والعدالة الشاملة عند الناس جزءا من حياتهم الضرورية ..،

إن وضع السياسات التعليمية وفق رؤية ومرجعية طبقية رأسمالية غير اجتماعية لاترى ضرورة ولا مصلحة ولامردودية في استكمال كل الأبناء لمستويات تعليمهم ، لأن الواقع في حاجة إلى وفرة في اليد العاملة متخصصة وغير متخصصة لإعتبارات تتعلق بسوق الشغل عرضا وطلبا  ، إن تلك السياسات تؤدي إلى إضعاف مصداقية و مستوى وقيمة التعليم وشهاداته  ليس بالبلد فقط بل أمام الأنظمة التعليمية على الصعيد العالمي  ،  وتتسبب  في تضخم كل مؤشرات ومظاهر التخلف والتردي في القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية ، وتحدث إختلالا في ضوابط العدالة الإجتماعية والإقتصادية  ، وحصول تغول في الخصاص ، وتدهور للقدرة الشرائية مما يولد    شعورا سلبيا  و تدمرا متباينا  في علاقة بالإساءات والتراجعات التي تثقل كاهل العامة وتمس بحقوق المواطنة  ..وترتفع من  منسوب  اليأس والتمرد والإستنكار والإحتجاج …

إن كل من يستهين بأهمية التعليم ودوره المحوري والجوهري .. ، يستهتر بمخاطر الجهل  والفقر والنتائج المعطلة المدمرة التي يتسببان فيها  ، حيث لاينفع لامال ولا رأسمال ولا ثروة ، فالشعب غير المتعلم  ولا المؤطر  ، والذي لا يشرك  في الإختيار وتفعيل الزمن السياسي ، و لافي إدارة وتدبير الثروات الوطنية والعمل من أجل بناء الحاضر والمستقبل  ، يجد نفسه دائما على هامش التنمية ويتهم بتعطيلها …

من هنا يطرح سؤال محوري يفترض أن يجيب عليه كل من يعنيهم الأمر :  ” لماذا لم تنفع ولم تنجح كل الإصلاحات  التي سميت مرحلية أو  إستراتيجية  أو خطة  و بكل المسميات  ..؟ ولماذا أجمعت الأمة على أن التعليم يتخبط في مشاكل مختلفة تتسبت في تراجعات و فشل متعدد الأوجه  ؟

ان التعليم والتربية والتكوين والبحث العلمي هو  الحقل الذي لايقبل الإرتجال  والتجريب العشوائي  ، ولا ينسجم مع التراخي والتهميش والتحجيم  ، حتى  يطاله التقشف الناجم عن فشل سياسات  لاعلاقة لها  بعوالم العلم والمعرفة  …

إن كل  فشل فيه ينعكس على جيل معاصر وأجيال تابعة ، ويؤثر سلبا في مستوى النمو والتطور ، ويرفع من درجات الجهل والتخلف والأمية  ،، وقد يؤدي إلى تفشي عقلية  الإستعباد والسخرة ، ويسلط علينا هيمنة الأجنبي الرأسمالي  الجشع  …

لهذا عندما يقال إننا بصدد  دخول تعليمي كان أوليا أو جامعيا ، فالسؤال المطروح هو عن أي تعليم نتحدث ؟ وأي دخول نقصد ؟ و عن أي مجتمع نتحدث؟  وأي غد نسعى لنبنائه  ؟ وما الموقع الذي نختاره لشعبنا : هل مع الرواد والمبدعين وقادة العالم  ؟ ام  موقعا تغلب عليه التبعية والإستلاب والخضوع للإملاءات الرأسمالية للصناديق والدول المتسلطة على الثروات العالمية ؟ …إلخ

إن الذين ينظرون في ملف التعليم لايجب ان  يستحضروا فقط  من لديهم إمكانيات لتعليم أبنائهم في مؤسسات حرة قل ثمنها أو  ارتفع   بالداخل و الخارج ، بل يلزم أن يروا  تعليما  تتوفر فيه كل الإمكانيات وتفتح له كل الآفاق ويدمج في كل الأسواق ، ويدخل  لعوامل  الثروة و الرأسمال  ، حتى لايكون تعليما خاصا بمحاربة الأمية المعرفية والتقنية والحرفية ،  إنه يفترض  استحضار وجود شعب اغلبه من الفقراء  و المساكين وذوي الدخل الضعيف والمحدود الذين لاقدرة لهم على أداء مصاريف التعلم والعلاج وحتى مستلزمات العيش البسيط الكريم ، وعلى الدولة أن تقوم  بدورها كاملا في التعليم العمومي بكل درجاته وأصنافه كما في بعض الدول الرائدة ..

إن السياسات الفاشلة المتعدد الأوجه التي مورست على  النظام التعليميّ والثقافيّ ببلادنا أوصلت الوطن إلى أزمة خطيرة تدخل المجتمع في متاهات فكرية متطرفة للبحث عن حلول للمشاكل ، أحد مظاهرها الظلامية وتسويق الوهم ، وثانيها العدمية ورفض كل البدائل ،  مما يؤدي الى فقدان  مؤسسات لمصداقيتها وهيبتها ولقدراتها  التدبيرية والإقناعية …

إن الحديث عن  التعليم الأولي والإبتدائي والإعدادي والثانوي ثم الجامعي يطرح ضرورة وضع قضايا الشباب في صلب عملية التنمية ، و الإعداد لإستراتيجية متكاملة  لفائدتهم   والنهوض بأحواله وتطوير أوضاعه  ،، ذلك أن رجال وقادة الغد بالدولة وكل المؤسسات هم أطفال وشباب اليوم   . إن المستعجل والملح هو  فتح فعلي ملموس لأبواب الثقة والأمل في المستقبل عند الشعب والشباب  وإلا سنتسبب في ظهور وتشكل جيش عريض من الياسين والمهمشين والرافضين …

فإلى أين يسير التعليم ونحن نسمع ما يروج  ويراد له وشرع في تنزيل بعض الاجراءات التي لم تلق أي ترحيب   ؟  ، ألا ندرك  أهمية وجدية  ما نرى  ونسمع  من احتجاجات وانتقادات موضوعية وتدمر وشكايات ، ومن تظلمات الآباء والأبناء والشغيلة التعليمية ؟

إن بالوطن علماء وخبراء وأطرا مقتدرين ومقتدرات  في مجال التربية والتعليم والتكوين ، دعوهم يضعون الحلول والبدائل بعيدا عن توصيات صناديق الإقتراض وتوجهات طبقية تفريقية في التعليم وغيره ..لأن الهدفهم هو بناء مجتمع العلم والمعرفة والتطور والغد الأفضل ..

إن امة لاتقرأ ، ولا تعلم ، ولاتمتلك آليات تنمية المعارف هي في حكم الجاهل لفنون السباحة في بحار المنافسة العلمية التي لايستوي فيها الذين يعلمون والذين لايعلمون .

فرحمة بحاضر الوطن ومستقبله ..

 

تارودانت :  الاربعاء 05 شتنبر 2018.