الفصـــاحــــة حكمٌ معياري يُضفى أيديولوجيا على فصيلة من ألفاظ معجم لغة من اللغات ويُنزع عن فصيلة أخرى، كما يضفى على مهارة المتكلم الذي يجيد ترديد تلك الألفاظ؛ وذلك في إطار اتخاذ اللغة أداة رمزية لتدبير ممارسة السلطة.

أما البلاغة، على الأخص منها علما البيان والمعاني، فهي ملكة ذهنية لجعل الكلام مناسبا لمقتضى الحال باعتبار الوظيفة التبليغية والتواصلية الحية للغة عن طريق امتلاك أو اكتساب معجمها الحيّ وصرفها وتركيبها امتلاكا منطقيا سليما بما يضمن تلك الوظيفة، بما في ذلك ضبط المفاهيم والعلاقات القائمة بينها.
ومن أوجه المفارقة بين الفصاحة والبلاغة، ما حصل لقوم من الشعب الفصيح من اعتبار “البَغرير” و”الغريبة” مثلا أســــــماء أعــــــلام في جهل تام بمفهوم العَـلَـميـــة بما أن ما يعنيهم لا يتعدى النظر في ما إذا كانت هذه الكلمات تنتمي نسباً ونقلا متواترا إلى عشيرة الفصيح أم لا.

فصفة العــــلمــيــّــــة في الأسماء خاصية دلاليــــة تتعلق بمرمى مرجع الماهية (le SCOOP du référent conceptuel ): أهو مرجع النـــــــــــوع العام، مثل “إنسان” و”قِـطّ” و”حجر” و”جبل” و”شجرة” و”لغة” و”كلمة” و”فكرة” و”إله” وشيطان”، ممّا لكل منه أفراد عينيّون متعددون في العالم الفيزيقي أو التصوري التجريدي يحيل عليهم لفظ الاسم، أم هو مرجع عيـــــــنــــي فردٌ مثل “زيد” و”ميكي” و”الصفا” و”توبقال” و”العربية” و”الله” و”زوس” و”بوذا” و”إبليس” من كل ما يحيل ماهية فرد بعينها في الوجود الفيزيقي أو التصوّري التجريدي.
وبهذا الاعتبار، فإن البغرير والغريبة والكسكس والحريرة والطنجية والعصيد والبسطيلة … والزمّيطة والكفتة هي وصفات عامة لها تحقيقات متعددة في العالم الخارجي (بسطيلة شوميشة، حريرة بركًاش، …) كسائر المستحضرات والمصنوعات (الحايك، البلغة، القفطان). الأسماء التي هي من هذا القبيل، إذا ما كان مسمّاها مرتبط من حيث ظهوره ورواجه بفضاء ثقافي خاصّ دون غيره، تنتقل إلى اللغات بنفس مادتها المعجمية مع مجرد إخضاعها للنظام الصوتي للغة المقترضة كما يحصل لأسماء الأعلام الحقيقية من عليّ (Ali) وخديجة (Khadija). وهكذا نجد مثلا: haïk, djellaba, kaftan, harira, méchoui, couscous, kefta، الخ؛ كما نجد بالمقابل هامبوركًير، ساندويتش، جاكيتة، الخ.

وزيادة على الاعتبارات الدلالــــيــــــــة المذكورة، في تمييز الوصفات والمستحضرات والصنائع الخاصة بثقافات معينة عن أسماء الأعلام، هناك اعتبارات صرفية وتركيبية خاصة بكل لغة تتميز بها أسماء الأعلام ولا تسري على الوصفات والمستحضرات والصنائع. ففي تركيب العربية مثلا لا تصحّ وظيفة الابتداء بالنكرة ما لم تكن موصوفة (“قول معــــــروف خيرٌ من صدقة يتبعها أذىً”) أو كان الخبر شبه جملة يتقدّم فيها الخبر على المبتدأ (“فــــــــي بيــــــــتــــنا رجلٌ”). وفي هذا يقول ابن مالك في ألفيته:

ولا يجوز الابتدا بالنكرة * ما لم تفد، كـ”عند زيد نمِره”

والحال أن أسماء الأعلام، التي هي معــــــرّفـــة ذاتيا من الناحية الدلالية، سواء كانت من الناحية الصرفية محلّاةً بـأدة التعريف (اليوسفية، الحسن، الحسين) أم لم تكن كذلك (زيدٌ، محمّد، توبقال)، يصحّ بها الابتداء وتكون معها الجملة مفيدة (مبتدأ + خبر) كما في قولنا “توبقال جبلٌ شاهق”. أما أسماء الوصفات والمستحضرات والمصنوعات مثل “بغرير” و”غريبة” و”بسطيلة” … فلا يصح بها إلا إذا تم تعرفها بأداة التعريف أو بالوصف، أو كان الخبر شبه جملة كما هو شأن سائر الأسماء غير العَلَمية. فعبارة “بغريرٌ لذيذ” لا يمكن أن تقوم كجملة مفيدة مكونة من مبتدأ وخبر، فهي مجرد مركّب اسمي مكون من اسم ونعت. أما إذا أريد لها أن تكون جملة مفيدة فلا بد من تعريف الكلمة فيقال “البغرير لذيذ”.

تلك شذرات من نماذج من الأوجه الخفيّة من الجهل المقدّس بالعربية الفصحى وبالعربية الدارجة، الكامنة وراء ضجة الشعب الفصيح في هبته الغضبية الأخيرة ضد الفطائر والحلويات المغربية.

 

الاحد : 09 شتنبر 2018.