الواقع مرقم
يعيش بالأرقام
ويوجد بالأرقام
ويحتاج إلى الأرقام
وعليه أن يكون كذلك
وإلا فإننا سنقرأه ككتاب مفتوح، بلا معضلات ولا مشاكل
تكفيني فيه النوايا الحسنة
والشعارات العالية..
والأرقام، تكشف الفقراء
والميسورين على حد سواء :

الفقراء أولا، وفي هذا الشأن كإطلاق ملك البلاد مبادرة هي الأولى من نوعها بخصوص الاستفادة من الخدمات الاجتماعية، مفادها نظام وطني لتسجيل الأسر المغربية الجديرة ببرامج الدعم الاجتماعي؛ على أن يتم تحديد تلك التي تستحقها، فعلا، عبر اعتماد معايير دقيقة وموضوعية، وباستعمال التكنولوجيات الحديثة.
كما في الهند مثلا، والتي زارها مسؤولون كثر من بينهم مسؤولون عن التنمية البشرية في بلادنا.

وقد اعتبر ملك البلاد أن “المبادرة الجديدة لإحداث السجل الاجتماعي الموحد بداية واعدة لتحسين مردودية البرامج الاجتماعية تدريجيا وعلى المدى القريب والمتوسط”، مبرزا أن هذا المشروع، الذي يندرج في إطار الاستمرارية، أكبر من أن يعكس مجرد برنامج حكومي لولاية واحدة، أو رؤية قطاع وزاري، أو فاعل حزبي أو سياسي، في إشارة إلى أن السجل الاجتماعي هو مشروع وطني لا مكان فيه للاستغلال السياسي أو الحسابات الانتخابية الضيقة بين أحزاب الأغلبية والمعارضة، مثلما وقع في الولاية الحكومية السابقة«.
الهدف الاستراتيجي الأسمى واضح من إرادة الملك وواقع الناس الذين يعانون، لكن الخطاب السياسي المتسرع بدأ قبل تطبيق المبادرة في الحديث عن الأسر الفقيرة والميسورة ..

وهنا المعضلة..عندما نستمع إلى الحكومة وبعض مؤسسات الدولة وهي تتحدث مثلا عن العائلات الفقيرة التي لا يجب أن تدفع رسوم التسجيل العالية في التعليم الجامعي، والأسر الميسورة التي يجب عليها أن تتضامن.. ينبثق السؤال كبيرا:

من هي؟ وكيف نعثر عليها بغير العين المجردة؟

فالحكومة، بالكاد دخلت إلى تطبيق السجل الوطني الموحد، تلك القفزة المحمودة في تحديد الفقراء والمحتاجين ،وعكسيا، الميسورين والأغنياء..
كيف تحدد من الآن من هو الميسور الذي سيتضامن،
والفقير الذي يجب أن يستفيد، والتسجيل لم ينزل بعد من ورق القرار إلى الواقع؟..
فالمنتطر أن تجد الحكومة، ومؤسسات القرار في هذا الباب الوصف واللائحة، بما يوافق ما نعرفه عن فقرنا إلى حد الساعة..
فلو كان الفقر ما زال كما نعرفه، لما كنا في الوضع الذي نعرفه أيضا!
يجتهد الكثيرون، منهم الوزراء، في إعادة تعريف الفقر
ودرجة الاكتفاء في حياة المغرب الحديث..
تارة تصبح 20 درهما عتبة مشرفة للخروج من دوامة الفقر باعتماد المعدل الدولي على المعدل الوطني
فتتحرك موجة غضب عاتية، تعتبر الحكم ذاتيا وسخرية فجة
وتارة يصبح “السميك” عتبة تفوق عتبة الفقر
ويمكن للمغرب أن يتوسدها ويعيش كريما
فتنهض الأسئلة المحرجة حول خلفيات تصريحات من هذا القبيل تشترك كلها في مرارة التسليم بهكذا استنتاج..
الفقراء، حقيقة يعيشون بلاشيء..
ومنذ أن غنى عبد الهادي بلخياط عن الفقراء
كلمات علي الحداني
أصبحنا نعرف أنهم أناس بدريهمات معدودة:
يا بنت الناس أنا فقير ودراهم يومي معدوده
إنما عندي قلب كبير بحر شطآنه ممدوده…
لهم قلوب كبيرة ولا شك
لا يملأها الحقد الطبقي
ولا الحقد المتداول تحت عتبة الأخلاق..
هؤلاء مازلنا لم نسجلهم في التعريف الوطني الموحد ، لكي نعرف بالذات من الذين لا يدخلون في خانات الذين يجب أن تتولاهم دولتهم الحامية..
هذا الدخول الاجتماعي، والتعليمي بالأساس الذي يمكن أن يعيد النظر في الكثير من المسلمات، يستوجب وقفة وطنية تليق بهذه الخطة الوطنية، مع ما يفترض ذلك من تبعات اجتماعية وإدارية واقتصادية….

وخلاصة: إننا نعرف الفقراء، وتشابه علينا الفقر، على لسان الوزراء….

 

الاربعاء: 19 شتنبر 2018.