يكاد يٌجمع المتتبعون للشأن التربوي على أن هناك ضرورات تفرض إصلاحا تربويا في بلادنا. ويعود ذلك إلى تكاثر أعداد التلاميذ في مدرستنا، وضعف التحصيل، وتزايد نسبة التسرب المدرسي، وغيره امن الظواهر، فضلا عما يقتضيه تراكم المعارف في مختلف الحقول المعرفية من إصلاح بيداغوجي وديداكتيكي، وما تستوجبه التحولات الجذرية في أنماط حياة الأطفال والتلاميذ وعاداتهم نتيجة تأثير الوسائل السمعية البصرية وألعاب الفيديو، وما نجم عن الثورة المعلوماتية من تبدل غير مسبوق في إدراك الواقع، وكذا تزايد انغماس الآباء في السلوكات الاستهلاكية والعرض التجاري للتربية والتعليم.

يُشير البعض بدمقرطة التعليم إلى ارتفاع نسبة الأطفال والتلاميذ الذين يلجون المدرسة. لكن رغم إيجابية ذلك، يجب الانتقال إلى دمقرطة التحصيل الدراسي. وهذا يقتضي بناء فضاء اجتماعي يساعد المتعلِّم على استيعاب المعارف عبر بنائها خلال سيرورة التعلّم، مما يمكنه من بناء قيمه وذاته. كما يتطلبُ مرافقة المتعلِّم إلى أن يتمكن من بناء معارفه شخصيا، ويصير قادرًا على توظيفها لإنتاج معارف حول قضايا وظواهر أخرى. وبدون القيام بذلك، ستكون دمقرطة التعليم شكلية لا غير.

بتعميم التحصيل ومساواته، سنجنب نظامنا التعلّيمي السقوط في دمقرطة شكلية، وسنمكنه من النهوض على مبدإ دمقرطة النفاذ إلى المعرفة.

ولإنجاز ذلك، يجب اعتماد مفهوم “الديمقراطية المعرفية” الذي صاغه “إدغار مورانEdgar Morin” ليشير به إلى أنّ إقامة علاقة “حوارية” يشكل حلا للإشكالية التربوية الراهنة. ويعني ذلك العمل من أجل بناء ديمقراطية معرفية عبر بناء قِيم تنهض على احترام التنوع والحق في الاختلاف، والحق في الذكاء، وضرورة تجديد إمكاناتنا الفكرية باستمرار، وحق التعلّم وواجبه مدى الحياة، وحق الآخر في أن يكون هو ذاته، وحق الاستفادة من التجهيزات التربوية والثقافية والترفيهية، ومعرفة الآخر والذات، وقراءة كتاب بيئتنا ومحيطنا. وتحقيق ما سبق، لا يتأتى بوضع قواعد صارمة وفرض اتباعها خطيا.

لكن، كيف يمكن احتضان التنوع وتنظيم الاختلافات؟
يستوجب ذلك التصرف على أساس المبادئ التالية:

– العمل على انبثاق تعدد الحوافز وحاجيات التكوين والتعلّم والذكاء والإستراتجيات وفضاءات التكوين ووجهات النظر والقراءات…

– احترام قوانين الحياة: أولها تعقد الواقع، وتعقد ما هو إنساني، وتعقد البيئة، وتعقد لقائنا الخاص مع ذواتنا، ومع الآخرين. ثانيهما التنوع والمغايرة.

– إعادة المفهمة باستمرار، أخذا بعين الاعتبار كل التفاعلات والصلات، مع الارتباط الوثيق بدينامية منطق الكائن الحي.

– زرع تنوع معرفة التفكير، وتعدد معرفة التعلّم والتواصل من خلال معالجة الاكتساب والتساؤل والتقويم الذاتي والحوار في آن، وكذا من خلال خلق فضاءات للإنصات…

– معرفة التفكير وتعدد معرفة التعلّم والتواصل من خلال اعتماد مقاربة متعددة تمكن من تبادل الإفادة والاستفادة بين مختلف التخصصات والمواد الدراسية، وتفادي اعتماد إستراتيجية “إما…وإما…” وتبني – في المقابل – إستراتيجية”و…و…” التي هي إستراتيجية الانفتاح والاكتشاف وقبول الغيرية والتجديد والتطور.

– توطيد التعلّم في سيرة المتعلِّم وتاريخه، وذلك من خلال تمكينه من تمثل كيفية استعمال “ماذا؟” و”كيف”، و”لماذا؟” محفزاتٍ، و”لأجل ماذا؟” مشروعاً في بيئة واقعية؛

– تنمية الاستقلال الذاتي للفرد الذي هو في طور التكوين، وذلك في إطار احترام التنوع والمغايرة والاختلاف والاختيارات الشخصية، ومرافقة المتعلِّم حتى العتبة التي يستطيع أن ينطلق فيها بمفرده، ويشق طريقه الخاص؛

وتجنبا للسقوط في ممارسات منافية للمساواة والاختلاف، ينبغي عدم السقوط في الإدراك الاختزالي للواقع، وتجنب أحادية الفكر واللغة والمعرفة التي تؤدي إلى جهلنا أننا نفكر فقط بالخط، بل وكذلك بالصور والعواطف والمخاوف والآمال. كما ينبغي التخلي عن المفهوم السببي والثنائي للواقع الذي يسقطنا في جهل غنى التكامل. فضلا عن ذَلك، يجب التخلي عن تقديس المعلومة باعتبارها حقيقة مطلقة. إضافة إلى ذلك، يتعينُ تجنب التقويم باعتماد مقياس واحد ووحيد؛

بمراعاة المبادئ السابقة، يمكننا أن نبني “مدرسة السلام” التي تحدث عنها ألبير جكار.

 

الجمعة : 21 شتنبر 2018.