تجتمع عواملُ الأزمة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والتعليميّة، في كليَّتها المنظوميّة، وبدرجاتٍ من الفعل والأثر متفاوتة، ليتولَّد منها مفعولٌ واحد: التطرّف. يُرَدُّ التفاوتُ بين أثر هذا العامل أو ذاك إلى التفاوتُ في التطوّر بين البنى المجتمعيّة العربيّة المختلفة؛ في البلدان التي تتمتع ببعض اليُسْر الاجتماعيّ- الاقتصاديّ أو، قُل، التي تشهد على قدْرٍ ما من التناقص في نسبة عوامل التهميش والفقر- لوجود بعض وجوه التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة فيها- تنهض عوامل السياسة والثقافة (أي عاملا أزمة المجال السياسيّ وأزمة النظام التعليميّ- الثقافيّ) بالدور الرئيسي في توليد ظاهرة التطرّف. وهو ما يقوم عليه دليلٌ من وجود متطرّفين كثرٍ، في البلدان تلك، من بيئات اجتماعيّة ميسورة. أمّا في البلدان التي ترتفع فيها معدّلات الفاقة والحرمان، بما فيها تلك التي تشهد على تحسُّنٍ نسبيّ في عمليّة تنميّة المجال السياسيّ (من قيام دساتير متوافَق عليها، وحياة حزبيّة ونقابيّة، واستقلال نسبيّ للقضاء، وحكومات منبثقة من غالبيّات نيابيّة)، وبما فيها التي أخضعت نظامها التعليميّ التقليديّ لبعض الإصلاح والتشذيب وأفسحت بعض المجال للثقافة الحديثة، فينهض العامل الاجتماعيّ- الاقتصاديّ بالدور الرئيسي في التأسيس للتطرّف. على أنه سواء في هذه البلدان أو تلك لا يكون لعاملٍ بعينه من دورٍ رئيسٍي إلاّ بوجود العامل هذا من ضمن عوامل أخرى فاعلة بدرجاتٍ متفاوتة.

تسمح لنا هذه المقاربة، الآخذة بفرضيّة العوامل المركَّبَة، بتجاوز الحدود المتواضعة التي تسمح بها المقاربات الأحاديّة (اقتصادويّة، سياسويّة، ثقافويّة…) في التفسير والتحليل، التي تمنع نفسَها من رؤية الفواعل المختلفة المؤسّسِة للظاهِرة موضوع البحث. على أنه كما لا يمكننا أن ندرك عوامل التطرّف وأسبابَه إلاّ في كليّتها ومنظوميّتها، بحسبانه ظاهرةً مركَّبة، كذلك يتعصى علينا أن ندرك الإرهاب، كظاهرة، إلاّ بما هو حصيلة فعل عوامل مركَّبة عدّة، أي بعيداً من أيّ نزعة اختزاليّة تردُّهُ إلى عاملٍ واحدٍ وحيد.

إذا كان مجموع العوامل المشار إليها فوق ذا طبيعة داخليّة، أو يعبّر عن آلياتٍ اجتماعيّة فاعلة داخل البنى الاجتماعيّة العربيّة ودافعة، في مفاعيلها السلبيّة، نحو توليد التطرُّف، فإنّ العوامل والأسباب الكامنة خلف الإرهاب لا تنحصر في هذه، التي أشرنا إليها، فقط بل تتكوّن من أخرى يشكّل الخارجُ مصدرَها الرئيسي: أكان الخارج هذا أجنبيّاً أم خارجاً إقليميًّا، أي خارجاً مصطدمَ المصالح مع الداخل العربيّ أو، للدقّة، مع ذلك الذي يقع عليه فعلُ الإرهاب ضمن الداخل العربيّ، ومتطلّعا (أي الخارج) إلى إلحاق الإيذاء به من طريق توسُّل أدوات الضغط عليه كافة، ومنها أداة الإرهاب.

معنى ذلك أنّ الانتقال من حال التطرّف إلى حال الإرهاب وقْفٌ -غالباً وليس دائماً- على خارجٍ يكون لذلك الانتقال، أو التولُّد، بمثابة القابلة التي توفّر لخروجه الإمكان. قلنا، في مقالٍ سابق، إنّ التطرّف ليست أيلولتُه إلى الإرهاب، حكماً، ولكننا شدّدنا على أنه ما من إرهابٍ لا يتغذى من التطرّف، ولا يشكّلُ الأخيرُ وقودَه، حتّى إنه في وسعنا تعريف الإرهاب بأنه أعلى أشكال التطرّف وأشدُّها خطراً في أيّ مجتمع. ولمّا كانت عديدةً هي التجليّات التي يتمظهر فيها أثرُ العامل الخارجيّ في استثمار التطرُّف وتسخيرِه وبالتالي، تحويلٍه إلى فعْلٍ إرهابيّ، فإنّ نمذجَة التجلّيات تلك تصبح ضروريّةً، في مثل هذه الحال، لصعوبة الإلمام بها جميعِها في مقامٍ قصيرٍ كهذا، ثم لأنّ النمذجة تنصرف، في العادة، إلى انتخاب أهمّ ما يمثّل الموضوع المدروس.

إنّ أظْهرَ تلك التجلّيات، في ما نزعُم، يكمن في: التسخير العسكريّ لقوى الإرهاب، مع ما يقترن به من وجوه الدعم ووسائلها، والمشاركة اللوجيستيكيّة والفنّية في فصول عمل قوى الإرهاب. ولا سبيل إلى إدراك الأثر الحاسم والفعّال لهذين العامليْن إلاّ متى أدركنا أنّ حاجة قوى الإرهاب إليهما حيويّةٌ،حيويَّةَ حاجةِ القوى الخارجيّة إلى الإرهاب أداةً للإخضاع أو للضغط أو لتحصيل مصالح من الدول والحكومات التي يقع عليها (ذلك الإرهاب)؛ وبيان ذلك أنّ الجماعات الإرهابيّة – في عصر العولمة خاصةً – إذْ هي لم تعد تَقْوى على الحركة من دون سندٍ قويّ خارجيّ، فإنّ فعْلَ السند الخارجيّ ذاك ينبغي له أن يمتدّ مدى إلى حيث يصبح استراتيجيًّا إنْ أريدَ لها أن تبْقى على قيْد الحياة، وأن يشمل – في ما ينبغي أن يشمل – توفير الدعم اللوجيستي والملاذات والمناطق الآمنة (بالغطاء العسكريّ والقانونيّ للدول الكبرى !). في المقابل، تسترخص قوى الخارج ذلك الثمن، الذي عليها أن تدفعه إلى قوى الإرهاب (دعمها وحمايتها والتغطية السياسيّة على جرائمها)، لأنه – بحسابٍ ماديٍّ صرف – أهْوَنُ، بكثير، من الثمن الذي سيكون عليها أن تدفعه فيما لو هي قامت، بنفسها، بما تقوم بإنجازه قوى الإرهاب نيابةً عنها. من ذا الذي يمكن أن ينسى الثمن الفادح الذي دفعته الولايات المتحدة الأمريكيّة: اقتصادا وجيشا وأرواحا، في مغامراتها العسكريّة في العراق وأفغانستان؟

 

 

الجمعة : 21 شتنبر 2018.