“كان المفكرون قديما يرون أن اكتشاف العقل للحقيقة ليس أمرا غريبا ، إنما الغريب هو عجزه عن اكتشافها ..”إبن خلدون

الناس نوعان : نوع يهاب ويخاف من كل ما يجهله ولا يعرفه معرفة جيدة  ولو كان هو مصدر الخير وطريق الفوز ،،  ونوع  آخر لايهتم ولا يستحضر المخاطر والأضرار ولو تسبب في الحاق الضرر بالآخرين ..

والإنسان حريص جدا على حماية وحفظ ما يملك وما بين يديه ، فالإحساس بالظلم يدفع المواطن إلى رفع الدعوى وإنفاق 100 درهم على درهم يوجد عند الحكومة أو عند خصمه ، لأن الأهم عنده هو أن يربح دعوى الدرهم ولو أنفق كل دخله الشهري ، وكم من نزاع على بعض غلال شجرة امتدت يد ظالمة إليها   جعلت  صاحبها لرفع الظلم  واسترجاع ما سلب منه يضطر لبيع الشجرة والبحيرة التي تنبث فيها ..

فكم من حقوق مادية ومعنوية   لأفراد وجماعات تتضرر أو تضيع لأسباب مختلفة تنعكس وتمتد آثارها لتؤثر على منطقة أو قطاع   ، فتعالوا يا سكان الوطن ونخبه  إلى كلمة سواء  ، أن نعمل بصدق  ، ونحرر الفكر والعقول والإرادات  ونبني مافيه خلاصنا وفوزنا وازدهارنا  ، وأن لايتجبر بعضنا على بعض ولايتعمد إقصاءه أو تحقيره ، وأن نقيم العدل ونجعل الحق في كل شيئ ، … فلا أحد من حقه أن يحتكر المعرفة والحقيقة ، ولا يتوهم أي شخص أو تنظيم أنه هو مصدر الخير والممتلك الوحيد للإرادة المتنفذة كأنها قضاء وقدر  ، وأنه الوحيد   الذي يستطيع معالجة كل متطلبات الحياة والتنمية ،، ذلك لأن المعارف  تجمعت وتراكمت منذ بدايات البشرية بالأرض إلى يومنا هذا ،، ولأن  العلوم تحتاج إلى خبراء وكل من تستطيع عقولهم قراءة وفهم واستيعاب واستخراج واستنباط ووضع برامج تفيد في  فلاح و تقدم البشرية ، كما أن التخصصات الفنية والتقنية والمهنية والحرفية  وكذا الأيدي العاملة الماهرة المتخصصة والعادية ضرورة لاينكر أهميتها إلا جاهل ، ولا يحتقر أدوارها إلا استغلالي ومتسلط  وظالم ، ذلك لأن بـهم تتحول العلوم والنظريات إلى واقع ملموس  ومنجزات ،، فالزعامات والقيادات المختلفة  حكومية ومدنية لاقيمة لها بدون كل هؤلاء ، وقيام الدول والحضارات والمؤسسات لاتنجح إلا بهم ، فهم السبب في التقدم كما أن تهميشهم من أسباب  التخلف وتردي الأوضاع ، فإن حسنت الإرادات والتدبير والتعامل حسن كل شيئ ، وإن ادمجوا واشركوا في التنمية وأصلحت احوالهم صلح الأمر كله ..وإن استأسدت السياسات السطحية والترقيعية أو المكرسة للتفاوت الطبقي بأبشع تجلياته فسد الوضع كله وضاعت مصالح الدولة وحقوق الشعب ..

إن ما نختلف فيه عادة وفي الغالب  يكون في الفروع التي لاتعطل ولا تلغي البدائل كما هو الأمر في الشريعة ..ويكون بسبب التعنث والتعصب للرأي  الذي يحتمل الصواب والخطأ ولايمكن أن يتصف بالكمال أو يكتسبه أبديا ..

فتحديد الأولويات وترتيبها ومعالجتها لايكون بالحيف والتمييز بين الناس وجعلهم طبقات متناقضة  متباعدة  و متطاحنة لا يأبه غنيها بفقيرها ، ولا متعلمها بجاهلها ، ولا قويها بضعيفها ،وليس بنشر ثقافة الإرتزاق والريع والإنتهازية ..

إن متطلبات ومرتكزات الوجود الحق  شرعا وقانونا  لا  استثناء فيها ولا  امتياز لأحد على أحد ..  فالعلم  ،والمعرفة ، والعلاج ، والعيش الكريم ، وبناء مجتمع واع ، وترسيخ دولة الحق والقانون … ، كلها حقوق وضرورات غير قابلة للتجزيئ ولا انتهاج الترقيع  ، ولا للإستهلاك السياسي …

إن من أسباب  التعطيل والبطء والتعثر  تسطيح الملفات وتضخيم حجمها  إعلاميا  مع النفخ  في  نتائجها  غير المقنعة والتي ليست في مستوى طموح الدولة ولا انتظارات الشعب مما  سيزيد الأمور  تعقيدا  والأوضاع ترديا ..

إنه لايمكن أن نركز على إنتاج القوانين وفي نفس الوقت تعاني العقول من التعطيل ومن نتائج الأمية والتخلف  ،  فالمجالات التي تختلط فيها طرق المعالجة باعتماد الظن والإرتجال  في ما  تحسمه العلوم اليقينية والحقة تتحول إلى عبثية ،كما أن تضييع الحقوق والمكتسبات  بين التشريع الوضعي الرصين ، وهوى الرأي و الإفتاء المزاجي  أمر مربك ومزعج ومفسد  …

فهل تجديد فهم القانون في علاقته وتضاربه مع معطيات الواقع  أثناء تنفيذه يعتبر تشريعا مكملا أو جديدا  …؟  وهل الخطب  والكتابات التي  يشرح أصحابها الدين وفق إجتهادهم ورأيهم  مع تأثرهم  وتشبعم بمعطيات زمانهم وثقافتهم تعطل أو تلغي الفهم المتجدد للنص ؟؟، وهل  رأي الفقيه والعالم  وفهم النص القراني  وللحديث الصحيح وتأويله لهما   يعتبر كالأصل في الدين ومقدسا أكثر من النص الأصلي  وإن خالفه وتعارض معه …؟؟؟

إن الأصول والقواعد العامة شيئ ،  ووضع التشريعات الفرعية والمتممة أو المنظمة  شيئ آخر و التي هي   مجرد فهم وتأويل ، ومحاولة بشرية للتنفيذ مما يسقط عنها صفة  القداسة  ، إنها  قد تفقد شرعيتها ويصبح من الواجب  وقف  العمل بها  في حالة التأكد أنها جزء من الخلل والضرر والإشكال ..

إن الآثار السلبية التي تظهر أثناء  تطبيق القوانين والسياسات وأثناء  بناء الدولة  والمؤسسات الديموقراطية  والتي يمكن أن تكون لها انعكاسات خطيرة على الرأي العام والمزاج والموقف الشعبي بسبب حدث ما ناجم عن عدم تمكن سياسات معينة الوصول الى النتائج الملتزم بها ،  تطرح على كل المؤسسات أسئلة عميقة ومصيرية  منها : ما هي حدود مسؤولية الحكومات والدول بسبب سياسات أو اجراءات أو تشريعات  فيما يحصل من نتائج سلبية على أفراد أو جماعات أو قطاعات أو جيـل بكامله  أو عدة أجيال ؟ وهل هي ملزمة بالإعتذار وجبر الضرر الحاصل وتعويض المتضررين  ؟ وهل  هي غير ملزمة بوقف وتغيير السياسات والقرارات التي تسببت في الأزمات …؟

لهذا فالمطلوب منا جميعا  أن نتبين بالوضوح التام والعلم الموضوعي  ، والإلمام ببواطن وظواهر الأمور صغيرها وكبيرها ،  و أن نتتبث ونتأكد ونضبط  برامجنا وأعمالنا وخطواتنا  اليومية والمرحلية والإستراتيجية .. لأن بناء الدولة والأمة والحضارة ليس عملا هينا ولا حقل تقدير وتجريب وتضييع للزمن وهدر للطاقات ..

إن التغيير والإصلاح المؤدي للتقدم والعدالة الإقتصادية والإجتماعية ليس صعبا ولا بعيد المنال ، إنه في المتناول شريطة سلامة النية والقصد وتوفر الإرادة واشراك وانخراط الجميع  …

ورد في الاثر : ” …إن النهايات لا تصح إلا بصحة البدايات ” عن منازل السائرين، عبد الله الأنصاري الهروي

 

الخميس : 27 شتنبر 2018.