تتميز الحضارة الغربية بأنها حضارة منهج:

المنهج العقلي الاستنباطي عند ديكارت، والمنهج الحسي الاستقرائي عند بيكون، والمنهج التاريخي عند ماركس ، والمنهج الشعوري عند هوسرل، والمنهج التحليلي اللغوي لدى الوضعية المنطقية، ومنهج تحليل الخطاب في الفلسفة المعاصرة. تُحسن استعمال المنهج في دراسة ذاتها وتُسيء استخدامه في دراسة غيرها. وهذه المناهج يمكن تلخيصها في منهجين رئيسيين:

أ- المنهج التاريخي، وهو منهج يرد كل ظاهرة فكرية إلى نشأتها وتطورها التاريخي وكأنها ظاهرة طبيعية تنطبق عليها قوانين التطور الطبيعي. وقد جاء كرد فعل على المنهج النصي والمنهج الخطابي ومنهج الوعظ. ويظهر التاريخ في تحويل الظاهرة الفكرية إلى أسماء أعلام أو مذاهب أو فرق أو طوائف.. نشأت وتطورت في التاريخ. وبالتالي تفقد الظاهرة الفكرية استقلالها لصالح الأشخاص والفرق. وغاية المستشرقين من استخدام المنهج التاريخي جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الحضارة الإسلامية حتى تحكم القوى الغربية السيطرة على الشعوب التي تجهلها. فالمعرفة قوة. يتعلم المستشرقون لغات هذه الشعوب من أجل قراءة مصادرها الأصلية، ومخاطبة سكانها، والتقرب إليهم. ومن الطبيعي أن يستعمل المستشرق هذا المنهج لأنه تعود عليه في بيئته الخاصة عندما قرر الوعي الأوروبي القطيعة مع الماضي في بدايات العصور الحديثة واستعمال المنهج التاريخي لاكتشاف أن ما ظن القدماء أنه من وضع السماء هو من صنع الأرض. وأصبح الأوروبي فخوراً بهذا الإنجاز العلمي الضخم، يتحدى به باقي الحضارات التي مازالت تفسر الظواهر الفكرية تفسيراً أسطورياً خرافياً. وهو موقف أيديولوجي في الباطن معرفي في الظاهر، رد فعل على فعل. وهو شيء طبيعي لأن الوعي العلمي وعي تاريخي. وتقع الدراسات العربية للاستشراق في نفس العيب. وتتحول إلى مراجعات تاريخية لما نسيه المستشرقون أو أخطأوا فيه. وبالتالي تحولت الحضارة الإسلامية إلى مجرد مباراة في الدقة التاريخية والتسجيل والرصد الأثري. وهي دراسات تاريخية عن الإسلام والدراسات عليه، والصور التي تكونت عنه عبر التاريخ، وانتشاره في حوض البحر الأبيض المتوسط ثم في أفريقيا وآسيا، وتعليقات المترجم في الهوامش أقرب إلى التصحيح المعرفي منها إلى المقابلة الأيديولوجية.

ب- المنهج التحليلي، وهو منهج يقضي بتحليل الظاهرة المركبة إلى عناصرها الأولية التي تكونت منها لمعرفة الأجزاء بوضوح وإصدار الأحكام على كل منها. وهو أفضل من ترك الظاهرة الكلية والحكم عليها دون رؤية الأجزاء من قبل. الكل مركب من أجزاء. ولا يمكن إصدار الحكم على الكل دون معرفة الأجزاء التي يتكون منها. الفكر مثل الجسم، كل منهما مركب من أجزاء. فالحضارة الإسلامية علوم، وكل علم مكون من موضوعات، وكل موضوع من موضوعات أصغر، وبتفكيكها تضيع الرؤية الكلية. الحضارة قصد كلي، لا يمكن تقطيعه إلى أجزاء مثل التوحيد في علم أصول الدين، والمصلحة العامة في علم أصول الفقه، والحكمة في الفلسفة، والكمال في التصوف. ويعتز الغرب بأنه وضع المنهج التحليلي منذ ديكارت عندما جعل التحليل القاعدة الثانية في المنهج العقلي بعد الحدس وقبل التركيب والمراجعة. صحيح أن الغرب تفادى عيوب التحليل بالتركيب في المنهج التكاملي في علم النفس والمنهج الجدلي لاكتشاف قوانين التاريخ.. لكن قوة الحضارة الإسلامية في مقاصدها الكلية. وتفتيتها يضعفها ويضيع رؤيتها للعالم ويحولها إلى شذرات تاريخية صِرف. كان الهدف من المنهج التحليلي في الغرب التحقق من صدق الكليات، سواء في تحليل الظواهر أو تحليل النفس أو تحليل اللغة. وهو ما سماه الأصوليون السبر والتقسيم في البحث عن العلة الفاعلة أو العلة المؤثرة أو العلة المناسبة أو العلة الملائمة، بعد رصد العلل الممكنة. ثم اختبار كل واحدة منها، وهو ما سماه اللغويون القسمة للألفاظ وأنواعها. والتحليل عند القدماء وسيلة لا غاية. في حين أن استخدام المستشرقين للتحليل هو لضياع النظرة الكلية وتحويل الحضارة الإسلامية الحية إلى أجزاء متناثرة مثل أجزاء محرك مفكك ولا يعمل.

 

الاحد : 30 شتنبر 2018.