قبل حتى أن تحل الذكرى الثانية لمقتل السماك محسن فكري ذي الواحد والثلاثين سنة من العمر، الذي ذهب ضحية جريمة شنعاء اهتز لها العالم، حيث مات مطحونا في شاحنة نفايات وهو يهم بمحاولة استرداد بضاعته المصادرة، في مشهد تراجيدي رهيب يوم الجمعة 28 أكتوبر 2016 بمدينة الحسيمة. تأبى يد الغدر إلا أن تعود ثانية لتمتد هذه المرة إلى بريئة أخرى، وهي الشابة حياة بلقاسم ابنة مدينة تطوان ذات ال”22″ ربيعا، والطالبة في شعبة القانون بالكلية المتعددة التخصصات التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، التي اغتالها رصاص البحرية الملكية المغربية يوم 24 شتنبر 2018  فوق المياه الوطنية قرب مدينة المضيق، داخل زورق مطاطي سريع خاص بنقل المرشحين للهجرة غير الشرعية.

      وقد خلف هذا الحادث المأساوي الأليم موجة من السخط والاستياء العارمين، امتدت أصداؤها المدوية خارج صفحات مواقع التواصل الاجتماعي إلى الفضاء العام بشوارع مدينة تطوان، حيث نظمت مسيرات احتجاجية حاشدة شاركت فيها الجماهير الرياضية بأعداد غفيرة، منددة بهذه الجريمة المروعة ومطالبة بالكشف عن المسؤولين الحقيقيين وتقديمهم أمام العدالة لتقول كلمتها.

      ولأن حلم الشهيدة حياة في الوصول إلى الضفة الأخرى، أجهضته رصاصات الغدر وأردتها جثة هامدة، وهي الطالبة الجامعية التي كانت في أمس الحاجة إلى من يحضنها ويؤمن لها مستقبلها الدراسي في أجواء من السكينة والطمأنينة، وكان هدفها من الدراسات القانونية ولوج سلك المحاماة أو القضاة، لولا أن الظروف الاجتماعية الصعبة التي تعيشها في بيت عائلتها الفقيرة أجبرتها على المقامرة بروحها، بحثا عن مورد رزق خارج أرض الوطن. ولعل آخر تدوينة لها على صفحتها الشخصية بموقع “الفيسبوك” تشي بحجم معاناتها، إذ تقول: “لقد جف حبر التمني… فليكتب القدر ما يشاء” وهكذا شاء القدر أن ينهي رحلة “حياة” البؤس والشقاء بما هو أسوأ.

      فلا غرو أن تلقى قضيتها غير المسبوقة في تاريخ “الهجرة السرية” بالمغرب، تضامنا منقطع النظير ليس فقط في وسائل الإعلام الوطنية وأوساط الشعب المغربي الذي تأثر كما لم يتأثر من ذي قبل، وإنما حتى خارج الحدود بتصدرها عناوين الصفحات الأولى في الصحف والمواقع الإخبارية العالمية، لاسيما بعد تناقل صور الشهيدة في الفضاء الأزرق وعبر المواقع الإلكترونية. ومما زاد الموضوع إثارة، تداول الناس فيديوهات مسجلة على أوسع نطاق لمهاجرين شباب، يظهرون بوجوه مكشوفة وابتسامات عريضة رافعين شارة النصر وهم يودعون أهلهم وأصدقاءهم في اتجاه “الجنة الموعودة”، على غرار أولئك الاستشهاديين الذين دأبوا على تسجيل أنفسهم قبل ساعات قليلة من تفجير ذواتهم في عمليات إرهابية مقيتة ومرفوضة.

      وأن تسارع عديد المنظمات الحقوقية الدولية إلى التفاعل مع الحادث الخطير والدخول على الخط، وتوجد في مقدمتها منظمة “هيومن رايتش ووتش”، التي قالت في بيان لها: “ليس هناك أي دليل على أن المرشحين للهجرة السرية من ركاب القارب، كانوا يشكلون أدنى خطر أمني على أحد، يستوجب استخدام الرصاص. وهو التبرير القانوني الوحيد الذي قد تضطر بسببه السلطات المغربية إلى إصدار أوامرها بإطلاق النار، وشددت على ضرورة التحقيق في عملية القتل وإحالة المسؤولين على العدالة”

      نعم قد يكون هؤلاء المرشحون للهجرة السرية لا يدركون أنهم يدخلون مغامرات غير محسوبة العواقب، ويجهلون ما ينتظرهم من أهوال ومخاطر في عرض البحر وخارجه، أو ما قد يصادفهم من عذاب يومي أفظع مما هم عليه في وطنهم وبجوار أهلهم وأصدقائهم، وما يمكن أن يتعرضوا إليه من استغلال بشع إذا ما كتب لهم بلوغ التراب الأوربي، سواء داخل الضيعات الفلاحية أو في المعامل أو في أوراش البناء أو في البيوت وغيرها، وقد ينتهي بهم المطاف في أيدي شبكات منظمة تتاجر في اللحوم البشرية أو في المخدرات… لكن هل تساءلنا إن كان هؤلاء الأبرياء سيفكرون يوما في النزوح إلى حيث الاغتراب وقساوة الطقس والقبول بالعمل في أي شيء مقابل القليل من المال، لو لم توصد في وجوههم الأبواب ويستبد بهم القلق واليأس؟

      إن من يلجأون إلى الهجرة اللاشرعية لا يقومون بذلك من باب الترف، بل هم ضحايا تلك السياسات الحكومية الفاشلة والمتواصلة، حيث أن هناك عوامل اقتصادية واجتماعية دفعت بهم إلى فقدان الأمل والثقة في المسؤولين والمؤسسات، وفرضت عليهم الهروب من أوضاعهم المتردية في ظل تزايد معدلات الفقر والأمية والبطالة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية وتعثر وتيرة التنمية وتفشي الفساد والمحسوبية، فضلا عما باتوا يشعرون به من خيبات وإحباط أمام ما يلاقونه من ظلم وقهر وتفقير وتجويع وتهميش وإقصاء، وانعدام فرص شغل ملائمة لمؤهلات أصحاب الشهادات العليا والدبلومات التقنية، كحق مشروع يحفظ كرامتهم ويحميهم من الضياع، وارتفاع كلفة العيش وغياب العدالة الأجرية وهزالة الأجور التي لم تعد تسمح ل”83″ بالمائة منهم بتكوين أسرة مستقلة….

      إن اغتيال الطالبة “حياة” سيبقى جرحا غائرا في ذاكرة المغاربة، ويؤكد على أن الجامعة المغربية فقدت بريقها ولم تعد فضاء لبث الأمل في المستقبل، وأن ما ظلت تتغنى به حكومتا “الإخوان” من زيادة في قيمة المنحة الدراسية وأعداد الطلبة المستفيدين منها، ليس سوى أكذوبة وهذيان. ويكشف بوضوح عن عمق الأزمة الخانقة التي وصلت إليها البلاد، من حيث سوء التدبير واستشراء الفساد وغياب المشاريع التنموية الحقيقية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانسداد الآفاق أمام الشباب… ويدعو المسؤولين إلى تحمل مسؤولياتهم والتعجيل بمباشرة الإصلاحات الكبرى والقيام بمعالجة شاملة للقطاعات الاجتماعية، والسهر على تحقيق العيش الكريم والعدالة الاجتماعية والتوزيع المنصف للثروة بين أبناء الشعب…

 

الاثنين : 01 اكتوبر 2018.