قال الإمام علي :  ( الغنى في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة )

 

الإنسان المواطن هو محور ومرتكز وجود الدولة والحضارة ،هو أداة للبناء والتغيير الإيجابي ، كما أنه وعندما يفقد صبره ويطول انتظاره يسعى إما :  للهروب من واقعه ووطنه ، أو يعتنق التطرف والعدمية  في كل شيئ ، وإما ينتفض ضد كل السياسات رسمية وغيرها ،  ويبتدع لنفسه مواقف وقرارات وتصورات حالمة أو متشائمة  ترضي هواه  لكنها لاتتوفر  لها ظروف استنباث سليم ولا حتى استنساخ ناجح ، فيزداد الأمر تعقيدا وتدهورا ويبحث عن طرق لرفض الواقع تجنح للهروب أو التصادم …

فالمواطنة هي حقيقة وضع  ومكانة الإنسان في وطنه/دولته بحقوقه وواجباته ، انتسابا وعيشا   وأدوارا ومهاما   ،، وتاثرها  بفلسفة  التشريعات الموضوعة وطريقة تصريفها مع الناس ، ومدى جدوى وفاعلية  صبيب الحريات والحقوق والعدالة الإقتصادية والإجتماعية والمجالية والمعرفية لتغذية وتنمية روح المواطنة والإنتماء ..

إن فهم واستيعاب القيم النبيلة للمواطنة والتشبع بها  يتأثر سلبا  عندما تضعف النفوس وتنهزم الإرادات ويصل الصبر والتحمل درجات تشعر المواطن بأنه سلبت منه مواطنته وكأنها تمنع عنه ، كما يرهقه إحساسه بالغبن والإحتقار  الذي يتجسد أمامه بالثنائية السلبية المخلة بالتوازن والتماسك  والتي تتضرر بوجود تفاوت طبقي مستفز ، غنى فاحش إلى جانب فقر مدقع ، و ثروات وطنية  مع اتساع دائرة الخصاص  ،، و  مستشفيات مع عدم القدرة على توفير نفقات العلاج أو  صعوبة الحصول عليه ،، و منظومة للتعليم مع تفشي  الأمية والجهل …

إن للمواطن واجبات ينجزها  لنفسه ولأسرته ووسطه ، وأخرى مشتركة مع أهل الوطن  الذي هو العائلة والبيت الكبيرين ، فأبناء الفقراء وأصحاب الدخل المحدود والكادحين هم المحرك الفعلي  لعمليات الإنتاج الشاقة والمجهدة  ، وهم غالبية العاملين في مجال  الدفاع عن حدود الوطن واستقلاله وأمنه ، وهم الشغيلة  المنتمية للسلاليم الدنيا الصغيرة   الذين هم عصب العمل الإداري والتقني والفني والتنظيمي لكل المؤسسات العمومية والخاصة والخدماتية …إنهم بالكاد يوفرون لأنفسهم وأسرهم الحد الأدنى من مستوى العيش ، وتتعذر عليهم الإستجابة لمتطلبات العصر المتعلقة بأبنائهم تعليما ولباسا وعلاجا وظروف عيش ..كما أن ابناءهم أتموا تعليمهم أو انقطعوا عن الدراسة  هم  من يعانون من البطالة واليأس ومحدودية الحلول لمشاكلهم ومشاكل أسرهم التي تتفاقم وتزداد تأزما بسبب ذلك ..

إن حب الوطن حال في بنية الجسد والعقل والروح ، وكراهة السياسات المتسببة في كل  أشكال الفشل والإحباط  تخلق تدمرا و نفورا من الأرض التي لم  يجد  فيها بعض المواطنين حاجاتهم ومتطلباتهم  ، و من حبهم  لوطنهم  يضحون حتى بأرواحهم  للهجرة داخل الوطن وخارجه  للبحث عن مورد عيش يبنون به حياتهم ويساعدون أسرهم التي هي في حاجة لدعمهم كما يساهمون في اقتصاديات بلدهم ، وليتجنبوا  التصادم مع المجتمع والدولة إن طال بهم أمد العوز والتهميش  …

إن رعاية  قيم المواطنة “الفطرية” و”البيولوجية” التي تؤطر وتحمي الإنسان منذ ولادته في تعلقه وارتباطه القوي بالأم والأسرة وفضاءات العيش أصبحت تصطدم بواقع يؤثر سلبا في تنشئة الأطفال الذين يعانون ويتألمون ويتضررون أكثر  بسبب معاناة الوالدين / الأبوين و العائلة  ، فيكبرون وهم يشحنون يوميا بالهموم والإنكسارات   مما يجعلهم يظنون ويعتقدون  أنهم كائنات زائدة ولا قيمة لها ولامكانة لها في المجتمع …

إن   طاقة المواطنة المكتسبة يتأثر عطاؤها وقوتها  ومستوى تضحياتها  انطلاقا من طبيعة العلاقات مع  المؤسسات التي يفترض أن تقدم الخدمات للناس وترعى مصالحهم وتضمن حقوقهم مع  إبراز  وتقوية الإهتمام  بهم ،..

إن الحديث عن إندماج وإدماج المهاجرين في بلدان الإستقبال  قديم حيث لعبت وتلعب  ظروف الإحتضان والعيش والاستقرار والاطمئنان دورا رئيسيا في تحول المهاجرين إلى مواطنين  ناجحين ومتميزين بل ورائدين ومؤثرين إيجابا في الوسط الجديد ،فمنهم من أصبح منتجا ، عالما ، منتخبا أوحاكما بل وزيرا أو حتى رئيسا لدولة  بعد أن كان تائها وضائعا في بلده .. ورغم ذلك يبقى الإرتباط  العاطفي بالوطن الأم قائما ويؤثر في مواقف وسياسات البلد المضيف  .. إن نجاح العديد من المهاجرين وتغير أحوالهم أمام أقرانهم  ووسط بلدانهم الأصلية يخلق أزمة عند من لايزالون يعانون من البطالة  و ظروف عيش صعبة  ، فيتحول سخطهم على سياسات أوطانهم إلى غضب على الوطن بوعي أو بدونه …

إن الضمير والمعرفة والمواطنة لايولدان مع الناس ، فمكان النشأة والتربية الأسرية  والوسط الإجتماعي هو الذي يضبط ويبني شخصية الإنسان ..لغته وعاداته وثقافته ودينه ونظامه الإجتماعي ،  فالذين  يطلق عليهم (الغجر ) هم مجموعات اتخذت من كل الأرض وطنا لهم ، يتميزون بطريقة ونمط  عيش خاصة بهم اختاروها وأحبوها  ولو أنها تخالف  أعراف وتقاليد الكثير من الشعوب التي يخالطون بهجراتهم التي لاتتوقف جيلا بعد جيل ..

إن من الاسباب التي تقف خلف صناعة الفشل واليأس في النفوس التي صدمها واقعها ،، الترهل والإرتجال الذي عرفته  آلية سياسة التربية والتعليم من جهة ،  والعجز في تحقيق تنمية مستدامة تستطيع  إخراج الوطن والمواطن  من دائرة التخلف ، والسير الذي طال وتعثر في طريق النمو  ، وعدم النجاح في تشغيل وإدماج الشباب في عمليات البناء  العلمي والإقتصادي   ..

قال المفكر والمؤرخ يوسف زيدان : (( إن الملايين ممن ينوون الهجرة يكونون قد هاجروا نفسيا لحظة تقديم الطلب وهجروا الوطن على المستوى الشعوري ، ويظل حالهم على هذا حتى لو ظلوا سنوات ينتظرون الإشارة بالرحيل، فتكون  النتيجة الفعلية أننا نعيش في بلد فيه الملايين من المهاجرين بالنية أو الذين رحلوا من هنا بأرواحهم  ولا تزال أبدانهم تتحرك وسط الجموع كأنها أبدان الموتى الذين فقدوا أرواحهم ، ولم يبق لديهم إلا الحلم الباهث بالرحيل النهائي )).

 

تارودانت : الخميس 04 أكتوبر 2018.