لم أختر نصوصا بعينها وإن قرأتها بشغف ، و إنّما اخترتُ عبارات استعارية ثلاثة بعد تقصٍّ دقيق لطبيعة القول عند الشاعر الرائد احمد لمسيح ، وضعتُها معالم لقراءة الكلّ من خلال الجزء في عجالة لا أنويها متعسفة على عالم الشاعر المتميز بالانسجام الفني … من هنا ، لا بدّ من استحضار السياق ، من أجل تفاعلٍ قويّ مع نماذج من استعارات الشاعر احمد لميسح ، لكننا في هذا المقام غير الأكاديمي ، لن نرجع إلى سياقات القصائد ، والتي سنترك أمرها إلى القارئ يرجع إليها عند تتبع مقارباتنا في وقت لاحق ، إنصافا لعمليات البوح من طرف الشاعر ، ولعمليات القراءة من طرف الناقد ، أما هذه العجالة فتكتفي بالاشارات العابرة والواضعة لمجموعة من العلامات المنهجية الكاشفة في تواضع عن بعض آليات البناء الشعري الزجلي ليس إلا والخاص بالتركيب الاستعاري العاميّ الذي نعتبره مغامرة بحكم التصاق الاستعارة بالبلاغة العربية الكلاسيكية في توجّهها العالم ..

في مديح المجاز العالي ، لا يرقب الشاعر احمد لمسيح ظلال مفرداته من برج عاجي ، يُعَوّمُ المعنى في بذخ الحروف ، ويمرّغُ الدّلالَةَ في رفاهية الكلمات ، بعيدا عن التداولية أو الذرائعية … لكنّه وهوَ الماتحُ بوحه من عمق الوجدان الجمعي المغربي ، لا تفوته عمليات احترام لحظاتِ المقام . من هنا انثيالُ عالمه الفني العامر بقوة الاستعارة ، المبنية على أسّ المعرفة ، لا الاستعارة الساذجة الواقفة عند حدود الإمتاع .

والاستعارة في عرف احمد لمسيح ، لا تبغي ذاتها لذاتها باعتبارها خطيّة بلاغية تفرضها محدّدات قبْلِيّة ، ولكن باعتبارها علامات سيميائية تعالج العلاقة بين مستعملي هذه العلامات ، عبر ممارسة فنيّة مجازية انزياحية ترومُ الخروج من نسغ القصيدة المغلق إلى حيوات العلاقات الانسانية كأنساق مفتوحة على عوالم ممكنة وأكثر إمكانا .
منذ أن دبّج الشاعر لمسيح أولى قصائده في السبعينيات من القرن الفائت ، وإلى آخر أعماله المنشورة في عام 2016 ، كان يمارس لعنة السؤال – إن شئتم – أو نعمة السؤال إن شاء منطق الحديث … سؤال الذات ، سؤال الوجود ، سؤال الكتابة ، سؤال الفن وسؤال حدود الفن ، سؤال البدايات وسؤال النهايات ، سؤال الكائن و سؤال الممكن… في صيرورة ابداعية لم تتوقف إلا لالتقاط أنفاس جديدة من أجل استكمال دورة الحياة للعبارة ” لمْسِيْحِيّة ” قبل أن تطالها أعراض التشابه والرتابة والتطابق بين الوجه و القفا … كان الشاعر مسكونا بشيء جميل جليل اسمه الرغبة في الاستمرار بتميز ، لا ذاك التميز المَرَضِي القاضي بصناعة المفردة داخل حجر الصنمية ، وإنما التميّز الوظيفي العامر بالتحولات الحاملة للفرادة من جهة ، والحاملة لكراهية التباث البليد … أي المؤمنة بالحركية والدينامية الدائمتين الدّائبتين .

نرجع إلى عوالم الاستعارة عند الشاعر ، نجده يبنيها داخل رؤية فنية ترفض التعقيد ، وترفض ادّعاء الصوغ المتفرّد ، ولا تلقي بالتركيب الزجلي في أوديّة الغريب … إنها تسعى وبكل بساطة إلى بلورة جمالية نظمية عاميّة مغايرة لتلك التي أفرزتها منظومة الشعر الشعبي التقليدي الباني لأنساق التعبير المسكوك والفارض على المتلقي – بحكم تاريخية الهيمنة – نوعا من التمثلات الجاهزة للمعنى وللدلالة ولغيرهما من جهات التأويل ، وهي التمثلات الكسولة التي تحبط أي قدرة للانفلات من قبضة المعطى المسبوق ، والتي تبني دون شعور قناعاتها داخِلَ سياسة تجريم كل من يخترق طقوسها القدسية بين قوسين ، أو يتطاول على المس بجلال هالاتها و آلاتها المتحكمة في أعناق القول والمقول.

يتشكل حقل الاستعارة عند احمد لمسيح من الرغبة القوية في تخطي دوائر التضييق و الانغلاق ، إلى آفاق تشكيل آليات جوهرية في إنتاج الخطاب الشعري الزجلي الموسوم بالبصمة الخاصة والهوية الفنيّة الأخص :

المثال الاول :

” راب عليكْ لخْيَالْ ” – المرجع : ” حريفاتْ ” … إنّ مكوّن فعل ” رابْ ” يستدعِي خصائص نوعية ترتبط بالموسوعية الذهنية للمتلقي والتي يمكن تجميعها في : جدار – حجر – بناء – سقوط – تداعي – انهيار – حسي – صلب – الخ … في حين يستدعي مكوّن ” لخْيَالْ ” و في المنطوق الشعبي خصائص نوعية من قبيل ” ظل – غير حسي – انعكاس – وهم – ضد الجسد – غير حقيقي – غير قابل للمس تابع – ملتصق – هيولى – الخ

… إذن كيف يلتقي المكوّنان وهما بهذا التباعد الماهياتي ؟ … لا شك أن المسافة بينهما تتسع كلما أمعن المتلقي في معانقة السطحية أما إذا انفلت من قبضة التأويل الميكانيكي للعلاقة بين الطرفين واستحثّ عمق خياله فإنّه لا محالة واصل ومتذوق … وبالتالي تتغير عتبات التأويل من المباشر الى أفق الانزياح للبحث عن عوالم ممكنة كما أشرنا في المقدمة … هنا يبدو الشعر فتحا للممكن في الانسان ، يحرّك أنساقاً أخرى من البوح ارتقاء بالمعنى لا هروبا بالمعنى إلى حافات التملص من عمليات التواصل الشعري بدعوى الغموض … الغموض ليس في المقول الشعري ، الغموض قابع في عجزنا عن استنطاق آليات أخرى كاشفة عن حجاب المعنى … ولك ايها القارئ ان تتمثل – من هذه البوابة – كل امكانيات التأويل لعبارة ” راب عْلِيكْ لخْيَالْ ” في شرطين أساسيين هما :

شرط التخلي عن سلطة صاحب النص من منظور ” بارتي ” يقتل المؤلف ليبعث المتلقي منتجا ومبدعاً ثانيا يتلقف القصيد … ثمّ شرط مراعاة المقام أو السياق لا باعتباره سلطة دلالية تمارس رقابتها الصارمة على حريات التأويل ، وإنما باعتباره معالم إضاءات لا توجّه التأويل بقدر ما تضيئ التأويل …

المثال الثاني :

” لْوَهمْ عسّاسْ بْلا سْلاحْ ” – المرجع : ” حريفاتْ ” … الاستعارة هنا لا تتغلف برداء الزخرفة البلاغية القانعة بذاتها على مستوى التزيين اللفظي ، الاستعارة هنا تتجاوز ذلك إلى احداث رجّة في مألوف القول الشعري العاميّ ، انطلاقاً من السؤال الآتي : هل تدثّر الاستعارة المعنى أم تكشفه ؟
– قبل الإجابة والتي لا تدّعي القطعية بتاتاً ، نقول : إنّ مفهوم الاستعارة في النقد العربي يرتبط بالتعبير المجازي القائم على مقارنة طرفين هما المستعار منه والمستعار له ، في علاقة واحدة هي المشابهة ، في توافق مع النظرية الاستبدالية التي حصرها الباحث محمد مفتاح في النقط التالية :

+ الاستعارة لا تتعلق الا بكلمة معجمية واحدة بقطع النظر عن السياق الواردة فيه
+ كل كلمة يمكن ان يكون لها معنيان واحد حقيقي وآخر مجازي
+ تحصل الاستعارة باستبدال كلمة حقيقية بكلمة مجازية
+ الاستبدال مبني دائما على علاقة المشابهة سواء أكانت حقيقية أم غير حقيقية
إلا أن هذه النظرية ضيقت على جموح الاستعارة وكبحت جسارتها في التعبير المنحرف والمخترق لحدود التأويل المباشر المحكوم بالجاهزية … لهذا عملت النظريات الدّارِسَة اللاحقة لتركيب الاستعارة على توسيع طاقات الاستبدال القائم على المشابهة إلى طاقات أخرى مثل التقاطع …

فإذا رمزنا لمكوّن ” لْوهمْ ” بعلامة ” أ ” و رمزنا لمكوّن ” الجندي ” المحذوف في التركيب الاستعاري بعلامة ” ب ” ، فما هي نقطة التقاطع ” د ” بينهما إذن ؟ لعلّ القارئ هنا مدعوّ إلى تجنيد كل طاقاته الذهنية لوضع الملمس على هذه البؤرة للخروج من الجلباب إلى الكشف عن وجه التعبير الاستعاري عند احمد لمسيح … والخروج هنا هو : الوهم حارس – الجندي حارس – ونقطة التقاطع بينهما هي الوظيفة … فالجندي يمارس وظيفة معينة تحول بينك وبين الشيء المحروس . وكذلك الوهم يحول بينك وبين الحقيقة المرغوبة … تصبح علامة ” د ” هي الوظيفة التي يمارسها كل من الجندي والوهم في غياب علاقة المشابهة التقليدية وتعويضها بعلاقة التقاطع …

– المثال الثالث :

” حرقْ لمْرَايَة ” – المرجع ” حْرِيفاتْ ” … في هذا النسق ارتقى الشاعر احمد لمسيح بالتركيب الاستعاري العاميّ من رتْباتِ التشابه والتقاطع إلى مدارج أكثر قياساً ترتبط بنظرية التفاعل … نحن لا ندّعي هنا أن الشاعر في هذا المقام وغيره من الشعراء ملزمون بالتسلح بهذه الترسانة الكبيرة من نظريات تحليل وتفكيك الخطاب الاستعاري لنظم قصيدة أو تدبيج شذرة … فهذا من قبيل الإعجاز … ما نرومه هنا هو الكشف عن آليات اشتغال التركيب المجازي في بوحهم انطلاقا من رؤيتنا النقدية المتواضعة والتي تتغيى تقريب القارئ والمتلقي من طبيعة الشعر ، مُعْرَبِهِ وَ عامِّيِّهِ ، إلى الذائقة الشعرية وإلى الجمالية الإبداعية .

في هذا المثال ، وأذكِّر ، أنه لابد من الرجوع إلى النص الكامل لتمثل النسغ الفني والرؤيوي لعمليات البوح ، نجد الشاعر لمسيح ، يركب صهوة التوتّر والمسافة ، عبر اختيار مكوّنين متباعدين كل التباعد … ذاكَ أنّ فعلَ ” حْرَقْ ” فعل ماديّ ومكوّن ” لمْرَايَة ” موضوع حسّي … ما يسوّغ إمكانية المجاورة بين المسافتين هو مشترك المادّة القابلة للتشييئ chosification بين الإحراق والمرآة … لكنّ وضع التجربة على صفيح الواقع يفيد استحالة الدمج بين المكونين ، النار لا تحرق المرايا ، والمرايا لا تقبل هذا الفعل ، بل تقبل الكسر و الانكسار ، من هنا خلق الشاعر مسافة متوتّرة بين المستعار منه والمستعار له لإقحام المتلقي في عملية الرأب لهذا الصدع الفني عبر استعمال مخياله وثقافته المشتركة … وهي مسافة تقوم على التفاعل الخيالي لا الحقيقي ، في انفلاتٍ مُغايرٍ لعملية الكتابة والبوح ، ممّا يهبُ الاستعارة أوّلاً والتعبير ثانيا ، مجالات أرحب لإنتاج خطاب شعري عاميّ نوعي لا يعتنق شعار التكرار ويعتنق فلسفة الاختلاف الباني للجمالية … من هنا فالاستعارة هي حاصل توتّرٍ بين مفردتين ، على حدّ تعبير بول ريكور Paul Ricoeur . و هذا التوتّر هو لعمري مثار خلق لألوان الدهشة في الخطاب الشعري الزجلي عند لمسيح … فعملية الاحراق لا تنصبّ على المرآة المتصلبة زجاجاً بليدا وإنما تنصب على الذاكرة وعلى الماضي الذي يتراءى في المرآة ، الذات الشاعرة هنا تروم إحراق صور غير مرغوب فيها تجلّيها المرآة في جرأة واضحة … و هذا مثالٌ لتأويلٍ فقط ، وليس كلّ التأويل

وحسبي من هذا أنني لامسْتُ بعض ضوء نافذة من نوافذ عالم الشاعر الرائد احمد لمسيح ، و لا أدعي في هذه الملامسة فتحاً نقديا أو مسحاً شموليا … فقط وانسجاما مع طبيعة البرنامج ” حديث الجمعة ” التفاعلي أردتُ أن يكون العرض انتقائيا حتّى تتمّ المتابعة وتعمّ الفائدة ، على أساس أن قراءة الاستعارة في شعر شاعر وفي شعر احمد لمسيح بالخصوص مغامرة غير مضمونة النتائج … من هنا أقول إن هناك عدّة نظريات هي مداخل لفهم طبيعة البناء الاستعاري الفني عند لمسيح و عند غيره من الشعراء المعربين أو الزجالين ، منها النظرية السياقية ، و النظرية العلائقية ، وغيرهما .

وهذه نماذج من استعارات أخرى غيضاً من فيض للاستئناس وتطبيق نظريات الاستبدال والتقاطع والتوتّر عليها …

المرجع : ” حريفات “

راب عليك الخيال
الوهم عسَّاس بْلا سْلاح
احرق لمْراية
توسّد الشك و رْتاح
دير عكّازك من كلْمة لا

– المرجع : ” سطر واحد يكفي “

يا سارح الغيوم
الزمان تَّـولد
تفصل النور على الظلام
تجمعت المياهي باش تبايع النحلة
السحاب مقابر التنهيدات

– المرجع : المجموعة الشعرية ” قتلتني لقصيدة “

الحيرة طريق
والعشق وصول
القصيدة عطات بالظهر
الحرف في ظله اعتر
ضوات سمكة
والبحر بالحروف نور

– المرجع : ” أنا ما كاينش “

أنا غير مسيح بوهالي فرزت ما كالت الكانة
تخابلت انامعايا والكاس تنوى

– المرجع : ” توهم أنك عشقت “

الفنا في العشق حضرة
الفنا بالعشق حضرة

 


بقلم نورالدين حنيف / أبو شامة
الثلاثاء : 09 أكتوبر 2018.