(…والواقع أن المغرب يحتاج، اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى وطنيين حقيقيين، دافعهم الغيرة على مصالح الوطن والمواطنين، وهمهم توحيد المغاربة بدل تفريقهم؛ وإلى رجال دولة صادقين يتحملون المسؤولية بكل التزام ونكران ذات….) عن الخطاب الملكي أمام البرلمان يوم الجمعة 12 أكتوبر 2018 .

((…إن الفكر التقدمي منطلقه ومنتهاه التفاؤل، وإلا فلن يبقى مبرر للنضال. ولن يبقى كذلك مبرر للنضال إذا ادعينا احتكار الحقيقة. لذلك فلزوما أن نعتبر مجهودنا هذا بداية في التوضيح، وأن تبقى عقيدتنا متفتحة وقابلة للتغيير والإستفادة من الدروس والتجارب…)) : من مقدمة الشهيد عمر بنجلون للتقرير الإيديلوجي بالمؤتمر الإستثنائي للإتحاد الإشتراكي . الدار البيضاء 10/11/12 يناير 1975.

قراءة في التركبة والطبقات الإجتماعية  في أية دولة يطرح و يجيب على  الكثير من الأسئلة منها ما يتعلق بطبيعة وحجم الفوارق بين الطبقات ، ومستوى  درجات الثراء والغنى ، ودركات الفقر والخصاص ، والمكانة الإجتماعية  والقدرات  المادية  للشغيلة والمنتجين الصغار والمتوسطين  هل تنجذب إلى الادنى والضعف ؟ ام تتقوى بفعل سياسات عادلة  بجعل الثروة وفائضها في خدمة صناع الثروة والخدمات  وأعمال كل الذين يضمنون دينامية وتقدما   في الدورة الإقتصادية ، وارتفاع  وتحسن إيجابي في مستوى عيش الكادحين والفقراء …

إن ندبير وإدارة  المصالح الإقتصادية المشتركة  هي التي تتحكم في البناء الطبقي للمجتمع ، لهذا فالصراع الطبقي يتقوى عندما تختل موازين العدالة الإقتصادية والاجتماعية ، وعندما تتضرر القيم  الإنسانية  وتتسع الهوة بين مكونات المجتمع بشكل يجعل المتضررين يشعرون بظلم كبير وعدم اعتراف بهم وبحقوقهم ..

إن كل سياسة توضع على قاعدة غير معلنة  تكرس وترسم  وضعية طبقة الفقراء ،  وتمس بمكتسبات وحقوق  الطبقة الوسطى الضامنة للإستقرار والتماسك وتحريك الإقتصاد الصغير والمتوسط ..، لايمكن لها  أن تحقق أي تنمية مستدامة ولا أي توازن اجتماعي ..

إن القوانين هي التي تضع مساطر وأنظمة تدبير وإدارة الثروة والإقتصاد والتي  تعرف اتجاهاتها وتصوراتها  انطلاقا من نتائجها وانعكاساتها على الواقع الإجتماعي ووضعية الإنسان المادية والمعنوية  ..

إن الإصلاح الزائف والذي يقوي احتكار الرأسمال وفائض القيمة والثروات بمبررات سطحية للتنمية بنزعة ليبرالية غير إجتماعية يوسع الفوارق   ويجعل الإستغلال يتخذ أبعادا  تساهم  في تغدية  حقد وعداء طبقي لأن كل مظاهر الثراء ستعتبر غير مستساغة في مقابل فقر مدقع …

فإذا  أردنا أن تكون   التعبئة الشاملة  ناجحة  والعمل الجماعي  مستداما ،فالأمر  يتطلبأن تكون دولة المؤسسات ديناميكية ومرنة وفاعلة ومتفاعلة وممتلكة لبرامج مرحلية قوية ذاث بعد استراتيجي وقادرة على التأطير والإقناع وسباقة للمبادرات الجدية والواقعية ..كما يتطلب قيام كل  مواطن ومواطنة بأدوارهم الكاملة ، في ظل احترام للقناعات والإختلافات وتظافر للجهود لإنجاح كل المبادرات الإيجابية  ، وبـجعل قيم التضامن إنسانية ومؤسساتية مشبعة بآداب حقوق الإنسان وكرامته ، ومحصنة من كل أنواع الاستعمال  المذل والإنتهازي المتخفي وراء الدين أو العمل الحزبي الضيق ..مع ضمان أن ينخرط الجميع  في الإصلاح والتدبير الجيد إقتصاديا واجتماعيا  ..

 إن  مبدا التضامن لايجب أن  ينحرف في اتجاه تكريس التمايز والتفاوت الطبقي وتكريس الدونية ، وأن لايستغل بإسم  الإحسان المفترى عليه …

إن وجود فوارق مجالية صارخة يكون  تأثيرها كبيرا  على استقرار  السكان ومستوى الخدمات .. ويزيد الأوضاع تعقيدا وتناقضا ، و يتخذ أبعادا غير معقولة تؤثر في مستوى الوعي والتماسك بين المناطق  المهمشة والتي تعتبر “مستفيدة “، وبين المغرب العميق في الزوايا النائية المفتوحة والمغلقة  بالجبال و الأراضي القروية بمختلف أنواع تضاريس وجغرافية الأمكنة  ..

إن إنجاح النهوض بالمجتمع  يتطلب الإقدام على تغيير جوهري يرجع المصادقية للتعليم العمومي العام والمهني والتقني وربطه بسوق الشغل ، كما يتطلب نهضة اقتصادية اجتماعية  متنوعة تشمل كل القطاعات  في علاقة  بسياسة الأجور التي يجب أن تكون مشرفة ومنصفة ،والقطع مع نظام الشناقة الوسطاء الذين لاهم لهم إلا احتكار السوق للحصول على الربح الفاحش وزعزعة استقرار الأسعار والإضرار بالمنتجين الصغار من فلاحين وحرفيين ،، وخلق مؤسسات رسمية قادرة على  حماية  المنتج الصغير و الموزع والمستهلك  من الإنتهازيين والطفيليين والوسطاء وسماسرة البؤس  في عالم السياسة و الإقتصاد و المال والإدارة والشؤون الإجتماعية والذين يشكلون عقبة خطيرة  أمام الأوفياء والنزهاء والطاقات الجدية بغض النظر عن موقعهم ومراكزهم ..

إن رهانات التنمية تتقاطع أفقيا وعموديا ومجاليا وقطاعيا ، فالمؤسسات الدستورية القاعدية أي الجماعات الترابية  المحلية والإقليمية والجهوية – وخاصة المحلية – هي المعيار المرجعي الذي يعتمد ويقاس به التطور  وتختبر صدقية العدالة المجالية  ،، فأغلبية ميزانيات الجماعات المحلية  القروية و المدن الصغرى والمتوسطة وحتى الأقاليم والجهات ، تحتاج سنويا إلى ضخ اعتمادات الموازنة المتعلقة بالميزانيات  والتي لاتكفي لتحقيق التسيير العادي في حدوده الدنيا ناهيك عن الإستجابة لمتطلبات الساكنة لتاهيل وتهيئة وتجهيز النفوذ الترابي للجماعات  بما ييسر التنمية  ، وينهض بالإستثمار ويخلق ظروف التشغيل والإستقرار ..

فكيف لنا موضوعيا أن نطالب ممن إمكانياته محدودة أن ينجز ما لم تستطع الحكومة إنجازه على مستوى  الطرق والمرافق الإقتصادية والإدارية والإجتماعية والتعليمية والخدماتية ..؟

إن وصف الواقع بسيط ، كما أن تجميع الإقتراحات والأفكار ووضع البرامج أمر ممكن ،لكن هذا يتطب تجميع ورصد  الأموال  لإنجاز وإتمام الأوراش المختلفة ، وتجنيد القطاعات والمؤسسات بعيدا عن الشعارات والإستهلاك الكلامي ، والسعي لتوظيف وتوجيه الثروات الوطنية  لتحقيق الأولويات المسرعة للتنمية وأعمال التشييد والبناء الإقتصادي والإجتماعي ، مع تعزيز الثقة وجعل المصداقية و الجودة والشفافية من ضوابط المسؤولية والمواطنة ،،  و مشاركة البورجوازية الكبرى  وملاك الثروة ضرورية  لإذكاء روح الموطنة والتضامن و العطاء و التضحية  لرفع منسوب الأمل عند الشعب  ، و مراجعة الأنظمة المالية الجبائية والضريبية  للشغيلة العاملة والمتقاعدة  للمساهمة في تحسين مستوى العيش وتحريك الإستهلاك ..

إن بناء الوطن هو بناء للإنسان ، كما أن بناء  الإنسان هو بناء للوطن ،وتلازم عمليات البناء وتكاملها  يحقق النجاح والتقدم ،، فبترسيخ النضال والبناء  الديموقراطي والحقوقي   يتقوى العمل الوطني  ..

 كتب الشهيد المهدي بنبركة في مذكرته “الإختيار الثوري ” ماي  1962 . (…فلقد كنا حتى الآن، كلما ظهرت الحاجة إلى وضع برنامج، نبدأ التفكير في عدد من الأبواب كالإصلاح الزراعي والتأميم والتخطيط، دون التعرض للظروف التي ستتم فيها هذه التدابير، ولا لتحديد أوقات تنفيذها، بل أحيانا دون ذكر الهدف الذي توضع من أجله ،  لأن تلك الأبواب إنما ترمز إلى نقط جزئية لابد أن تفضي إلى غاية واضحة. ولذلك فإن أية هيئة كيفما كانت قيمتها تستطيع أن تدخلها في برامجها ، مادامت عبارة عن سلسلة شعارات يلوح بها في فراغ .. )

 

* الخميس 18 أكتوبر 2018.