أربع مقاربات في أربعة فنانين تشكيليين مغاربة نعتز بحضورهم الفني الوازن في تواضع الأقمار

(***)

حَجَرُ الضّوْء
قراءة في لوحة للفنان التشكيلي المغربي
” أبوأميمة العنيز “

أشْتَغِلُ في دِيواني الشّعْري الْفصيحِ الْمُرْتقَب على منْظومَة الْحجَر – إنْ كانَ للْحجَرِ منْظومَة – فاكْتشَفْتُ كمْ هُو قاسٍ وَ راقٍ أنْ نرْكَبَ وَعْرا … وأنْ ننْحتَ في الْجلامِيدِ بحْثاً عنْ جذْواتٍ منْ ضوْء … وَ حمدْتُ اللهَ أنّني لمْ ولنْ أكونَ الْمهْووسَ الْأوّل والْأخيرَ في امْتِطاءِ الصّلابَة … فقدْ وجَدْتُ فنّاناً بحجْمِ السّؤالِ الْحارِقِ لِوسادَاتِ الدّعَةِ والْاِرْتِخاء والسّكون ” فؤاد العنيز أبو أميمة ” هذا الْبوهِيميّ الْأخيرُ الّذي يقْبِضُ هوَ أيضاً على حجَر ، يَرومُ رَشْقَهُ في وجْهِ الظّلام .

والْفرْقُ بينِي وَ بيْنَهُ ، أنّهُ ارْتَقى بالْحجَرِ منْ سيماءِ الْحرْف إلى سماءِ التّشْكيل ، معَ اسْتثْمارِ ذكاءِ الْإشارَة ، فنالَ الْفنّانُ بذاكَ أجْرَ الْأصْباغِ وثوابَ الْبِشارَة … فِيما قَبَعْتُ أنا في أتونِ الْمقُولِ ، ألُوكُ الْكلِمَة في قلْبِ الْحجَر بحْثاً عنْ حجَرٍ لا يُشْبِهُ الْحجَر .

وَ لقَد سافَرْتُ في عالَمِهِ بينَ لوحَةٍ وأخرى ، مُرْتَحلاً في لوْحاتِهِ بيْنَ عالَمٍ وَ آخَرَ ، فاسْترْعى انْتِباهِيَ ذاكَ الْحجَرُ الْمُتمَكّنُ منْ سَدِيميّةِ الْخطابِ حينَ يَعلُو الْخِطابُ التّشْكِيليّ على سُلْطانِ الْألْفَة الْبَليدَة ، والْعادَة وَ الْاِعْتياد … وَ حِينَ يُصْبِحُ للْمادّةِ شكْلٌ هَيولانِي يتكلّمُ بِلغَةِ الظّلّ والضّوء ، معْجونَيْنِ بِثقافَة اللّونِ حينَ اللّونُ يَخْرُجُ منْ قَبْضَةِ الطّلاءِ الصّناعي ، الْمتحوّل في مشْكاةِ هذا ” الْبوهِيميّ ” إلى حِنّاءَ لا تقْليدِيّة ، حِنّاءَ ناعِمَة عالِمَة بِآلياتِ تَسَرّباتِها بينَ تلافِيفِ الظّلّ والضّوء واللّون …

فلْنَنْظرْ إلى ما نَدّعِي منْ قِراءَة لهذا الزّخْمِ الْمُشاكِسِ ذاتَهُ فِي جُرْأة فنيّة تخْتَرِمُ الْأشْكالَ الْمُحجّمَة والْأجْسادَ الْمباشِرَة لِتفْتِكَ بِالْمعْنى على مَقاصِلِ اللّامعْنى :

وَ فِي غَيْرِ اسْتلْهامٍ لِ ” سالْفادور ” ، وَ بِبَصْمَةٍ ” فؤادِيّة ” مغْرِبيّة موغِلَة في الْأصالَة ، يَشْتَبِكُ السّرْياليّ مع الزّخْرَفَة الذّكيّة مع الْخطّ الْعربيّ لِتشْكِيلِ عالَمٍ موْسومٍ بلَعْنَةِ الْبحث ، في حرَكيّة دائِبَة ، ترومُ النّحْتَ في جَسَدِ الْحجَر لاسْتِخْراجِ الْمُمكِناتِ الْوجوديّة واللّامُمكِناتِ ، و الّتي تتأرْجَحُ بيْنَ احْتِمالٍ وَ إمْكان … بيْنَ نقْصٍ واكْتِمال … بيْنَ وهْمٍ وَ واقع … بيْنَ رؤيَة وَ رؤْيا …

في هذا الْعالَمِ الْموْسومِ بِالْعجائِبي ، تنْفَلِتُ أيْقوناتٌ ، أوّلُها إنْسانٌ فاقِدٌ للظّلّ ، بِغيْرِ أفُق ، وعلى غيْرِ أديم ، ودونَ تقاسِيمَ تَفْضحُ هُويتَه … وجْهُه للْحجَر وَ ظهْرُهُ للْمجْهول … يتدثّرُ وَ لا يَتدثّر … بِذراعٍ تنْخَرِطُ في خِيمِياءِ الْحجَر … تغْرَقُ في بَطْنِهِ المُتَصلّبَة … تقْتَبِسُ منْهُ امْتِدادا أسودَ … في غَيْرِ حوارٍ ، وفِي صَمْتٍ خُرافيّ …

وَ ثانِيها ، حجَرٌ ثلاثِيّ التّمسْرُح ، شاغِلٌ للْمسافاتِ … واحِدٌ سماء … وَ ثانٍ يَتَوسّطُ اللّوحَة في إمكانِ الْقبْضِ … وَ ثالِثٌ يتسَفّلُ أرْضا لا كَالْأرضِ … وأديماً لا كالْأدِيم . وجودٌ مهَيْمنٌ على مساحاتِ الْالوانِ كما هُوَ مُهيْمِنٌ على ساحاتِ النّفس … في وقاحَةِ الْأصْفَرِ و صَراحَتِهِ الْفاتِكَة ، حيْثُ يتّخِذُ اللّونُ الْأصْفَرُ الْمتزَوّجُ لَعْنَة الْأسودِ الْمتنازِلِ عنْ سوادِه ، بُعْدَ السّلْطَة الْمُسَيّجَة لِحرًكِيّة الْإنْسان .

وَ ثالِثُها ، زَخارِفُ تنْسُجُ عالَمها الْحِنّائيّ منْ أشْكال هنْدسِيّة تتَمرّدُ على صَرامَةِ الدّقّة والْقِياساتِ الصّارِمة ، لِتتشَكّلَ مُعَيّناتٍ وَ مُثلّثاتٍ مَفْتوحَة وَ مُؤطّرَة بِأذْرُعٍ انْسِيابِيّة تسْتعْصِي على الْقبْض ، كما تَسْتعْصِي على سُلطانِ الْاسْتِيعاب السّطْحي لأبْعادِ الْخطاب … وَ لِكيْ تدْخلَ متاهَاتِ الْغُموضِ ، فإنّها تتوسّلُ كلّ الْألوان ، في سِياقاتٍ متنَوّعَة ، وَ في غيْرِ سيمِتْرِيّةٍ تدّعِي ضبْطَ مِيكانِزْماتِ التّدفّقِ الصّباغِي في كفّ هذا الْفنّان الْمشاغِبِ ، والّذي اخْتارَ لعْبَةَ السّؤال بَدَلَ لُعْبَةِ الْإجاباتِ الْبليدَة .

وَ رابِعُها ، مجْهولٌ عَرفَ السّيد ” أبو أميمَة ” كيفَ يُوزّعُهُ بذكاءٍ نوْعيّ في سَديمِ ” الْماحول ” … الْأولُ خلْفَ أيقونَةِ الْإنسانِ في رؤْيةٍ تدْخلُ في اللّاإمْكان ، كما سبقتِ الْإشارَة … وَ الثّاني ، أمام ، حيثُ لوْنُ الْأسودِ بِدلالاتٍ عميقَة ، تَشِي في خُلاصَةِ التّخْرِيجِ ببُعْدِ الْأفقِ الْغامِضِ الْحامِلِ لألْفِ إمْكان … وبيــْنَ اللّاإمْكانِ وَ الْإمْكانِ ، انْفَصَمَتْ رؤْيَةُ الْإنسانِ بِدليلِ إحْجامِ الْفنّانِ عنْ تنْوِيرِ الْمتفرّجِ على لوْحتِهِ داخِلَ تقاسِيمَ واضِحَة ، بِرأسٍ تمْتَحُ مادّتها منَ الضّوء ، وتُكسّرُ توقّعَنا لِمفْهومِ الْإنسان .

وَ خامِسُها ، أيْقونَة الْخطّ الْعربيّ ، بثلاثة أحْرُفٍ متّصِلَة { الْحاء – الْجيمُ – الرّاء } بِألوان مخْتلِفَة ، في قصْدِيّةٍ جميلَة ، تخْتارُ منْ مِساحَاتِ اللّوحة بُؤْرَة الْوسَط ، داخِلَ كَيْنونَة الْأصْباغ ، كما داخِلَ كيْنونَة الْإنسان … معَ تَمْويهٍ تلْقائي لِحرْفِ الرّاء ، الْباهِتِ تجَلّيهِ وَ الْمتماهِي معَ امْتداداتِ الزّخْرَفَة ، في عملِيّة اتّصالٍ وانْفِصالٍ ، حفاظا على هُويّةِ الشّكْلِ وَ حِفاظاً على الْاقلّ الضّرورِي منَ الْتّداخُل .

وَ سادِسُها ، وَ سابِعُها ، وَ ثامِنُها … وَ أوّلُها ، وَ آخِرُها … أيْقوناتٌ متعدّدة ، متجلّية ومتمَفْصِلَة على الْقمّاش ، وأخرى رافِضَة للدّخولِ في لُعْبَةِ الْإجابات … تارِكَةً عُنفوانَ اللّوحَة يتكلّمُ بِلُغاتِهِ الْمُلْغِزَة عبْرَ ذكاءِ اللّونِ والظّلّ … منْ كفّ ، تتّخِذُ منَ الْحجَرِ فلْسَفَة تؤطّرُ مشْهَدَ الْإنسان وهوَ يَعِيشُ ” الْماحَوْلَ ” في لبْسِ الْحياةِ وَ وضُوحِ الْحياةِ ، وَ هُزْءِ الْحياة … وكأنّني بالسّيد ” أبو أميمَة ” يرِيدُ أنْ يعْزِفَ لنا بلغَةِ الْأصْباغِ مَعْزوفَة الْوجودِ الْمسَيّجِ بالْقسْوة ، حتّى لا تَرْكَنَ الذّاتُ الْإنسانيّةُ إلى وَتَرِ الدّعَةِ وَ الْارْتخاء … وَفي هذا السياقِ ، أطْلُبُ منْ أخي ” أبو أميمَة ” أن أقولَ لهُ : أنتَ جميلٌ وَ مشاكِسٌ وعَميق … وَ إنّكَ بِهذا السّفَر الْماتِعِ في بوْتَقاتِ الْألوان ، تُذكّرُني بالشّاعِرِ الْقدِيم ” تَميمُ بنُ مُقبِل ” وَ هوَ يقولُ :
ما أطيبَ الْعيش لوْ أنّ الْفتى حَجر – تنْبو الْحوادِثُ عنْهُ وَهو مَلْمومُ

 

(***)

عَباءَةُ الْعَراء
قراءة في لوحة للفنان التشكيلي المغربي
” عبداللطيف البطل “

يَشْتغِلُ ابْنُ مَنْطَقَتِي ، الْحيّ الْمُحَمّديّ ، الْفنّانُ ، عبدُاللّطيفِ الْبَطَل على تِيمَةِ ” الْإنْسانِ ” بِطرِيقَتِه الْخاصّة ، وبِألْوانِهِ الْأكْثَرِ خُصُوصِيّة ، في تَشْكيلٍ ذَكِيٍّ ، يَشِي بامْتِلاكِ رِيشَتِهِ لِرؤْيَة فَنّيّةٍ ، بَعِيدَة عنْ ثَقافَة الْاِرْتِجال وَ الصّدْفَة ، لِتَمْتَحَ وُجودَهَا السّامِقَ مِنْ وَعْيٍ قَويّ بِعلاقَة الذّاتِ بالْكُسْمُوس ، فِي إطارِ مَشْروعٍ فنّيّ تتَداخَلُ فِيهِ شَبَكَةٌ منَ الْأسْئِلَة ، أهَمّها سُؤالُ الْهُوِية .

وَ لَقَدِ اخْتارَتْنِي هَذهِ اللّوْحَةُ لِتَصْرُخَ في وَجْهِي بِهَمْسٍ رَقِيقٍ أنْ ألْتَفِتَ إلى حجْمِ الصّراخِ الْمَشْرُوخِ في تَلاوِينِها ، وَ بِحَجْمِ السّكُوتِ الْمُخَيّمِ عَلى كَيْنُونَةِ النّوْعِ ” الْجنْدر ” بِاعْتِبارِهِ كائِناً مَنْقُوصَ الْهُوية ، تُشَيّؤُهُ ثَقافَةُ الْفُحُولَة وَ تُبَضّعُه .

وَ عِنْدما تَكْتَسِي الْأصْباغُ عَباءَةَ الْعراءِ ، فاعْلَمْ ، أنّها الْإدَانَةُ الصّارِخَةُ الصّادِرَةُ منْ فنّانٍ تَشْكِيلِيّ لا يَرْسُمُ التّرَفَ الْفَنّيّ ، ولا يَعْجِنُ بِرِيشاتِهِ ثَقافَةَ الْبَذْخِ الّتِي تَنْتَهِي صَلاحِياتُها فِي احْتِفاءِ الْمَعَارِضِ …

تتَبدّى الْألْوانُ ذَكِيّةً في ثُنائِيّةٍ أذْكى : مادّتها الْإنْسانُ والْمَعْرِفَة . ذلِكَ أنّ اللّوْحَةَ في قِراءَةٍ مَضْمُونِيّةٍ مُباشِرَة ، تُقَدّمُ لَنا صُورَتَيْنِ ، الْأولَى خَلْفِيّة تُوحٍي بالْكِتابَة ، تَدَلّ عَلَيْها خَرْبَشاتٌ عَلى دَفاتِر زرْقاء و بيْضاء و حَمْراء … والثّانِية تَحْتَضِنُ امْرَأتَيْنِ بِتَقاسِيمَ غَرِيبَة غرابَةَ الْعَجائِبيّ ، وَ جَسَدَيْنِ يُكَسّرانِ مأْلُوفَنَا لِثقافَةِ الْجَسَد .

يَقْبِضُ عبدُاللّطيف الْبَطل علَى الْمَعْنى الْمُتناسِلَ منَ الْألْوانِ بِوعْيٍ يُسائِلُ الْكيْنُونَةَ الْمُتَشَظّيّةَ في نَظْرةِ الْمَرْأة ، الّتي فَضّلَ الْرّسّامُ التّغاضِي عنْ مُؤَشّرِ انْتِمائِها ، كأنْ يَضَعَ علامَةً تَدُلّ عَلى تَموْقُعِها الْمَحَلّي أو الْوطَنِي أو الْإقْلِيمي … إنّها امْرأةٌ وَ كَفى … في الزّمانِ الْهًيُولانِي والْمَكانِ الزّئْبَقيّ … امْرأةٌ صامِتَة بِفِعْلٍ خارِجَ إرادَتِها ، مَوْسُومَة بالدّونِيّةٍ منْ خلالِ انْتِكاسِ رأسِها في خُنوع ، ونَظْرَتِها في اللاّشَيء … امْرأةٌ عارِية ، في حالَةِ الطّبِيعَة ، في انتِظارِ أنْ يُلْبِسَها الرّجًلُ لِباسَ الثّقافَةِ الّتي يُرِيدُ هُو في نَفْيٍ صارِخِ لِإرادَتِها وَ اخْتِياراتِها… وَهُوَ الرّجُلُ الْغائِبُ أصْباغاً ، الْحاضِرُ أثَراً ، فِي نُدوباتٍ على الْجَسَدِ الْعاري .

ما مَعْنى أنْ يَضَعَ الْتّشْكِيلِيّ عبدُ اللّطيف صورَةَ الْمرْأة في امْرَأتَيْنِ ؟لِهذا السّؤالِ أكْثَرُ منْ مُقارَبَة ، أقَدّمُ الْآنَ واحِدَةً في انْتِظارِ الْمقارَباتِ الْمُمكِنَة … وأقُولُ إنّ ازْدِواجِية الْأيْقُونَة مَرَدّهُ لِسَيْرُورَة الْمِيراث … وكأنّني بالْفنّان يَقْرأُ الْإشكالَ داخِلَ الثّقافَة الشّعْبِيّة الّتي تَقولُ ” اقلبْ لْبرمَة عْلى فُمْها تطْلَعْ لبنتْ لمْها ” هكَذا يتَناسَلُ الْمَعْنى منَ الْألْوانِ في أبْعادٍ إنْسانِيّة فاضِحَة أكثر منْها شَارِحَة .

وما مَعْنى أنْ تَكونَ الْمَعْرِفَةُ خلْفَ الْإِمْرَأتَيْن ؟ إنّهما في نظَرِ الرّجُلِ الْمَسْكُونِ بِعَطَبِ الْفُحولَة ، كائِنٌ لا يَسْتَحقّ أن يعْرِف أو أنْ يبْدع … ويَكْفِيهِ أنْ يَكونَ مُساقاً بِمَعْرِفَة صَنعها الرّجل وأمْلاها في أنانيّةٍ مَقيتَة ، لِهذا ارْتأتْ حسَاسِيةُ الْفنّان أنْ تَشْتَغِلَ كلّ الْألْوانِ عَلى فَضْحِ هذهِ الْمفارَقَة ، في أفقِ الْمُسَاءَلة عنْ قَرارِ الْهُوية لِهذا الْكائن، الْمَنْقوص في هويتِهِ وَ مُواطَنتِه .

أدْرِكُ في كلّ انْتِقالٍ من فقرة إلى أخرى ، أنّني إزاء لَوحَة حمّالَة لِأوجُه مُتعدّدة ، فبالْإمْكانِ قراءَتُها في كتابٍ نَظراً لحُمولاتِها الّتي تَشْبِهُ زَخّ الْمَطَر… منْ ثَمّةَ يُمْكِنُ مساءَلَة طبِيعَة الْأزرق في تَداخُلٍ معَ الْأحمر والْأبيَض تَداخُلاً مَشْدوداً بِأسْلاك ، دلالَة على انْتِقاصِ لُحْمَة الْمعْرِفَة مالَمْ تُشارِكْ فيها الْمرْأةُ بِنَصيب .

وبالْإمْكانِ مُسَاءَلَةُ الْجَسَدِ الْعارِي ، والْوجْه المُكَسّر لِتقاسِيم الْإنسان ، والْجيد الْمبالَغِ في طولِه ، ولا انْسِيابِية الْذّوات ، و سُرْيالِية الشّعَر ، والظّلال الْمُحْتَشِمَة ، والضّوء الْمنْفَلِت منْ يَمِينِ الْكائِنات الْمَوْسُومَة بالصّمْت ، وغيابِ سيمِتْرِية الْعُيون ، وَمًشاكَسة الْأنف ، وغيْرِها من اللّقَطات الّتي اخْتارَ الرّسّامُ بِوعْيٍ فاضِح أن تكُونَ هكذا ولا تَكونَ كما شاءَتْ ذائِقَتُنا الْمُسَطّحَة .

 

(***)

تُفّاحٌ بصيغَةِ الْمؤَنّث
قراءة في لوحة للفنانة التشكيلية المغربية
” أُمامة سَحَر “

لا أريدُ لمقارَبتي الفنيّة في تشكيل النقيّة ” أمامة ” أن تكونَ تسطيراً لغوياً عند انتهاء الفنّانَة منْ لوحتِها … وأريدُ لمقارَبتي أنْ تحْظى بالمصاحَبَة لفعْلٍ فنيّ ينسابُ في كفّ سيدةِ الْألوان ، تدرّجاً في الاكتمال ، وتدرّجا في الانبناء ، وفي الانْوجاد …

هذه اللوحةُ بالذّات ، ورغمَ عدم اكتمالِ نسَقِها التشكيلي ، استنْفَرَتْ يراعِي واستفزّتْهُ وخاطَبَتْ فيهِ بِدائِيتَهُ ، ألّا ينتظر … وأنْ يَغوصَ ما شاءَ لهُ الْغَوص …

في الْبدءِ كانتِ الْأصباغُ ، وكانَ الْقمّاشُ … وكانَ الصّمتُ سيّد الْموقف . وكانَ التّفاحُ أيقونَة ، كسّرتِ هذا الصّمتَ ، وأنزلَتِ التّاريخَ من سُموقِ الْهيُولى ، إلى حضيضِ الوجود … كانَ التّفاحُ نغمات ، فنزلَ في عجِينِ التّراب لعْنات … كانَ حياة ، وأصبح شبيها بشيءٍ اسمُهُ الحياة … كانَ سدِيما ، ثمّ اسْتحالَ أديما …

هذه قصّةُ آدمَ وحوّاء في دينامية الْقمّاشِ و تلاوينِ الْفنّانَة ” أمامة ” بصِيغَة ” الْأنثى ” عندما ترْكَبُ صَهْوةَ التّشْكِيلِ الْخارِجِ من دوائِرِ الْخِطابِ الْحسّي الْمباشِر الْمسطّح ، إلى سماء ” ميتالُغَة الْألوان ” في انْزياحاتِها الرّقِيقَة ، الْعاجِنَة مادّةَ الْعُذوبَة بِماءِ الرّؤيا …

تمْتَلِكُ الْفنّانَةُ ” أمامة ” رؤيا خاصّة للوجود ، نوعيّة في غيرِ نمطيّة ، متعَدّدة في غيرِ تكْرار … تَمْتَحَ نَسْغَها الْجِميل الْجليل من عُمْقِ الْبساطَة . وعنْدما نتحدّثُ عن الْبساطَة فإننا لا نرومُ ابْتِذالا ، ولا في عمْقِ التشْكِيلِ اسْتسهالا … الْبساطَةُ هنا عُنوان لمشروعٍ فنّيّ يخْتَرِمُ سَذاجَة النظْرَة المألوفَة للأشياء ، وتتعامل مع الْأشياءِ من زاويةِ البَداهَة الْحامِلَة للسّؤال ، والمفْعَمَة بالضّوء ، والمكتنزة بالْمعنى …

فَهي عنْدما ترسُمُ ” التّفاحَة ” لا تُرِيد أنْ تُضِيفَ إلى سوقِ الْفواكِهِ تُفّاحاً آخَرَ … إنّها تُضيءُ شَكْلَ التّفاحَة بعْدَما بَهُتَ في أيْدينا … إنّها تُمِسِكُ بالْأيقونَة وتحاوِرُها في تارِيخِها وتارِيخنا ، لِتُشْعِلَ كلّ إمْكانِياتِ الْجمالِ في هذه الْثمرَة الْمفْرَدَة ، الْخارِجَة من سؤالِ الْوجود الْبَدْئي ، في رِحْلَةِ الْإنسانِ منْ هناكَ إلى هنا …

لاحِظوا معي ، كيفَ ضمّتِ اللوحَةُ سؤالَ ” الرّجل ” و سؤالَ ” الْمرأة ” ولا أقولُ : ضمّتِ الرجل والْمرأة … فشتّانَ بينَ الْمسَافتيْنِ … الْأولى تقليدية تُذكّرُنا باللوحة الشعبِية التي كانت تملأ أسواقنا ، وفيها كان آدم وحواء والشجرة والثّعبان … والثّانية ، فيها حسّ الفنّانَة ” أمامة ” وتصوّرها ، ورؤياها ، وعالمها الْمكتظّ بالأسئلة الْحارِقَة والْمارِقَة من شرْنقاتِ الْمعنى إلى فُسحاتِ اللّامعنى …

منْ هُنا ، تكْسِيرُ سيماءِ الرّتابَة في فهْمِ علاقَة الذّات بالنّوع … في مواجَهَة مباشِرَة ، تتخذُ فيها الْوجوهُ موقِفَ الْحياد ، حتّى لا قِبلَ للقارئ بالْحكمِ على الْحوارِ : هل هوَ تجلّ للمسافة أم ردمٌ للمسافة ؟ وهل هوَ مكاشَفَة أم مناظرة ؟ وهل وهل وهل ؟

يُبيحُ لنا الْقمّاشُ عناصِرَ ضوء ولا يبيحُ لنا معانيَ الضوء ، فهو لوحة تتشكّلُ من طبيعتينِ : إنسانية { الرجل والمرأة } و مشيّأة { التّفاح } … في قراءة عاجلَة … وفي العمقِ ، تهدينا اللوحةُ طبيعةً واحِدة ، هي الْإنسانُ في وجودهِ الْباحثِ دائما عن الْمعنى ، بمعيّة ، برفقَة ، في غيرِ عزلَة وفي غيرِ أنا ضاغِطة …
طوبى لنا بفنّانَة شاعرة في حجم ” أمامة ” … وهي تدعونا إلى الاحتفالِ بمهرجان الألْوان ، حيثُ الْأحمَرُ الْمعجونُ باللّذة سيّدٌ … وحيثُ مشْتقّاتُهُ تنطِقُ بالتّحولاتِ الْذكيّة في أقانِيمِ جَسَديْنِ مفْتوحَيْنِ على بقيّةِ الْألوان ، على أرضِيّةٍ لا أقولُ إنّها برْتقاليةُ الظّاهر ، وأقولُ إنّها برتُقاليةُ الْباطِنِ … وما بصَرُنا للّونِ إلا خدعَة لذيذة تجرّنا إلى كمائنِ الْقُمّاشِ وهو يُحوّلُ الْبداهَاتِ إلى أسئِلَة … والْأسئلَة إلى تُفّاح …و التّفاح إلى تاريخ …

 

(***)

دَهْشَةُ الْأصْفَر
قِراءَةٌ في لَوْحَة للفنان التشكيلي المغربي
” نورالدين برّحمة “

عَرفتُ الفاضِلَ ” نورالدّين برّحمة ” شاعِراً يمْسِكُ بينَ أنامِلِهِ عَجبا ، يَخْتَرِمُ صفاءَ الْحرفِ بمُشاكَساتٍ بَليغَة . وعرَفْتُهُ رَسّاما تَشْكِيلِيّاً ، يعْجِنُ بِريشاتِهِ مَعْنى الدّهْشَة .

منْ هُنا ، نَبَعَ ” ألْأكواريل ” ببساطةِ انْسيابِه الْمائعِ الْماتِعِ ، يفْرِضُ على الذّات لُغَتَه … في خِطابِ ” السّيميتْرِيّة ” الّذي يقْسِمُ ظَهْرَ التّشْكِيلِ عالَمين : واحدٌ أعْلى يُؤرّخُ التّعدّدَ الْماتِحَ مادّتَهُ منْ فَوْضى الْألْوان ، والثّانِي أسْفل ، يَتَشكّلُ عالَما موْسُوما بِوهْمِ الاِنْتِظامِ ، في عَبَثِيّةٍ تَشِي بالْإيهامِ وتَفْضَحُ سَلْبِيةَ التّسطّح ، إيذاناً بتوغّلِ الْعالَمِ الْجمالِيّ عند الْوارِفِ ” نورالدّين ” داخِلَ أيْقوناتٍ مُتمَرّدَة ، تُرحّبُ بالْحرَكِيّة وَ تلْعَنُ السّكون .

هكذا أتمَثّلُ عالَمَ هذه اللّوحَة ، اخْتِراقاً لْسُلْطَة الْألوانِ التّقْلِيديّة ، فتْحاً جدِيداً لنَصاعَة الْأصْفَرِ الْمُلغِزِ الْمُلْغِمِ الْمُكَسّرِ لتوقّعاتِ الْمُشاهِدِ ، سواء أكانَ مُبْتَدِئاً في عِشْقِ الْأصباغِ أمْ كانَ خَبِيراً بماهِيّاتِ التّشْكيلِ …
وأتَمثّلُهُ عالَماً لا يَفْرِضُ على الرّائي منْظومَةً جاهِزة بَلِيدَة تحْكِي معَهُ نَشيداً مُسْتَهْلكا ، وإنّما تُشَيّدُ نَفْسَها تَشْييداً فِينِيقيا كُلّما تَغيّرَ وجْهُ الرّائي الْقارئ ، وكلّما تغَيّرتْ زاوِيةُ نظَره .

الْأصْفَرُ سَيّدُ الْموْقِفِ في غَيْرِ تَسَلّط ، أخْرَجَه الفنّانُ منْ عالَم التّصنِيفِ الْمسْكوكِ إلى عالَم اللّغة . الْأصْفرُ انْسِيابٌ مُوَرّط ، لا يَنْبَطِحُ سائلاً مِطْواعا ، بلْ يتَملّصُ في زئْبَقيّةٍ جميلَة حاضِنَة في أمومَة ، مُشْتَعِلَة في خُصومَة ، لا تَسْجُدُ لِلْمألُوف ولا تركعُ …

منَ الْأصْفَرِ تتناسَلُ التّداعِياتُ في تدرّجٍ حرَكِيّ يَفْرِضُ على بقيّةِ الْألْوانِ الْالْتِزامَ بعدَمِ مُواطأةِ النّصاعَة كما أرادها الْأصفرُ ، إخْلاصاً لِنَسْغِ التّشاكُل الّذي يُؤطّرُ اللوْحَةَ عالَماً ناطِقاً بِقيمَةِ التّعدّد والْاِخْتِلاف . فتأتِي الْألوانُ جميلَة في بُهُوتِها وشفافِيتِها في غَيْرِ ادّعاء … إنّها بِنْتُ اللّحظَة الْمُنْفَلِتَة من قبْضَةِ التّأزيمِ والدّاخِلَة دَوائرَ الْحوارِ ، كاخْتِيارٍ من التّشْكيلي ” نورالدّين ” الْقابِضِ على فلْسَفة اللوحَة بأيْدٍ من حرِير .

أما الْأزرَقُ ، فَحدّثْ … يُمْسِك ” نورالدّين ” بِتلابِيبِهِ ، وَ يقْضِمُ منْ ثقافَةِ تقْلِيدِهِ الْموْسومِ بلُغَةِ البحرِ الْمُسْتَهْلَكَة قضْما ، لِيُطْعِمَهُ دلالاتٍ قويّة في ثنائِيّة غَرِيبَة تُلَخّصُ كيْنونَتَنا : سماءٌ و أرضُ – فوقٌ وتحتٌ – أملٌ و واقِع – بؤرَةٌ وَ شَتات … في ذكاءٍ يَصْنَعُ من الْأزرق الْأعلى بَصِيصا من السّماء ، وما هوَ بالسّماء ، مُغلّفا بِألوان اخرى تلْعبُ دوْرَ الْحيْلُولَة ، ومِنَ الْأزرقِ الْأسفلِ مسْرحا لما يُشْبِهُ الْماءَ وما هُو بالْماء … مُدَثّرا بلغْزِ السّؤال .

قدْ أقرأ اللّوحَةَ ثانِيا ، عنْدما أغادِرُها إلى شأني الْخاص ، فأجدها قد نَقَلتْ مُمْتلكاتِها بعيدا عن عيني الْقارِئة الْآن ، لأنّ اللّوحةَ الّتي تُبيحُ لك ذاتَها في غيْرِ تَمَنّع ، ليسَتْ لوحَة … إنها تسْطِيرُ أصْباغ … وفي عالَم الفاضل ” نورالدّين ” تأخذُ التّشْكيلاتُ عنْدهُ شَكْلَ النّساءِ الْذكيّاتِ الْمالِكاتِ لِسحْرِ الفِتْنَة والْقادِراتِ على صِناعةِ الْفِتْنَة … ولو اسْتمْررتُ قلِيلا في الْمقارَبَة ، لخرَجَتْ إليّ إحْداهُنّ تطْلُبُ منّي أن أتسَتّرَ في تواطُؤ لَذيذ عن فتْنَتِهنّ .
أحيّيكَ أخي ” نور الدّين برّحمة “

نون . حاء

الأربعاء: 24 أكتوبر 2018.