مدخل : ما دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع هو النتائج السلبية التي انعكست على المواطن في الدول العربية التي قام بها ما سمي بالربيع العربي, لما نال الإنسان هنا من دمار في ممتلكاته وتشريد لأبناء مجتمعه, وفقدان للأمل في الخلاص من قهر وظلم واستلاب وضياع عاشه بسبب الفساد الذي استشرى لعقود طويلة. وأخيراً بسبب العنف والعنف المضاد الذي مارسه من يدعون حمايته والدفاع عنه من كل الاتجاهات وتحت كل المرجعيات الأيديولوجية التي سخرت في هذا العنف.

والسؤال المشروع هنا أمام ما نجده من انتشار لقيم الوجودية بين الكثير من أبناء المجتمع في دول الربيع العربي, هل سيعيش شبابنا الحياة بهذا الفهم الوجودي. بكل ما يحمله هذا الفهم من عبثية وضياع وفقدان للمسؤولية الفردية والجماعية؟.

في المفهوم:

الوجودية تيار فلسفي يميل في جوهره إلى الحرية التامة, غير المشروطة بأية مسؤولية, أو أية قيود في التفكير والممارسة. وهي تؤكد على تفرد الإنسان، كونه صاحب تفكير حر وإرادة حرة واختيار لا يحتاج إلى موجه. وبالتالي على الإنسان في المذهب أو التيار الوجودي, أن يتخلص من كل موروث عقدي، أو أخلاقي يؤثر على رغباته وطموحاته الذاتية، كي يمارس حياته بحرية مطلقة دون أي قيد. والوجودية تعني من اتجاه آخر, أن وجود الإنسان الفرد يسبق ماهيته الإنسانية كمجموع أو ككتلة اجتماعية مهما كانت مرجعياتها دينية أو عرقية أو سياسية .. الخ, فماهية الكائن الفرد هي ما يحققه فعلاً عن طريق وجوده، ولهذا هو يوجد أولاً، ثم تتحدد ما هيته ابتداء من وجوده. ولكن هذا التأكيد في الوجودية ليس أكثر من دعوة خادعة، كي يجد الإنسان نفسه أو يؤكد وجوده. ولكي يجد أو يؤكد الإنسان نفسه في الفهم الوجودي, عليه أن يتحلل من القيم، وينطلق لتحقيق رغباته وشهواته بلا قيد. وعلى هذا الأساس, يبدأ فهم معنى الوجود عبر الدخول بالتجربة الوجودية الفردية الداخلية القائمة على التخيل والأحاسيس الداخلية المشبعة بعواطف ورغبات ذاتيه بحت, لذلك فالفرد الوجودي يقوم بمعايشة الواقع وجدانيا أكثر من معايشته عقليا, ومن خلال هذه المعايشة مع الواقع للذات المقهورة والمشيئة والمستلبة أصلاً, يبرز عنده اكتشاف المعاني الأساسية في الوجود الإنساني, وهي معانٍ تمثل : العدم, والفناء, والموت, والخطيئة، واليأس, والعبثية, والعنف, ثم القلق الوجودي. إنها بتعبير آخر, فلسفة العدم.
منشأ التيار الفلسفي الوجودي وسبب نشأته:

ترجع بذور الوجودية كحركة أو تيار أو حتى مذهب, إلى الكاتب الدانماركي (سورين كيركجارد)، وتعمق فيها فيما بعد الفيلسوفان الألمانيان (مارتن هايدكر) و(كارل جاسبرز)، ومن ثم الفرنسيون: جان بول سارتر، سيمون دي بوفوار، وغابريل مارسيل، والبيركامو، وغيرهم. ويمكن القول: إنها ظهرت في أوروبا عقب الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918)، ابتداءً بألمانيا، ثم فرنسا، وأخذت فيما بعد تنتشر في بقية الأقطار الأوربية، وبعدها في العالم بوجه عام, ليبدأ وجودها بالانحدار مع نهايات السبعينيات وبدايات الثمانينيات من القرن العشرين.

يلتبس مفهوم الوجودية على الكثير من رجال الشارع وحتى على بعض المثقفين، لأن المصطلح غامض رغم ارتباطه بأدب فترة ما بين الحربين (الشعر والرواية والمسرح) حيث كثر الموت وأصبح الفرد يشعر بوحدته في عالم مليئ بالعبثية واللامعقول. أي في عالم فقد أي معنى لوجود الحياة الايجابية المشبعة بالروح الإنسانية، حيث فرضت على الفرد حالة تسمى بـ (القلق الوجودي), بعد أن فقد هذا الإنسان حريته وتوازنه الاجتماعي وقيمه النبيلة التي تفرض عليه الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه ومجتمعه ووطنه بسبب ما حل به وبمجتمعه ووطنه من دمار. ومن هذا الوجود (العدم) أصبح هناك حاجة فكرية لمناشدة الإنسان كي يلتفت إلى إبراز قيمة الوجود وأهميته, ثم إلى معناه ومواضيعه, ولكن بنظرة وجودية تحمل كل المضامين اللاعقلانية التي جئنا عليها أعلاه.

اتجاهات الفلسفة الوجودية:

هناك في الحقيقة اتجاهان للوجودية هما:

أولاً: الوجودية الملحدة:

وهي وجودية تميل إلى الالحاد وعدم الاعتراف بالإله, وتجد أن الإنسان إله نفسه, ولابد أن يقدس ذاته، وهو خالق لأفعاله. وغير معذور بارتكابه للخطأ, والسبب في هذه التوجه هو ما تعرض له هذه الإنسان بسبب الحرب من ظلم وقهر ومعاناة بسبب الدمار, وشعوره بغياب واضح لوجود الرب ورحمته في تخليصه من هذه المتاهة التي دخل فيها, لذلك راحت الوجودية تعول كل التعويل على الفرد ووجوده وقدراته في تحقيق خلاصه. وهذا ما أكد عليه “جان بول سارتر” راعي المدرسة الوجودية في فرنسا في كتابه “الوجود والعدم” حيث يقول: ( إن الإنسان لو كان مشلولا وعلى عربة مدولبة ودخل سباقا مع كبار العدائين في العالم ثم هزم يجب ان لا يعذر لعاهته، لأنه خالق لأفعاله، فإذا أخفق فإنه يلام على هذا الفعل.). فحتى الخطأ أصبح مرفوضاً عندهم إذاً, وغير مبرر مها كان نوع هذا الخطأ ومقداره.

ثانياً : الوجودية الروحية أو( الإشراقية):

وهي التي تؤمن بوجود إله طبيعي موجود في كل فرد، وأن ما يصدر عن الفرد, هو حق، وأن الإنسان خالق لأفعاله، ولو أخفق فعليه أن يتقبل ذلك، لأن الإله أراد له ذلك فعليه بالقبول، ويقصدون بالإله هنا الإله الطبيعي، وليس الديني. ومن أبرز مؤسسي هذا التيار (سورين كيركجارد)، وله الكثير من الآراء في الوجودية المثالية أو الدينية, وهي وجودية أقرب إلى التصوف في حركتها وفهمها بالنسبة لعالم الإنسان.

أهم أفكار الوجودية في شقيها:

الحرية:

إن من أهم مبادئ الوجودية, الحرية. فالإنسان حر في اختياراته، وفي اختياره يقرر نقصانه أو عدم كماله، لأنه لا يملك الممكنات كلها. والذات الوجودية, تسعى بين الإمكان وهو الوجود الماهوي (الفكرة أو القيمة المطلقة في الحرية), وبين الواقع, وهو الوجود النسبي في طبيعته وعلاقاته. والذات الوجودية تعلو على نفسها عندما تحاول أن تنقل في ممارستها القيم الماهويّة إلى الواقع بما ينطوي عليه أو يشتمله هذا الواقع من علاقات اجتماعية غالباً ما تفتقد قيمها الايجابية، وفي هذا التحقيق أو النقل, تخاطر هذه الذات لأنها معرضة للنجاح والإخفاق، ولكن من المخاطرة تولد ضرورة التصميم، وبالتالي يعتبر هذا التحقيق أو النقل الماهوي للفكرة المطلقة, ضروري عند الوجوديين, لأنه محاولة لتغيير الواقع بناءً على القيم الماهويّة الفردية, والحرية المطلقة التي يتمتع بها الإنسان الفرد الوجودي.

إذاً إن أهم خصائص الذات هو الاختيار بين الممكنات المتاحة للفرد في وجوده، ولكن الاختيار يقتضي الحرية، فلا اختيار مع غياب الحرية، ولهذا وضع “كيركجور” الأسس الأولى للوجودية، فالإنسان الحر بوصفه الذات المفردة، هو مركز البحث، ومركز أحواله الوجودية الكبرى المشبعة بالموت والخطيئة والقلق والمخاطرة وغيرها, وهذه هي المقومات الجوهرية لوجوده، فالحرية والمسؤولية تجاه الذات الفردية في فهم الوجودية, هما المعاني الكبرى في حياته.

إن الافراد في الفلسفة الوجودية وحدهم المهمون، والوجود ذو طابع فردي، والالتزام والمسؤولية بما يفكر به الفرد الوجودي من المبادئ المهمة في فلسفتها. وإن الذات الإنسانية ليست هي الإنسانية بوجه عام، فإن الإنسانية كماهويّة لا توجد، وإنما الممكنات الإنسانية الفردية هي الموجودة. والواقع الوجودي لا يقوم في الجنس أو النوع، بل في الفرد العيني.

2- الموقف من الدين

يكفُر الوجوديون بالله ورُسله وكتبه، وبكل الغيبيات، وكل ما جاءت به الأديان، ويعتبرونها عوائقَ أمام الإنسان نحو المستقبل، وقد اتخذوا الإلحاد مبدأً، ويرون أن الأديان والنظريات الفلسفية التي سادت خلال القرون الوسطى والحديثة لم تحلَّ مشكلة الإنسان وبخاصة مشاكله التي ورثتها الحربين العالميتين. ولكونهم يؤمنون بحرية الإنسان المطلقة، لذلك على هذا الإنسان أن يثبت وجوده كما يشاء، وبأي وجه يريد، دون أن يقيده شيء، وعليه أن يطرح الماضي وينكر كل القيود, دينية كانت أو اجتماعية أو فلسفية أو منطقية. أما المؤمنون (الروحانيون) منهم وخاصة في الاتجاه الوجودي الاشراقي, فيعتبرون أن الدِّين محله الضمير، أمَّا الحياة بما فيها فهي مقيدة بإرادة الشخص المطلَقة.

الشعور باليأس والإحباط:

يعاني الوجوديون من إحساس أليم بالضيق، والقلق، واليأس، والشعور بالسقوط والإحباط كما اشرنا قبل قليل. لأن الوجودية لا تمنح شيئًا ثابتًا (نظرية ذات بعد طبقي) يساعد على التماسك بالقيم الإنسان وضرورة العمل على تحقيق سعادة الإنسان الفرد والمجتمع من خلال تغيير علاقات الواقع القائمة على القهر والظلم والاستغلال والاستعباد والتفاوت الطبقي. بل هي تجرد الإنسان من قيمه الجمعية وبالتالي قدراته على تغيير الواقع من خلال تغيير علاقاته الاجتماعية, كونها تعتبر الإنسان قد أُلقي به هكذا جزافاً في هذا العالم, وسط مخاطر تؤدي به إلى الفَناء، ورغم كل ما أعطَوه للإنسان الفرد من حرية ومسؤولية عن أفعاله, فإن فكرهم ظل يتسم بالانطوائية الاجتماعية والانهزامية في مواجهة المشكلات المتنوعة التي تحيط بالإنسان, والتي دفعته أصلاً إلى هذه الحالات من الانطواء والتفرد والتشيئ والاستلاب والقهر والظلم والاستلاب.

الإنسان عند الوجوديين:

يؤمن الوجوديون إيمانًا مطلقًا بالوجود الإنساني، ويتخذونه منطلقًا لكل فكرة، ويعتقدون بأن الإنسان أقدم شيء في الوجود، وما قبله كان عدمًا، وأن وجود الإنسان سابقٌ لماهيته، ويقولون: إنهم يعملون لإعادة الاعتبار الكلي للإنسان، ومراعاة تفكيره الشخصي، وحريته، وغرائزه، ومشاعره. هذا وقُسم الإنسان إلى ثلاث نماذج في الفلسفة الوجودية وهي:

أ. رجل الجمال: هو الذي يعيش للمتعة واللذة ويسرف فيها، وشعاره (تمتع بيومك) (أحب ما لن تراه مرتين) ولا زواج عند هذا الرجل ولا صداقة، والمرأة عنده أداة للغزو وليست غاية.

ب. رجل الأخلاق: وهو الذي يعيش تحت لواء المسؤولية والواجب تجاه المجتمـع والدولة والإنسـانية, ولكن كما يراها هو كفرد وليس ككتلة اجتماعية لها هموم وطموحات ومصالح مشتركة. فهو مثلاً يؤمن بالزواج, ولكنه الزواج الذي لا علاقة له بدين أو غيره.

ج ـ. رجل الدين: وهو عندهم لا يحيا في الزمان، (ليس عند ربكم صباح ومساء) ولهذا فهو متجرد عن الدنيا، وأحواله في الجملة هي تلك الأحوال المعروفة عند الصوفية.

وقد تجد هذه الأنواع والصنوف عند رجل واحد, فيتدرج من المرحلة الجمالية إلى المرحلة الأخلاقية إلى المرحلة الدينية. ويستطيع الإنسان الوجودي كما بينا في مكان سابق من هذه الدراسة, أن يحل مشاكله بإرادته وحريته، فالإنسان مجبور أن يكون حرا. لذلك يطلب الوجوديون من الإنسان أن يكوّن نفسه. بمعنى أن يلتزم بطريقة يرضاها هو لإثبات ذاته. ويؤكدون على قيمة العمل الإنساني. والوجودية تسعى من الناحية التربوية إلى خلق إنسان يتصف بالقدرة على المبادرة، والسعي وراء الرُّقي والتقدم الشخصي من جميع النواحي، سواء أكانت جسمانية أم عقلية أم نفسية! وهذا لا يتم إلا من خلال فهم الإنسان لنفسه أولًا، والإنسان الذي يستحق المكافأة والثواب هو من لديه المبادرة والرغبة في التعلم والمعرفة، ويريد أن يبحث عن ذاته، ويحاول إبراز ذوات الآخرين، والبحث عن الخِبرات التربوية التي تسهم في بناء الوجود الذاتي.

القيم والأخلاق عند الوجوديين:

لا يؤمن الوجوديون بوجود قِيَم ثابتة توجه سلوك الناس وتضبطه، إنما كل إنسان يفعل ما يريد، وليس لأحد أن يفرض قيَمًا أو أخلاقًا معيارية معينة على الآخرين، وقد أدى فكرهم إلى شيوع الفوضى الخُلقية، والإباحية الجنسية، والتحلل والفساد. والوجوديُّ الحقُّ عندهم هو الذي لا يقبل توجيهًا من الخارج، إنما يسيِّر نفسه بنفسه، ويلبي نداء شهواته وغرائزه دون قيود ولا حدود. من هنا تأتي الوجودية تمرُّداً على الواقع التاريخي، وحرباً على التراث الضخم الذي خلَّفته الإنسانية.

ملاك القول:

لقد حظيت الحرية الفردية في الفلسفة الجودية باهتمام كبير, عند كل فرد وجودي وبأي اتجاه من اتجاهاتها, فالحرية عندهم ليست هي الحرية الملازمة للإنسان فحسب, بل هي جوهر وجوده أيضاً. فقيمة الإنسان في المحصلة هي حريته, بيد أن هذه الحرية في جوهرها عصية على التفسير عند الوجوديين, وهي لا يُعبر عنها بالمفاهيم, وبالتالي ظلت الحرية عندهم رغبة جامحة لتحقيق ما تحركه الغرائز أكثر مما يحركه العقل, فالحرية يعارضونها بالضرورة, التي تقوم على قوانين موضوعية وذاتية تفرضها البيئة الاجتماعية بكل مكوناتها التي يحياها الإنسان, وغالباً ما تشترط هذه البيئة اختيارات الإنسان أي تحددها. لذلك فحريتهم تأتي خارج المحيط الاجتماعي, فهي حالة باطنية, ومزاج نفسي, ومعاناة ذاتية. وعلى هذا الأساس تكون حرية بلا معنى أو قيمة, أو هي مبدأ شكلي فارغ ونداء عقيم لا فائدة منه. إن الحرية في الفلسفة الوجودية لا يهمها تحرير البشر من قسوة الطبيعة, ولا من ظلم الاستغلال الطبقي وصراعاته الدامية. إن الوجودية في مشروعها العام ليست أكثر من نصائح تقدم للفرد كفرد كي يبحث عن حريته في أعماق وجوده الذاتي المنعزل والمتعالي عن تناقضات الواقع وصراعاته وقضاياه الجوهرية في أبعادها الإنسانية العامة.

د. عدنان عويد :كاتب وباحث من ديرالزور- سورية
المراجع
1- تعريف الفلسفة الوجودية . موقع : موسوعة وزي وزي.
2- الفلسفة الوجودية: عرض المذهب ونقد الفكر. غادة الشامي شبكة الألوكة / ثقافة ومعرفة / فكر.
3- الوجودية. موقع نشرة المحرر – ٢٠ فبراير ٢٠١٦ .
4- الفلسفة الوجودية. للأستاذ عبد الفتاح الديدي . مجلة الرسالة – العدد 851 – بتاريخ: 24 – 10 – 1949
5- الوجودية – ويكيبيديا، الموسوعة الحرة .
6- موجز تاريخ الفلسفة – مجموعة من الباحثين السوفيت – دار الجماهير – دمشق –ار الفكر- 1979.ص 976 وما بعد.

 

الخميس : 25 أكتوبر 2018.