كانت للمهدي وقفات تنم عما يتميز به من ذكاء ونباهة وقدرة على الإقناع الاستقطاب، وهي مواصفات قلما اجتمعت في زعيم من زعماء العالم الثالث، والتي بدونها لم يكن ليتوفق في استقطاب عناصر من مختلف الأعمار والتوجهات والخلفيات والقطاعات للانضمام إلى انتفاضة 25 يناير 1959 وبعدها للالتفاف حول الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وإلا فمن بمقدوره الجمع بين قادة من أحزاب كانوا من قبل متنافرين لحد العداء من أمثال عبد الهادي بوطالب واحمد بنسودة من حزب الشورى والاستقلال وعبد لله الصنهاجي من الحركة الشعبية، والمحجوب بن الصديق ومحمد البصري من الجامعات المتحدة لحزب الاستقلال، ومن كان باستطاعته أن يوفق بين عناصر من مختلف القناعات التي انضوى ذووها في الاتحاد؟ إذ فيه التقى الوطنيون التقليديون بالشبان الدارسين في الشرق من ذوي الميول الناصرية أو البعثية، وهؤلاء جميعا بالمتخرجين من الكليات الغربية المتأثرين بثقافات منها ما هو فرنكفوني ومنها ماهو انجلوفوني أو اسباني؟ ثم من له القدرة على خلق إطار التأمت فيه عناصر من مختلف الايديولوجيات؟ ألم يتواجد في الاتحاد أشخاص ذوو توجهات إسلامية بآخرين ذوي نزوع ليبيرالي، أو اشتراكي، أو شيوعي؟ ألم ينضم إليه أفراد تقدميون وآخرون يمينيون؟ وهل خلا الاتحاد في بداية تأسيسه من أشخاص ينتمون إلى فئات اجتماعية مختلفة فيها فئة الأثرياء ومتوسطي الحال والكادحين ضحايا الفقر المدقع، دون إغفال احتواء الاتحاد على صنفين من المنتمين، أحدهما اعتاد ممارسة النشاط الحزبي بأسلوبه القديم، والآخر يريد التخلص من هذا الأسلوب، ودعنا مما احتواه من عناصر معتدلة تفضل العمل السياسي السلمي لمواجهة النظام، يقابلها أفراد من قدماء المقاومين والثوريين، ممن تكون لديهم اقتناع بسبب تعنت الحكم الفردي ألاّ سبيل إلى إخراج البلاد من وضعها المتردي إلا بالعمل المسلح. وكل هذه معطيات إن أضفنا إليها ما كانت تحيكه الدولة ضد الاتحاد كما اعترف بذلك احمد البخاري في مذكراته، تسببت في مرور الحزب بأزمات كان من شأنها أن تتسبب في وقوع انقسامات لا يستفيد منها إلا النظام لولا حنكة المهدي ويقظته.

ومن المعروف عن المهدي أنه كان يراهن على دعم العمل الحزبي بالعمل الجمعوي كما سبقت الإشارة إليه أعلاه، وأنه كان يعمل على استقطاب الشخصيات الوازنة لا سيما ذات المواقع النافذة في أجهزة الدولة.
وأذكر في هذا الصدد، أن هؤلاء المستقطبين كانوا أصنافا: صنف يحتفظ بأسمائهم لنفسه، وصنف لا يطلع عليهم إلا ذوو مسؤوليات حزبية مركزية أو محليون، وصنف كان يدفعهم لتحمل مسؤوليات في الأجهزة الحزبية أو يكلفون بإنجاز مهام داخل اللجان التقنية للحزب، وهناك صنف كان يكتفي بتكليفهم بدراسات، كلٌّ في مجال تخصصه.

وبالإضافة إلى المواصفات السالفة، كان المهدي ذا قدرة فائقة على البت والحسم، خاصة في المواقف الحرجة. أذكر من ذلك، نموذجين في مناسبتين حضرتهما بنفسي. ففي عام 1959 انعقد المجلس الوطني الاستشاري، وكان من بين القضايا المطروحة، البت في مسألة تأميم استيراد السكر والشاي. وكانت أغلبية هذا المجلس تعارض التأميم، فما كان من المهدي وفريقه إلا أن اقترح أن يكون التصويت على المشروع علنا حتى ينكشف للرأي العام، من هم ضد أو مع التأميم. وأمام هذا الحرج حاز المشروع على الأغلبية.

(***)

في عام 1963 عقدت اللجنة المركزية للاتحاد اجتماعا خصص للتداول بشأن الانتخابات التشريعية الأولى في المغرب. فكما هو معروف، فإن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية قاطع الاستفتاء على أول مشروع للدستور الذي جرى في شهر دجنبر عام 1962 باعتباره دستورا ممنوحا، يكرس الحكم الفردي ويفرغ الديمقراطية من محتواها الحقيقي.

وكان من الطبيعي، أن يكون موقف الاتحاد من الانتخابات التشريعية، هو نفس موقفه من الاستفتاء على الدستور، خاصة وأنه الموقف الذي اقتنع به أغلب المناضلين إن لم يكونوا كلهم. وهو الذي كان المتتبعون يتوقعونه، بل وإن الحكم، كان يخشاه لعلمه أن عدم مشاركة الاتحاد، وهو أقوى معارضة في البلاد، سيفضح النظام أمام المحافل الدولية، علاوة على ما سينجم عنه من انعكاسات سلبية في الداخل.

مازلت أذكر في هذا السياق، أن المهدي هو الذي افتتح الاجتماع، وأنه قام بعرض تحدث فيه عن الوضعية السياسية بعد الاستفتاء، معرجا على ما اتخذ من قرارات في المجلس الوطني المنعقد مباشرة بعد نتائج الاستفتاء على مشروع الدستور، ومذكرا بما ينبغي القيام به من جهد في سبيل إحباط مناورات الخصوم الذين سيبذلون قصارى جهودهم لإقصاء الاتحاد من الساحة، وسيعملون بدون هوادة لإخراجه من المنافسة، ليتأتى لهم الاستحواذ على مجلس نواب لتمرير قرارات ومشاريع لا يستفيد منها إلا خصوم الجماهير الشعبية، دون أن يجدوا معارضة داخل قبة البرلمان، ثم أحال الكلمة على عبد الرحيم بوعبيد الذي ارتجل عرضا مسهبا، تطرق فيه للوضع في البلاد خاصة بعد إقرار الدستور، وما طرأ من متغيرات كلها تصب في اتجاه تثبيت دعائم الحكم الفردي، والدفع بالمغرب إلى تكريس عوامل التخلف وخدمة المصالح الأجنبية ثم حذر من ترك البرلمان لهيمنة أحزاب الإدارة ليخلص إلى قرار الكتابة العامة القاضي بالمشاركة من أجل اتخاذ البرلمان منبرا ،من خلاله يمكن فضح سياسة النظام اللاشعبية.

ودون التطرق لما حدث في الاجتماع ،عقب انتهاء عبد الرحيم من عرضه، الذي خلص فيه إلى اقتراح الكتابة العامة القاضي بالمشاركة.. اكتفى بالإشارة إلى أن الاقتراح، أثار نقاشا حادا كاد يعصف بالاجتماع لولا تدخل المهدي، الذي تناول الكلمة ليوضح بعض النقط التي وردت في عرض بوعبيد بطريقة أكثر دقة وجرأة، مبرزا ما اعتبره آراء صادرة عن عدم استيعاب طبيعة المرحلة وعدم تمثل خلفيات وأبعاد قرار الكتابة العامة التي عمد إلى إبرازها بأسلوب جعل كل من في القاعة، وكأن على رؤوسهم الطير، وبذكائه، وفطنته وقدرته على الإقناع، وقبل هذا وذاك ثقة المناضلين في وجاهة رأيه، استطاع أن يعيد للقاعة هدوءها فيسأل هل من متدخل؟ إلا أن الحاضرين اكتفوا بتبادل النظرات.. وبعد ذلك أعلن عن اختتام الجلسة، طالبا من كتاب الأقاليم موافاته في مكتبه ليستلموا الوثائق.. ومباشرة بعد هذا الاجتماع صدر عن الكتابة العامة بلاغ من أشد البلاغات حدة، وأدقها وضوحا لموقف الاتحاد من النظام.

جرت الحملة الانتخابية وأعلنت النتائج كما أرادها الحكم، وبعدها غادر المهدي وطنه ثم صدرت في حقه أحكام عدة بالإعدام ويغيب عنه ليبقى في ذاكرة الشعب المغربي قائدا مخلدا، وفي اعتبار علم السياسة رجل دولة وإن لم يتقلد مناصب حكومية رسمية.

وبعكس ما كان يشاع عن المهدي من شدة وقسوة، كان لبقا ولكن في غير ضعف، وذا لياقة ولكن من دون نفاق، ومتجاوزا ولكن من دون بلوغ المتجاوز عنه حد التسيب. والى جانب هذه الصفات، كان يحترم الوطنيين الذين شاطرهم الوطنية إبان الحماية، وإن اقتضت الظروف بعدها أن يصبحوا من خصومه، ولاسيما رموز الوطنية كعلال الفاسي وعبد العزيز بن ادريس، اللذين اكتفى بذكرهما لأنهما معنيان بما سأستشهد به في الموضوع.

(***)

كان المهدي هو المرجع الذي يلجأ إليه كل من يريد التأكد من هوية التنظيم السياسي الجديد، وسواء في التجمعات العمومية أو في الندوات الصحفية، فإن ما يشفي الغليل، هو ما يصدر عنه من أجوبة أو تصريحات، خاصة عندما كان مولاي عبد لله ابراهيم وعبد الرحيم بوعبيد لايزالان مسؤولين في الحكومة من دجنبر 1958 إلى ماي 1960 وحتى بالنسبة للمناضلين الاتحاديين، فإن المهدي، هو الذي كان يلجأ إليه خاصة في المسائل التنظيمية، وفي حل المشاكل التي كانت تطرأ أحيانا وهي من طبيعة العمل الحزبي، إذ كثيرا ما يتنقل من الرباط إلى منطقة ما، مهما كان بعدها إما للاطلاع على شؤون الحزب وسيره، أو ليحل ما كان يحدث بها من منازعات أو خلافات بين الأعضاء المسؤولين في مكاتب الأقاليم أو الفروع.

وكان رحمه لله، مدركا تمام الإدراك، وبعد تجربة طويلة في الحقل الحزبي، أن أي حزب يعتمد على جماهير عائمة غير مؤطرة، مآله التسيب والميوعة ثم الاضمحلال.

وإلى جانب هذه الاهتمامات، كان حريصا على توسيع نشاط الحزب والعمل الجمعوي ليغطي كل أرجاء البلاد، وكان علاوة على الاعتماد على مسوؤلي الفروع، كثيرا ما يقوم بزيارات تفقدية إلى فروع الحزب، إما بطلب من مسؤوليها، أو بمبادرة منه، ولا فرق لديه بين القريب منها والنائي. كان هذا ديدنه منذ صار مسؤولا قياديا في حزب الاستقلال وحتى عهد الحماية. من ذلك ما حدثني به أحد الذين رافقوه في زيارة قام بها إلى فجيج عام 1951، حدثني هذا المرافق رحمه لله وهو الذي ساق السيارة التي استعملها للزيارة، قال: «لما وصلنا إلى فجيج فوجئنا بالمهدي يأمره بالتوجه إلى مقر «المراقب»، فاستغربنا، وسألناه عن السبب، فرد: هذا أحسن من أن يصله الخبر بطريقة أخرى، وبهذا يصبح وجودنا تحت مسؤوليته… لم يسعني إلا تنفيذ رغبته، وكانت مفاجأتنا أكثر، عندما استقبلنا «المراقب»، ذلك أن المهدي قدم له نفسه كصحفي يريد إنجاز عمل صحفي عن البلدة.. وقد مرت الزيارة كما خطط لها المهدي دون أن يلحقنا أي أذى من المراقب وأعوانه»، وهذا ما أكده لي المهدي نفسه بعد انتفاضة 25 يناير 1959. ولما استفسرته عن جلية ما أقدم عليه، ابتسم وقال لقد جربت هذه الطريقة في كثير من المناطق، ولم أصب بأذى، وأقصى ما ووجهت به في بعضها، هو منعي من البقاء، هذا بالنسبة للمناطق التي يكون فيها المراقبون من غلاة الاستعمار، أو ليس بها من يحتج على منعنا. أما فجيج فكل سكانها كانوا وطنيين، لهذا خشي المراقب من إثارة غضب أهلها، فسمح بالزيارة، ومرت بسلام.. ولم يفته أن يسألني عن مرافقه السائق، وهل مازال حيا وكيف حاله، فأخبرته بأنه بخير، ثم رجاني أن يتصل به عند زيارته لمدينة وجدة، وهذا ما لم يحصل. فعندما زار المهدي مدينة وجدة في إطار الحملة الانتخابية البرلمانية لعام 1963 كان هذا المرافق منتسبا لوزارة الداخلية كشيخ بمقاطعة حضرية. ولهذا وتلافيا لكل إحراج أو إلحاق أذى به، عدل عن ترتيب الاتصال بينهما.

كان الشغل الشاغل للمهدي، والذي ظل مهووسا به، هو عنصر التنظيم في العمل الحزبي، هذا ما لمسته ولاحظته عن قرب، خاصة بعد انتفاضة 25 يناير 1959. فمنذ هذا التاريخ لم يعرف المناضلون المهدويون أو الانفصاليون، كما كان ينعتهم الاستقلاليون لذة الراحة. فعلاوة على أنشطة فروعهم، كان عليهم أن يحضروا الاجتماعات الدورية على الصعيد الوطني وما أكثرها. وحسب ما أذكر، فقد كانت تعقد مرة كل شهر، لاسيما في المرحلة الأولى للتأسيس، إضافة إلى اللقاءات المحلية، التي كان يحضرها أعضاء من الكتابة العامة الوطنية للاتحاد، والتي غالبا ما يكون على رأسهم المهدي بنبركة.

 

الاحد : 28 أكتوبر 2018.