يكاد يُجمِع الباحثون على أن دول منطقة الشرق الأوسط التي عصف بها ما سُمِّيَ بـ “الربيع العربي” لم تعد قادرة على إعادة توحيد نفسها، وأن الصراع في هذه المنطقة أصبح يرمز إلى ظاهرة خطيرة لا تحمد عقباها، حيث تفككت بعض الدول إلى فصائل قبلية وطائفية امتد بعضها إلى بلدان أخرى مجاورة. وتعيش هذه الفصائل صراعات عنيفة تتدخل فيها وتوجهها أطراف وقوى خارجية، دون أن تُحترم في تلك النزاعات أية قواعد دولية غير استخدام القوة. لقد تغير النظام في بعض هذه البلدان، لكن الغالبية لم تقبل أي سلطة جديدة باعتبارها سلطة شرعية، ما أدى إلى تطاحنات عنيفة بين مختلف الفصائل الطائفية والقَبَلِية التي انخرطت في نزاع مفتوح بين بعضها البعض. وقد نجم عن ذلك سيادة الفوضى في أجزاء كثيرة من البلد الواحد، وهو ما جعل الحكومة المركزية غير قادرة على فرض سلطتها داخل الحدود الوطنية، حيث ظهرت هناك كيانات تفوق في سلطتها أحيانا سلطة الدولة مثل حزب الله، وطالبان، والقاعدة، وداعش. كما حدث هذا في باكستان والعراق وليبيا واليمن.

هكذا، ففي العراق لم يؤد حل نظام صدام حسين إلى بناء عراق ديمقراطي، بل إلى انتشار انتقام مُعمَّم، إذ عملت كل طائفة على تعزيز سطتها بهدف السيطرة على الفصائل الأخرى، كما أدت الإطاحة بنظام معمر القذافي إلى قيام القبائل والطوائف بتسليح نفسها بغية تحقيق الحكم الذاتي أو السيطرة على البلاد بواسطة الميليشيات. ورغم أن حكومة طرابلس قد حصلت على اعتراف دولي، فهي ظلت عاجزة عن بسط نفوذها خارج العاصمة، فانتشرت الجماعات المتطرِّفة بشكل كبير أدى إلى اندلاع العنف والجهاد والعمليات الانتحارية في الدول المجاورة، حيث تم استخدام الأسلحة التي تم نهبها من ترسانة أسلحة القذافي في القيام بأعمال تخريبية في دول الجوار…

يرى هنري كيسنجر في كتابه “النظام العالمي” أنه عندما تنعدم سلطة الدولة في سائر أنحاء بلد معين، فقد يؤدي ذلك إلى تفكك النظامين الإقليمي والدولي، كما وقد ينجم عن ذلك تحويل أراضي البد الذي انهارت فيه السلطة إلى قاعدة للإرهاب وتهريب السلاح، والكراهية القبلية، والحقد الطائفي والقَبَلِي ضد الجيران. وهو ما تؤكده الوقائع، إذ أصبحت المحاور والجماعات والطوائف الخارجة عن سيطرة الدولة في العالم العربي والإسلامي تمتد على مساحات شاسعة من العالم الإسلامي، تشمل ليبيا، ومصر، واليمن، وغزة، وأفغانستان، وسوريا، والعراق، ومالي، والسودان، وأفريقيا الوسطى، والكونغو، وجنوب السودان.

نتيجة لذلك، أصبحت هذه البلدان تعيش في قلب نزاع وصراع ديني شبيه بالحروب الدينية التي عاشتها أوروبا في القرن السابع عشر، وأدت، في سعي لوضع حد نهائي لها وضمان عدم تجددها، إلى نشأة الدولة القٌطرِية في أعقاب معاهدة وستفاليا. كما أن الدول التي تتفكك في الشرق الأوسط ومحيطه تتحول إلى ساحة للمنافسة بين القوى المحيطة بها، حيث تجد كل قوة في انعدام الاستقرار في هذا البلد أو ذاك فرصة لبسط نفوذها فيه، فتسعى كل واحدة منها إلى فرض سلطة فيه تابعة لها، وذلك دون اعتبار لكرامة الإنسان وللقيم الإنسانية…

لقد أدى انهيار الدولة بهذه المنطقة إلى انهيار مفهوم الوطن، حيث انتهت فكرته كما هي موجودة ومُمَجَّدة في المجتمعات المتحضرة، وحلت محلها فكرة الطائفة، أو القبيلة، أو العشيرة، أو حتى العائلة. وهذا ما يشكل نكوصا تاريخيا كبيرا، لأن القبيلة والطائفة تناقضان أنثروبولوجيا فكرتي الوطن والدولة الوطنية وتعوق بناءهما. كما أن المواطن في العالم العربي الإسلامي ليس مُواطنَ الوطن بقدر ما هو مواطنُ القبيلة والعشيرة والعائلة.
إضافة إلى ذلك، لقد نجم عن انهيار الدولة في هذه المنطقة تفكك المجتمع على أسس طائفية وقَبَلِية… كما استفحلت البطالة، وتراجع التعليم والاقتصاد بشكل متواصل، رغم توافر مواردها الطبيعية. ويكفي أن نشير هنا إلى أن البلدان العربية والإسلامية تتحمل أعلى نفقات عسكرية في العالم…

 

الثلاثاء : 30 أكتوبر 2018.