يتعلق الأمر في هذا المقال بقراءة كتاب الأستاذ موريس بوتان:» الحسن الثاني، ديغول، بن بركة، ما أعرفه عنهم». وكان الدافع إلى القراءة مشاركتي في ندوة نظمت بمدينة فاس بحضور المؤلف، في إطار إحياء الذكرى التاسعة والأربعين لاغتيال المهدي بن بركة، أحد رموز الحركة الوطنية المغربية، و»دينامو» الحركة المناهضة للاستعمار وطنيا وعربيا ودوليا.

بعد مرور سنة على تقديم هذه المداخلة حصل حدث هام له علاقة بالموضوع، وهو أخذ عبدالرحمان اليوسفي مبادرة تنظيم ندوة لإحياء ذكرى مرور خمسين سنة على الاغتيال. أقول حصل حدث هام لأن الندوة تمت خارج الإطار الحزبي، وتلقى فيها المشرف على تنظيمها، رفيق وصديق الضحية، رسالة من جلالة الملك محمد السادس تكفل بتلاوتها الأستاذ عبدالرحمان اليوسفي نفسه. هكذا ارتأيت أن أجمع في المقال بين مداخلتي وبعض الدلالات القوية التي حملها هذا اللقاء الذي كان في نظري مفاجئا من حيث الشكل والمضمون معا.
إن طبيعة ندوة الرباط هي التي جعلتني أختار عنوان: «المهدي بن بركة بين الذاكرة والتاريخ». سيتضح هذا الاختيار للقارئ عبر اطلاعه على تفاصيل النص، وأكتفي هنا بالإشارة إلى أن الأستاذ موريس بوتان بذل جهدا كبيرا للكتابة عن بن بركة اعتمادا على الذاكرة وللإبقاء على القضية حاضرة في الذاكرة؛ في حين يسعى منظمو ندوة الرباط إلى العمل على إخراج القضية من الذاكرة لإلحاقها بالتاريخ عبر تحديد بعض الأفكار التي سيسمح العمل وفقها بإنجاح هذه المسألة.

قرأت كتاب موريس بوتان وأنا أتساءل عن الجوانب التي ينبغي أن أقدمها (أو يمكن أن أقدمها) في لقاء خاص بإحياء ذكرى متصلة بالاغتيال السياسي. تساءلت عن طريقة التعامل مع الكتاب للتمكن من تقديم مقال مناسب للمقام.

لا أخفي أن فصح الكاتب من حين لآخر عن نيات متعددة وسط تقديمه للشخصيات الثلاث التي خصص لها كتابه هذا ساعدني بشكل كبير في توجيه مداخلتي وتحديد مضمونها. يغلب الطابع التاريخي على محتوى الكتاب، غير أن المؤلف يؤكد أن عمله لا ينحصر في المجال التاريخي، ولا يهدف إلى القيام بعمل المؤرخ. إنه منشغل بمجال الذاكرة، ذاكرته هو، والعنوان ذاته واضح في هذا الصدد: «الحسن الثاني، ديغول، بن بركة: ما أعرفه عنهم». بل يمكن القول إن المؤلف (وهو حاضر هنا ليصحح قولي في ما بعد) يسعى إلى الإبقاء على بن بركة في مجال الذاكرة بدل تناوله في إطار التاريخ. وذلك ربما إيمانا منه بـ»أن الذاكرة، كما يقول أحد كبار المهتمين بالموضوع، ظاهرة آنية (فاعلة actuel). إنها حيز يتم عيشه في حاضر أزلي، في حين أن التاريخ تمثل للماضي. تظل الذاكرة، من هذا المنظور، مطلقة، في حين لا يعرف التاريخ إلا ما هو نسبي.»

لماذا هذا الأمر؟ يقدم لنا المؤلف الجواب منذ الصفحات الأولى من كتابه حيث يقول لنا إن بن بركة شكل «قضية حياته» (cause de sa vie). لعل الكلمة العربية «القضية» أكثر تلاؤما هنا في ما يخص علاقة المؤلف ببن بركة، ذلك لأنها تحمل المعنى القانوني والسياسي معا. وهذا ما حصل فعلا بالنسبة للأستاذ موريس بوتان. شكل بن بركة قضيته داخل المحكمة أي في إطار القانون، كما شكل قضيته أمام ووسط هيئات أخرى من طبيعة سياسية محضة. نستند هنا طبعا إلى مضمون الكتاب كما يمكن أن نستند مرة أخرى إلى العنوان ذاته: «الحسن الثاني، ديغول، بن بركة: ما أعرفه عنهم». إنه يتناول شخصيات سياسية، بل شخصيات كبيرة في المجال السياسي. وكثيرا ما يؤكد هو ذاته على هذه المسألة.

ما علاقة الذاكرة بالمجال السياسي، أو بالطرح السياسي لقضية بن بركة؟ وما دافع الكاتب إلى طرح قضيته في إطار سياسي بدل الإبقاء عليها في الإطار القانوني الذي هو مجال اشتغاله الأصلي والأساسي؟
قبل الانتقال إلى تلخيص جواب المؤلِّف عن هذا السؤال، أود الإشارة إلى أننا أمام كتاب يتطلب التأني في القراءة، لأن صاحبه اعتمد فيه دقة التحليل وقوة التدليل وكثرة التفصيل، مما يجعل القصد أحيانا يُمرَّر عبر الإيحاء بدل أن يُقدَّم عبر الفصح والجلاء. يمنح الكاتب مؤلّفه أبعادا متعددة في تناوله لموضوعه، فالرجل قانوني وحريص على تبيان تضلعه في هذا المجال وتفانيه في أداء مهنته؛ كما أنه ملم بالمجال السياسي وملتزم في إطاره على المستويين الفكري والعملي معا. نسجل في الكتاب أيضا حضور المستوى الأخلاقي حيث يثير الكاتب تقديره للصداقة والأصدقاء، وأيضا أهمية الاعتراف بصفات وكفاءات الآخر بغض النظر عن التباين والاختلاف في المواقف؛ يظهر الكتاب أيضا الجانب الوطني للمؤلِّف حيث نسجل دفاع هذا الأخير عن سمعة وطنه، فنجده يندد بالسياسة الفرنسية المناهضة للمبادئ التي تأسست عليها الجمهورية الفرنسية رغبة منه في الحفاظ على استمرار صورة فرنسا التي رسمها لها مثقفوها وثوارها في مجال التاريخ.

أعود بعد هذه الإشارة إلى السؤال الذي طرحته قبل قليل، والمتصل بدافع الكاتب إلى تمديد طرح قضيته إلى الإطار السياسي بدل الإبقاء عليها في الإطار القانوني الذي هو مجال اشتغاله الأصلي والأساسي. عناصر الجواب متعددة، أولا لأن جريمة الاختطاف والاغتيال متصلة بشخصية سياسية، ثانيا لأن بعض المتهمين فيها، حسب المؤلف، وحسب الرأي العام الوطني والدولي، سياسيون، ثالثا لأن معوقات كثيرة اعترضت السير العادي للقضية على المستوى القانوني كانت معوقات سياسية، رابعا، وربما هو العامل الأهم، لأن الأمل في إيجاد حل لقضية بن بركة مرتبط بالجانب السياسي أكثر مما هو مرتبط بالجانب القانوني. يمكن القول، إن كان فهمي لمحتوى الكتاب صائبا، إن قضية بن بركة استنفدت من الناحية القانونية، ولكنها ما زالت مطروحة من الناحية السياسية، بل إن السياسة وحدها الآن يمكنها أن تُبقِي على القضية مفتوحة أو أن تجد لها الحل المنصف. إنها في حاجة إلى إطار سياسي ومبادرة سياسية.

وحتى أكون أكثر وفاء لمضمون الكتاب أقول: يأمل الكاتب أن تحصل المبادرة السياسية الضرورية للحل المطلوب للقضية في بلد بن بركة ذاته، المغرب، ذلك لأن البلد الذي اختطف فيه واغتيل فيه، لم يعد قادرا على إضافة جديد على المستويين القانوني والسياسي معا. لقد تم رفع السرية في فرنسا عن الأرشيف الخاص بالضحية وتبين أنه لا يضيف معلومات تفيد في ما يخص حقيقة الاختطاف والاغتيال. ظلت السرية، حسب الأستاذ موريس بوتان، مفروضة على الأرشيف في فرنسا أساسا من أجل التمويه وربح الوقت، بمعنى آخر، من أجل الدفع بقضية بن بركة إلى التاريخ، أو إلى ما هو أعوص من ذلك، أي نقيض الذاكرة: النسيان. ويشكل هذا الأمر في حد ذاته طابعا سياسيا لقضية بن بركة، غير أنه جانب سياسي يهم ماضي هذه القضية ولا يفيد حاضرها ومستقبلها. إن فرنسا معنية، وفي حدود، بماضي قضية بن بركة من الناحية القانونية والسياسية، ولكنها لم تعد معنية بحاضرها ومستقبلها في ما يتصل بالكشف عن الحقيقة.

يتوصل الكاتب إلى هذه الخلاصة بعد عرض تفاصيل المحاكمتين اللتين تمتا في فرنسا طبعا. تمت الأولى خلال سنة 1966، وجرت الثانية خلال السنة الموالية 1967. يدخل في تفاصيل دقيقة وكثيرة على مستوى المعطيات والدلائل والحجج وتأويلاتها لدى جميع أطراف المحاكمة: الطرف المدني والمتهمون والجهاز القضائي. يبين بوضوح كبير وجود نية ورغبة لدى الأطراف المسؤولة (قانونيا وسياسيا) في توجيه القضية مع الحرص الشديد والعزم الكبير على الإسراع في الانتهاء منها، وبالخصوص على عزلها عما يمكن أن يجعل منها قضية سياسية، لحصرها في الإطار الذي وضعت فيه في البداية أي الإطار القانوني.

يمكن القول إن موريس بوتان يبذل جهدا كبيرا لجعل قضية بن بركة تجمع بين الطابع الحقوقي والسياسي في فرنسا، ولتظل قضية سياسية محضة داخل المغرب وبالنسبة للمغاربة رغم الجوانب التي تجرها إلى المجال القانوني. إن مثل هذا المنطلق هو الذي جعل الكاتب يدافع عما يمكن أن نسميه الطابع السياسي العرضي لدى الجانب الفرنسي في قضية بن بركة، وعن طابعها السياسي الأساسي والحاسم لدى الجانب المغربي. بدأت القضية سياسية في المغرب وظلت كذلك إلى اليوم، لهذا يشكل بلد بن بركة، في نظر الكاتب، الجانب الأساسي فيها. أما اندراجها في الإطار السياسي داخل فرنسا فإنه حصل فقط نتيجة خلل داخل جهات تابعة للدولة وليس نتيجة إرادة سلطات عليا في الدولة.هنا يكمن الفرق، ومن هنا يأتي التباين، في نظر الكاتب، في ما يتصل بمسؤولية الدولتين في القضية. والأكثر من هذا فإن الكاتب يختزل القضية داخل المغرب في مواجهة بين الملك الحاكم آنذاك، الراحل مولاي الحسن، كما يناديه المؤلف ذاته، من جهة، والمعارض للنظام وللملك، المهدي بن بركة من جهة ثانية.

أظن أن الترتيب الذي اختاره موريس بوتان للشخصيات الثلاث في الكتاب له دلالة كبيرة. الحسن الثاني، دوغول، بن بركة. إن وضع دوغول في الوسط معناه، من دون شك، أن الرئيس الفرنسي (وبلده بشكل عام) وُجد عرضا في حصول الحدث وفي مجرى القضية، وأن أطرافها الحقيقيون هم الأول والثاني، أي الحسن الثاني وبن بركة.
توجه هذه الفكرة مجمل فصول الكتاب، كما أنها تلعب دورا في تحديد طبيعة مواقف مختلف الشخصيات والهيئات السياسية في ما يتصل بأهميتها في اختطاف واغتيال بن بركة، وكذلك في ما يتصل بالشق الثاني منها والمتعلق بالبحث عن حقيقة الاختطاف والاغتيال، ومصير الجثة. ينتبه القارئ إلى استعراض موريس بوتان لمواقف عدد كبير من الشخصيات والهيئات السياسية، الفرنسية والمغربية، اليمينية واليسارية، المنتمية إلى دائرة بن بركة والبعيدة عنها، ليبين لنا ما يمكن أن نسميه بالموقف السلبي لدى الجميع من المناضل المهدي بن بركة. يتعلق الأمر بموقف سلبي لأن هذه الشخصيات والهيئات لم تفد الكاتب في العملية التي تجند من أجلها ألا وهي البحث عن حقيقة الاغتيال. لا يخفي الكاتب أن كثيرا من أصدقاء المناضل والشهيد تهربوا من الأمر اعتمادا على مبررات تتناقض تماما وما تقتضيه وضعياتهم السياسية من نبل وشجاعة وأخلاق وإنسانية حينما يتعلق الأمر بمثل هذه القضية التي تطلب منهم تقديم المساعدة بصددها، أي المساهمة في التوصل إلى الحقيقة.
غير أن استعراض الكاتب لمواقف مختلف الشخصيات والهيئات يتم أساسا لإغناء التوثيق عبر التذكير بالأحداث، وكذلك لجعل ترددهم السياسي والأخلاقي بمثابة اعتراف بعدم إمكانية المساهمة في الكشف عن الحقيقة أكثر مما هو نية في إخفائها وطمسها. توجد حقيقة اختطاف واغتيال بن بركة، حسب كتاب موريس بوتان، بالرباط ولدى أشخاص محدودين وعلى رأسهم الملك الراحل الحسن الثاني، ذلك لأن طرفي المعادلة التي نتج عنها موت بن بركة لا تخرج في نهاية المطاف عن كاتب الاختيار الثوري والراحل الملك الحسن الثاني. لا تُستحضَر الشخصيات السياسية الأخرى التي قد تبدو معنية في المعادلة سوى بشكل عرضي، بما في ذلك الرئيس الفرنسي ديغول.

إن طرح المعادلة بالشكل الذي لخصناه هنا هو الكامن وراء بدء موريس بوتان في كتاب مخصص لاغتيال بن بركة بالعودة إلى بداية الاستعمار الفرنسي للمغرب. إنه يتوخى من ذلك الكشف عن الصراع الكامن بين المسؤولين الفرنسيين عن سياسة الدولة الفرنسية داخل المغرب وبين السياسيين المغاربة الممثلين في السلطان والمؤسسة الملكية بشكل عام، وكذلك المقاومين المناهضين للحماية ثم المناضلين المنظمين في إطار هيئات سياسية. ولعل الدرس الذي يستخلصه موريس بوتان من مرحلة ما قبل الاستقلال هو كون بن بركة مثل لمدة لا بأس بها عدوا حقيقيا للمقيم العام ولفرنسا بوجه عام. لقد كان أصغر مناضل يوقع وثيقة المطالبة باستقلال البلاد، ويتجرأ على طرح موقف سياسي يمس المصالح الفرنسية في العمق، ويخلق بذلك موقفا عدائيا يستدعي المواجهة والعقاب. فعلا تم الحكم على بن بركة بالسجن، لأن السياسة الفرنسية في المغرب، كما هو الشأن في المستعمرات الأخرى، تتلخص في قول المقيم العام بو ( PUAUX) « يجب أن يستأصل هذا اللفظ [الاستقلال] من اللغات والقلوب» (ص 28).

يثير الأستاذ بوتان، بعد هذا الحدث المتصل بالمطالبة بالاستقلال، حدثا آخر جعل بن بركة يصبح «عدو فرنسا الأول» ويدفع بالجنرال جوان إلى الأمر باعتقاله سنة 1951 لينفى إلى جنوب المغرب إلى حدود أكتوبر 1954. يتعلق الأمر «بتكليف الحزب لابن بركة، باعتباره كاتبه العام، بمهمة خاصة لدى الأمم المتحدة التي كان مقرها في باريس، في إطار مساعي الحزب الحصول على الدعم الخارجي، [حيث] صاغ بن بركة تقريرا عن وضعية حقوق الإنسان في المغرب»(ص 30).

يذهب الكاتب إلى التعبير بكل وضوح عن كون بن بركة لم يعد يمثل العدو الرئيسي لفرنسا بعد الإفراج عنه مع مجموعة من رفاقه المناضلين من أجل استقلال المغرب، لقد اقتنع السياسيون الفرنسيون بضرورة أخذ مبادرة الحوار مع القوى السياسية المغربية قصد إطفاء موجة السخط المتنامية لدى الشعب والحد من التصدي المتصاعد لهذا الأخير للمسؤولين عما يسمى بنظام الحماية في المغرب. وسط هذا المناخ السياسي الجديد الذي لم يعد فيه بن بركة العدو الرئيسي للفرنسيين، يحصل تعميق وتأصيل في الموقف السياسي لابن بركة يجعله يتميز وسط السياسيين المغاربة ويأخذ منحى يتعارض شيئا فشيئا مع باقي التصورات المتصلة بالاستقلال. يسعى المؤلف إلى أن يوحي للقارئ بأن مرحلة ما بعد 1952 هي مرحلة نشأة خلاف جديد بين المهدي (سيكون في ما بعد عبارة عن صراع ثم صراع حاد ومن دون رجعة) والقوى السياسية المغربية ليصبح الصراع مع مرور الوقت صراعا داخليا أكثر مما هو صراع خارجي، سيصبح الخلاف ابتداء من التاريخ المذكور قائما حول طبيعة الاستقلال وليس فقط حول الاستقلال، وسيحدث هذا النوع من الخلاف تغييرا في أطراف الصراع وطبيعة الصراع. سيبدأ التفكير في طبيعة السلطة وطبيعة الحكم اللذين ينبغي أن يقوما في المغرب.

يقول موريس بوتان « أدرك المهدي بعد الإفراج عنه أن الحركة الوطنية لم تعد حركة الطبقة البورجوازية، بل أصبحت ملكا لكل أفراد الشعب المغربي. صحيح أنه كان يتزعم الاتجاه الأكثر مناهضة لكل توافق مع السلطات الفرنسية، ولكنه لم يكن أبدا «عدوا لفرنسا» كما يحلو للكثيرين أن يرددوا. كان ببساطة يعتقد أن المغرب يجب أن ينال حريته كاملة، وألا يقنع باستقلال صوري، مما سيمكن الشعب المغربي من الاستفادة من ثروات وطنه، ليعمل على الدفع به في درب التحديث، مما سينعكس إيجابا على مستوى سكانه. باختصار، ظل المهدي دائما يناصب العداء لكل ما يمت بصلة إلى الاستعمار الجديد. ويبدو أن إدغار فور Edgar Faure، الذي تسلم رئاسة الحكومة الفرنسية في دجنبر 1954، قد استبق الأحداث وعين في ربيع 1955 مقيما عاما جديدا جيلبر غراندفال Gilbert Grandval ، وكلفه بمهمة التعجيل بإطلاق المفاوضات مع أعضاء الحركة الوطنية، غير مبال بمشاعر الاستياء والمرارة التي أثارها قراره في نفس مواطنينا المقيمين بالمغرب « .

يوضح الكاتب أن هذا التعيين الجديد سيخلق جوا سياسيا جديدا يجعل قوة الاحتلال تتصدى من جهة للمغاربة المنفذين للعمليات التي «يتبناها الهلال الأحمر الخاضع لسيطرة الشيوعيين، أو الجناح المسلح لحزب الاستقلال، الذي يطلق على نفسه اسم المنظمة السرية؛» (ص 39)، وتواجه من جهة ثانية ردود أفعال الفرنسيين المقيمين بالمغرب المتشبعين بالعقلية الاستعمارية الذين لا يترددون في الانتقام من المغاربة، دون أن يهمل الكاتب ذكر ما يسميه»بحركات « الفرنسيين الأحرار « [الذين وجهوا] نداء إلى رئيس الجمهورية روني كوتي لمطالبته باتخاذ إجراءات مستعجلة لإيقاف الأزمة، وحذروا من احتمال وقوع اضطرابات خطيرة في الأيام التالية» (ص40).

غير أن سعي الكاتب من خلال إثارته لهذه النقطة، رغم كل ما تحمله من موضوعية في ما يتصل بذكر الأحداث وتسجيلها، هو إبعاد الصراع المباشر، وبالخصوص العداء الواضح بين المستعمر الفرنسي وبن بركة، مع العمل في الوقت ذاته على التوطئة لتحويل الصراع بين هذا الأخير والسياسيين المغاربة خاصة بينه وبين المؤسسة الملكية. سيؤدي الجو الجديد السائد في إطار هذه المعطيات الثلاثة إلى تعجيل تنظيم مؤتمر إيكس ليبان الذي سيخرج فرنسا من الصراع والمواجهة مع السياسيين المغاربة، ومن ثمة انتهاء العداء الدفين ضدهم، أي الانتهاء من التفكير في طرق الانتقام منهم، خاصة مسألة الاغتيال.

هكذا نجد الكاتب يثير انتفاء الصراع بين فرنسا وبن بركة مباشرة عند تعرضه لما أسماه الأسابيع الأخيرة من عمر الحماية، وبالضبط في الفقرة الثالثة من تناوله لهذه النقطة، حيث يقول: « وغداة «اتفاق إيكس ليبان» أشاد المهدي بن بركة مثل باقي الأعضاء بهذه النتيجة التي أدت إلى إركاع فرنسا الاستعمارية وجورج بيدو وعصابته الذين قرروا نفي الملك. ولكنه في ما بعد، سيغير نبرته المتفائلة في التقرير الذي قدمه إلى المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية في ربيع 1962. فقد تبين له أن هذه الاتفاقية إن كانت دون شك في صالح المغرب، فإنها تعود بالنفع أساسا على الملكية… «.

يستعرض موريس بوتان «اتفاق إيكس ليبان» وعودة السلطان محمد الخامس من المنفى إلى العرش، وانتهاء عهد الحماية، وبداية التفكير في ترسيخ الاستقلال وتجسيمه، لهدف واحد ألا وهو إبعاد بلده فرنسا من الصراع داخل المغرب، وبالخصوص مع بن بركة وحزبه، ليدعم بإلحاح انتقال الصراع إلى وسط السياسيين المغاربة الذين سيتولون شؤون التسيير في البلاد ويتقلدون الحكم ويمارسون السلطة. هذا مع حضور هاجس أساسي لدى المؤلف وهو إبراز ضيق دائرة هذا الصراع، في نهاية المطاف، بين بن بركة والملك الحسن الثاني. لا يخفي الكاتب التأكيد على رغبة مختلف المنتمين إلى الحركة الوطنية والممثلين أساسا في حزب الاستقلال في الظفر بالسلطة والحكم، بل بقناعتهم بذلك، لأنهم هم من دافعوا عن استقلال البلاد وعلى عودة الملك محمد الخامس من المنفى، حيث قرنوا دائما الدخول في المفاوضات مع الفرنسيين بدخول محمد الخامس إلى المغرب وباعتباره ملك البلاد. لن يأخذ الاستقلال معناه في نظرهم، وحسب المؤلف، إلا في إطار الملكية والتي لا يمكن أن يجسمها إلا الملك محمد الخامس. لن تحصل السيادة بالمعنى السياسي الحديث للكلمة إلا في إطار الملكية والممثلة في السلطان محمد الخامس؛ ولن يمسك بالسلطة ويزاول الحكم إلا السياسيون المغاربة المنظمون في إطار الحزب الذي قاد الحركة الوطنية واستجاب المستعمر في نهاية المطاف لمطلبه: استقلال المغرب.
يتعرض موريس بوتان لهذه الواقعة كما هو الشأن لدى كثير من المؤرخين والسياسيين الذين تناولوا المرحلة الأولى من استقلال المغرب. غير أن الطرح الذي نحن بصدد تقديمه يتميز باعتباره يتعرض لها للانتهاء إلى كون بن بركة يمثل رمز الاتجاه الذي يبقي على طرح مسألة السلطة والحكم في المغرب بعد الاستقلال في الوقت الذي تراجع عنها أغلبية ممثلي حزب الاستقلال، حيث سينتهي هؤلاء بالاعتراف للمؤسسة الملكية بأحقيتها في تمثيل السيادة والسلطة ويكتفون بالبحث عن المشاركة في الحكم. سيبتعد إذن بن بركة، بإصراره على طرح مسألة السلطة وضرورة تقاسمها، عن رفاق درب النضال من أجل الحصول على الاستقلال، ويجعله يتواجه مع المؤسسة الملكية، وبالخصوص مع الملك الراحل الحسن الثاني الذي يعتبره صاحب الكتاب المتشبث الفعلي والوحيد بتجميع السلطة في هيئة واحدة، بل في يد رجل واحد، الملك.

يوجه الكاتب هذه المسألة ليجعلها قائمة في نهاية المطاف بين شخصين، الملك الحسن الثاني والمناضل المهدي بن بركة، وليس بين مؤسستين، الملكية والحزب. هكذا نجده يكتب في إحدى الفقرات وسط الفصل المخصص لعودة محمد الخامس إلى العرش: « لم يعد الاستقلال الرسمي سوى مسألة مناقشات بين قيادتي البلدين. ما هي المؤسسات الجديدة التي ستظهر إلى النور؟ كانت النخب السياسية المغربية وأيضا حركة «الفرنسيين الأحرار» مقتنعة، قبيل عودة الملك، أن المغرب سيشهد إقرار ملكية دستورية يسود فيها العاهل، بوصفه حاكما دينيا ورئيس دولة، ولا يحكم، على غرار ملكة إنجلترا (يضيف الكاتب في الهامش: أليس هذا هو ما تقرر في «التصريح المشترك» الفرنسي المغربي بسيل سان كلو). ألم يبين محمد الخامس يومين بعد عودته، بمناسبة عيد العرش، في 18 نوفمبر، المهمة الأساس المنوطة بالحكومة المقبلة، قائلا:» تأسيس حكومة عصرية مسؤولة، تعبر تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعب، وتجعل من بين المهام التي تباشرها، مهمة وضع أنظمة ديمقراطية، على أساس الانتخاب، وفصل السلط، في إطار ملكية دستورية قوامها الاعتراف لجميع المغاربة على اختلاف عقائدهم، بحقوق المواطن، وبالحريات العامة والنقابية»؟ لم يكن محمد الخامس بعيدا إذن عن القبول بالحل الذي ينادي به المهدي بن بركة ورفاقه، بيد أن مولاي الحسن كان له رأي آخر، فالملك بالنسبة إليه يحكم البلاد على هواه، وهنا أصل المواجهة التي ستحتدم في ما بعد بين الرجلين! «.(ص44)
هذه هي الفكرة المحورية التي يبني عليها الكاتب تحليله لقضية بن بركة؛ وهذه هي الفكرة التي تجعله يخفف من حدة الصراع الذي حصل بين المهدي ومختلف السياسيين الآخرين، المغاربة منهم والفرنسيون. كان الصراع بين الرجلين حول طبيعة النظام الذي ينبغي أن يقوم في المغرب، وبالضبط الصراع حول تطبيق ما صرح به الملك محمد الخامس حين أشار في أول خطاب له بعد عودته من المنفى إلى إقامة ملكية دستورية تعتمد فصل السلط. لقد ظل بن بركة، حسب موريس بوتان، مصرا على تمرير هذا المبدأ إلى الواقع رغم أن كثيرا من رفاقه من حزب الاستقلال في البداية، ومن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في ما بعد، تخلوا عن هذا المبدأ وراحوا يكتفون بالمطالبة باعتماد الديمقراطية، وبالخصوص بنيل نصيب من الحكم وليس من السلطة. تشبث بن بركة بتوجهه هذا في الوقت الذي أصر فيه الحسن الثاني على أن الملك لا يكون ملكا إلا إن كان يسود ويحكم، وذلك وفقا للمنظور الإسلامي ذاته للحكم. كان الصراع إذن بين شخص يعمل من داخل السلطة على اختزال الحكم في دائرة المؤسسة الملكية، وبالضبط في يد الملك ذاته، وشخص يسعى من وسط المعارضة إلى الحد من سلطة الملكية، وجعل الحكم بين ممثلي الشعب.

يذهب المؤلف بعيدا في هذا الاتجاه حيث يورد أقوالا للشخصين معا لتأكيد فكرته هذه، كما يؤول كثيرا من الأحداث البارزة التي حصلت بعد الاستقلال، والمتمثلة في بعض الانتفاضات والمؤامرات والمحاكمات وتأسيس أحزاب سياسية، بهدف التدليل على أطروحته المحورية: الصراع الحاد وغير القابل للتوافق بين الحسن الثاني وبن بركة. يتعرض الكاتب لأحداث عدي أوبيه ولاغتيال مسعدي واختطاف طائرة قادة الثورة الجزائرية وانتفاضة الريف وتأسيس حزب الحركة الشعبية….إلخ ليدعم فكرته الرامية إلى جعل الملك الحسن الثاني رجل سلطة يوظفها لترسيخ الملكية ومنحها ما يوفر لها الاستقرار والاستمرارية عبر أساس يقوم على الانفراد بالحكم والسلطة. هذا في الوقت الذي يقدم فيه المهدي بن بركة باعتباره رجلا ذا طموح سياسي مُصِرٍّ على الذهاب بالاستقلال إلى حدود إنشاء ملكية حديثة لعهد جديد تلتقي مع الملكيات السائدة في العالم المتقدم، ملكية تسود وتترك الحكم للسياسيين المهتمين بشؤون الشعب والبلاد. يثير الكاتب من حين لآخر شخصيات سياسية، منها من يدافع بكل قوة عن التوجه الذي راح الحسن الثاني يرسخه، ومنها من اصطف وراء طموح المهدي بن بركة بحثا عن تجسيم حلمه. غير أن المعنيين الرئيسيين في الصراع يظلان، حسب الكتاب، الحسن الثاني من جهة وبن بركة من جهة أخرى.

يثير الكاتب أحيانا شهادات شفوية حصل عليها من داخل الوسط السياسي المغربي ليستدل بها على طرحه الذي لخصته أعلاه والكامن في التأكيد باستمرار على نظرة الرجلين المتصارعين إلى السلطة والحكم، وبالخصوص ما يسميه تعطش الملك الحسن الثاني للسلطة، وميل بن بركة إلى خدمة الجماهير الشعبية. أذكر هنا مثلا لقاءه بابن عبد الرحيم بوعبيد الذي مده بالمعطى التالي: «أفضى لي إبراهيم، ابن عبد الرحيم بوعبيد، بهذا السر: « قبل فترة قصيرة من سقوط الحكومة، حل مولاي الحسن بمنزلنا للقاء أبي، وأخبره بقرب حل الحكومة. ودار بينهما الحديث التالي : « كلفني جلالة الملك بتشكيل فريق حكومي جديد. أجابه أبي: لا علم لي بذلك، ولا أتحدث عن هذه الأمور إلا مع الملك. ستكون وزيرا للشؤون الخارجية. رفض أبي مواصلة الحديث في هذا الأمر، حينها وضع مولاي الحسن يده على كف أبي، وقال له كلاما من الغرابة بمكان: عبدالرحيم أنت لا تفهم مرادي…أريد أن يكون لي دور، والملك ما زال شابا (كان عمره حينها خمسين سنة). لا أريد أن يشيب شعري قبل أن أخلفه على العرش. أنت أخي. أنت صديقي. ماذا يخبئ لنا المستقبل؟ لنستقل القطار معا « . لم يقبل أبي طبعا الانسياق وراء هذه التخمينات» (ص91).

أضيف هنا بعض الفقرات الأخرى التي تزيد الفكرة المحورية للكتاب وضوحا، وهي الفكرة المتصلة بالصراع المستمر بين الملك الحسن الثاني وزعيم المعارضة المهدي بن بركة، إن لم أقل العداء الدائم بينهما. يقول صاحب الكتاب: «لما تناهت إلى علم بن بركة المستجدات التي وقعت بالمغرب خلال سفره، المتناقضة مع مقررات اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، قرر التحرك في أقرب مناسبة، وتأتى له ذلك في 25 يوليوز في افتتاح المؤتمر الثالث للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بتطوان، حيث استقبله الطلبة بحماس شديد، استقبال أي حركة لمن تعده «منظِّرها»، مما جعل مولاي الحسن يحس بالمهانة. وابتداء من هذا المؤتمر، سيظل مولاي الحسن، حتى وقد أصبح الحسن الثاني، يشير في «المعلومات التي يكشف عنها»ـ السرية طبعا !ـ لهذا الصحفي أو ذاك، بأصابع الاتهام دائما إلى بن بركة، حتى وإن كان هذا الأخير في المنفى بعيدا بآلاف الكيلومترات، وذلك كلما وقع حدث ما بالمغرب. وما أكثر الأحداث التي سيعرفها هذا البلد وصولا إلى «اختفاء» بن بركة ! ليصبح المهدي بن بركة الشبح المؤرق الذي يقض مضجع النظام، ويجد نفسه تحت المراقبة، بل ضحية مطاردة الشرطة».(ص71).
وتجدر الإشارة مرة أخرى إلى أن مصدر العداء لم يتغير أبدا كما قلت أعلاه، ويتصل أساسا بطبيعة الملكية التي ينبغي أن تقوم في المغرب بعد الاستقلال. لنستحضر القول التالي: “يرفض الأمير أن يتحقق هذا الأمر رفضا باتا « تَحوّل المغرب إلى ملكية دستورية يسود فيها الملك ولا يحكم«،عكس أبيه الذي قد لا يمانع في تحول حكمه في ذلك الاتجاه، أي إلى ملكية دستورية. وهذا الشبح المؤرق سيلقي بظلاله على السياسة المغربية ويطبعها في السنوات التالية بطابع خاص. ولكن في صيف سنة 1957، ستظل العلاقات بين المهدي بن بركة والقصر منسابة في مجرى هادئ ظاهريا، وإن كانت المواجهة بين الرجلين، ولي العهد وبن بركة، محتدمة في السر، رغم ولائهما للجالس على العرش…كل على طريقته…طبعا! “(ص66-67). ” ألم يؤكد محمد الخامس في خطاب 18 نوفمبر أن مسلسل الدمقرطة ” سيتحقق عن طريق جمعية تأسيسية”؟ والحال أن الأمر يتعلق بمطلب ثابت لحزب الاستقلال! وهو ما لا يستسيغه مولاي الحسن الذي كان يَلْتَذُّ بتصور نفسه سيدا مطلق اليد ممسكا بمقاليد الأمور في البلد، وحيدا دون منازع. وها هو يرى أن مشروع أبيه يعرقل طموحاته المستترة. فهل ستنفلت منه السلطة لصالح حزب وحيد، حزب الاستقلال؟” وفي هذه الظرفية بالذات خط الأمير لـ”تمرد عامل إقليم تافيلالت” المزعوم، ولمؤامرة حقيقية تمخض فصلها الأخير عن إدانة “المتآمرين” المحليين وحدهم من قبل محكمة العدل التي أنشئت خصيصا بالرباط، ولكن بصلاحيات تشمل مجموع التراب الوطني! “(ص63).
الرفض نفسه، وربما العداء نفسه، يركز عليه المؤلف عند تناوله لموقف بن بركة من الملك الحسن الثاني، حيث لا يتردد زعيم المعارضة في وصف السياسة المغربية بالتسلط وبخدمة مصالح الحكام، وبإهمال قضايا الشعب، بل وبالفشل في مخططاته وبرامجه الاقتصادية، باختصار في تسويد مجمل الوضع القائم، كما يقال. يقول موريس بوتان مستشهدا بالتقرير الذي قدمه بن بركة للمؤتمر الثاني لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والذي سينشر في ما بعد تحت عنوان الاختيار الثوري: “ولا يتردد [يقصد بن بركة] في نصه في الإشارة دون مواربة إلى المسؤول الحقيقي، وهو القصر في« احتكاره للسلطات» ” . ولكنه يصر مع ذلك على القول: ” إن الجماهير ما زالت قادرة رغم نظام القمع والحكم الفردي على فرض احترام تنظيماتها وصحافتها “. ويستمر الكاتب قائلا: “والتزاما منه بقول الحق في المجال السياسي، فإنه يقر أن حزبه لم يستطع إيقاف الانقلاب الذي حصل في ماي 1960[ يقصد إقالة حكومة عبدالله إبراهيم] والذي صفى ما تبقى من مظاهر المشاركة الشعبية في الحكم ” ، ولكنه يعود ليبين الوجه الآخر للعملة بالقول : ” إن لهذا الانقلاب جانبا إيجابيا إذ مكن من توضيح الوضع السياسي في البلاد، ومن إبراز القوى المتقاتلة، قوى التقدم وقوى الرجعية، أنصار المستقبل المشرق، والمتشبثين بعهود الماضي المظلمة … ” نحن باختصار أمام مواجهة بين بن بركة والحسن الثاني، مهدت لها نشأة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في شتنبر 1959 ووجدت امتدادا لها في “انقلاب” ماي 1960 ! ” (ص 104)، كما يضيف الكاتب في الهامش وسط الإحالة 253 قولا آخر لبن بركة ” وفي المستوى الداخلي يرى أن ” القصر لم يعد يلعب دور الحكم ولا الوسيط . إنه أصبح نظاما فرديا، ورغم ما يتبجح به من إنجازات فهو لم يعرف سوى الاخفاقات المتتالية سواء في المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي”.(ص104). ثم يستمر الكاتب قائلا وهو يشيد بمؤهلات صاحب قضيته وتميزه على المستوى العمل السياسي: “وهنا نتبين من جديد صفتي الواقعية والبراغماتية اللتين تميزانه، فهو يعرف أن الحسن الثاني أصبح فعلا على رأس البلاد، لهذا فضل التريث إلى أن يعاين طريقته في الحكم وسلوكه في المستقبل وتصرفه مع باقي اليسار، ولكنه مع ذلك كان مقتنعا أن لا شيء سيتغير، اللهم مزيدا من السلطوية والحكم الفردي المطلق، لهذا لم يعد إلى المغرب، وفضل البقاء في منفاه الاختياري. وكان في قرارة نفسه يدرك أن الحسن الثاني يضمر له عداء أعمى.” (ص98).

كان الهدف من استعراض هذه المجموعة من الفقرات الواردة في الكتاب إظهار ميل المؤلف إلى التأكيد على كون الصراع الحقيقي، إن لم نقل العداء الدفين، كان قائما بين الملك الحسن الثاني وبن بركة، وأن هذا الصراع راح يزداد تعمقا بعد كل حدث سياسي هام يحصل في المغرب ليصل حد اللاعودة في مارس 1965 مع أحداث الدارالبيضاء. احتد الصراع بين الملكية والمعارضة، المُمثَّلة أساسا في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ليتركز بالدرجة الأولى بين الملك الحسن الثاني والمهدي بن بركة.

لقد كانت المفاوضات بين القصر واليسار ممكنة، بل وجارية، ولكن لا يمكن لها الاستقرار، حسب الأستاذ موريس بوتان، على نتيجة ما والمعارض الأكبر غائب عن الطاولة؛ أضف إلى غيابه صلابة موقفه وقوة تأثيره وسط التنظيمات السياسية الداخلية والخارجية. هذا ما جعل المؤلف يتناول في كتابه ما أسماه بالعودة الطوعية والعودة بالقوة والتي ستؤدي، في نظره، إلى المأساة: اختطاف بن بركة واغتياله.

يوجه الكاتب تحليله للوضع السياسي بالمغرب منذ الاستقلال إلى أحداث مارس بالدار البيضاء وفق أطروحته الأساسية في الكتاب: الصراع بين الحسن الثاني وبن بركة على طبيعة الحكم الذي ينبغي أن يسود داخل المغرب، لينتهي بصدد هذه النقطة المتصلة بعودة زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى البلاد إلى الفكرة (المنطلق) المؤثثة لفصول الكتاب: الصراع والعداء بين الرجلين. أكيد أن الكاتب لا يغفل في الصفحات الأخيرة من الكتاب إثارة فرضيات أخرى تم تداولها بصدد اختطاف بن بركة، تلك التي حاولت إقحامه في صراع خارجي اعتمادا على أنشطته السياسية الدولية. لقد ظهرت أطروحتان بصدد اغتيال الزعيم المغربي، الأولى تربط الحدث بمخابرات الولايات المتحدة الأمريكية (CIA)، والثانية بجهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد). غير أن اهتمام الكاتب بهاتين الأطروحتين يتم أساسا ليبين مدى إلمامه بتفاصيل القضية، وطبعا لدحض الفكرتين معا والعودة إلى الأطروحة/المنطلق: صراع بن بركة صراع نشأ داخل الوطن، والعداوة عداوة داخلية تنحصر في حدود البلد، ومن ثمة فالاختطاف والاغتيال مرتبطان بالبلد الذي نشأ فيه بن بركة والبلد الذي ظهر فيه لآخر مرة.

ابتداء من هذا التاريخ سيركز الكاتب على أربع نقاط وهما على التوالي: الاختطاف والاغتيال والمحاكمة والمصير. يتعلق الأمر طبعا في النقطة الأخيرة بمسألة الحقيقة، كشف الحقيقة المتصلة بالاغتيال، وبمصير الجثة بعد الاغتيال. لا يضيف الكاتب جديدا فيما يتصل بالنقطة الأخيرة وينتهي بدوره، مثل كثير من السياسيين المغاربة المتشبثين بمعرفة مآل جسد بن بركة إلى المطالبة والمناشدة حتى يظل الأمل قائما. إن كان الكاتب يخصص الجزء الأول من مؤلفه لمرحلة ما قبل الاختطاف كي يبين أن الصراع غير القابل للتركيب والمصالحة بين الرجلين حصل نتيجة صراع حاد بين تصورين للسلطة، وتباين عميق بين إرادتين في ما يتصل بحكم الشعب وتدبير شؤونه، فإنه يعمل في الجزء الثاني من مؤلفه، مرة أخرى، على ربط مسؤولية اختفاء بن بركة وحقيقة الاغتيال ومآل جسده بالملك الحسن الثاني، ومن ثمة عقْد أمل كشف الحقيقة على المؤسسة الملكية، ما دام الملك الحسن الثاني قد فارق الحياة.

المسؤوليات في الاختطاف

اختطف بن بركة في فرنسا وسط العاصمة باريس في شارع سان جرمان وهو قادم من سويسرا. معروفة الساعة التي اختطف فيها، ومعروف المكان بالضبط الذي انطلقت منه الجريمة، ومعروفون الأشخاص الذين اقتادوه والسيارة التي نقل عليها، ومعروفون أيضا الأشخاص الذين شاركوا في الاختطاف، والمكان الذي اقتيد إليه بعد الاختطاف. كل هذه العناصر لها علاقة بفرنسا، بل إنها فرنسية مئة في المئة. الاختطاف إذن من مسؤولية فرنسا ومواطنين فرنسيين. تبدأ الأمور في التعقيد بعد احتجاز بن بركة في فيلا في ملكية فرنسي ( يوشسيس ) حيث وضع بين أيدي مجموعة أخرى من الأشخاص مغاربة حضروا إلى فرنسا قصد أداء المهمة. سينقل يوما بعد الاحتجاز إلى فيلا أخرى في ملكية مواطن فرنسي حضر في العملية منذ بداية مرحلة التخطيط (لوبيز) ولكنه سيظل بين أيدي المجموعة المغربية المعروفة العدد وغير المحددة المهام والأدوار في ما يخص مصير الزعيم المهدي بن بركة. لنقل إن الأوراق ستختلط بعد تدخل المجموعة المغربية في القضية ليصبح الغموض سيد الوضعية في كل شيء: هل قتل بن بركة داخل الفيلا، أم خارجها؟ هل قتل حينها، ومن القاتل، وكيف قتل، وما مصير الجثة؟ هل تم دفنه قريبا من الفيلا أم بعيدا عنها؟ هل أوتي بالجثة إلى المغرب؟ بل هل أوتي ببن بركة مقتولا إلى المغرب أم أنه أحضر حيا وقتل ودفن في مكان مجهول داخل بلده؟ هذه أسئلة واجهها القضاء الفرنسي لأن الجريمة وقعت فوق التراب الفرنسي، ولأن مواطنين فرنسيين هم الذين أعطوا الانطلاقة للجريمة. تابع الكاتب مسار القضية داخل المحكمة بتفاصيلها الدقيقة باعتباره المحامي الذي أسندت إليه عائلة المرحوم، وبالضبط أمه، مهمة الدفاع، ولكن باعتباره أيضا صديقا للضحية ورفيقا له في النضال من أجل الحرية والكرامة والعدالة، وباعتباره حاملا لشعور الانتماء إلى المغرب الذي يسميه بـ”بلده الصغير”. في المغرب رأى الكاتب الحياة، وفي المغرب بدأ مهنة المحاماة، وفي المغرب عرف الإحساس بالظلم من خلال تصرفات من يتقاسم معهم الجنسية الفرنسية، وداخل المغرب تلقى بين أفراد عائلته ووسط أصدقائه المغاربة والفرنسيين المناهضين للاستعمار أنبل قيمة أخلاقية ينبغي أن يتحلى بها الفرد، ألا وهي التشبث بالكرامة الإنسانية والدفاع عن الحق باعتباره أساس العدل. التقت المهنة والصداقة والأخلاق والسياسة في قبول (وتبني) الكاتب الدفاع أمام العدالة على قضية بن بركة.

لن ألخص في هذه القراءة تفاصيل المحاكمتين (محاكمة 1966/1967) لأنها طويلة ودقيقة، فهي إما أن يطلع عليها المهتم مباشرة في الكتاب بكل تفاصيلها، وإما أن يحاول القارئ استخلاص الفكرة التي أراد الكاتب تمريرها عبر الطريقة التي تتبع بها نقلها وتدوينها داخل هذا الكتاب. تجعلني طبيعة عملي هذا أميل إلى الاختيار الثاني، لأن الهدف الأساسي هو البحث عن الحقيقة في ما يتصل بمسؤوليات الاختطاف والاغتيال والاختفاء.
يتبين من خلال قراءتي للكتاب أن موقف المؤلِّف هو وضع مسؤولية تنفيذ الاختطاف جهة فرنسا، وتقاسمها بين فرنسا والمغرب في ما يتصل بالاغتيال، مع الإبقاء على هذا التقاسم في ما يتصل بالتوصل إلى الحقيقة. غير أنه يعمل في الوقت ذاته، عبر توظيف معطيات عديدة، واستحضار شخصيات متعددة لها علاقة من قريب أو بعيد بالضحية، على ربط المسؤولية النهائية عن الجريمة بيد المغاربة، وربط إمكانية الكشف عن الحقيقة أيضا بالمغاربة. هذا دون نسيان التقابل الذي أقامه الكاتب في النصف الأول من الكتاب، أو في الجزء المتصل بما قبل الاختطاف والاغتيال، بين بن بركة والملك الحسن الثاني، ليصب مسؤولية القضية برمتها على هذا الأخير، بما في ذلك الكشف عن الحقيقة.

 

يحمِّل الكاتب، كما قلت قبل قليل، مسؤولية الاختطاف لمجموعة من المجرمين الفرنسيين استعملتهم مجموعة من الموظفين في الأمن الفرنسي ومخابراته، كما يورط في الجريمة مجموعة من أفراد المخابرات الفرنسية وحتى بعض السياسيين الفرنسيين، على الأقل بشكل غير مباشر¡ ويميل في النهاية إلى اتهامهم بالتعاون في الاختطاف وبالتستر على الاغتيال ومصير جثة بن بركة. ولهذا لجأ الكاتب إلى تعبير خاص يردده مرات عدة حينما يتناول هذه النقطة ويتعلق الأمر بتعبير «التواطؤ السلبي» (ص365،371،374 )، كما يلجأ أحيانا إلى تعبير «الدور الثانوي»( وهو في الحقيقة تعبير لديغول في وصفه للمسؤولية الفرنسية في القضية)_ بعد أن كان قد استعمل من قبل في الفصل المعنون «الفرنسيون» «شركاء سلبيون»._ لماذا يستعمل هذه الصيغ؟ يلجأ إليها بحثا منه عن ظروف التخفيف لبلده فرنسا، وسعيا لتوريط المغرب بشكل تام في القضية، ذلك لأن المسؤولية في نظره لا تخرج عن إطار الملك الحسن الثاني. ينهي الكاتب وصف المحاكمتين بكلامه الآتي:» بعد إسدال الستار على محاكمة بن بركة بسنوات، سأل الصحفي كريستوف ديلوار Christophe Deloire المحامي فرانسوا جيبو، من فريق الدفاع عن الدليمي، عن قضية أخرى هي قضية اغتيال الأمير دي بروغليDe Broglie ، فقدم جوابا بليغا:»مشكل قضيتي بن بركة ودي بروغلي واحد، ففيهما معا تم إخبار الدولة، ولكنها لم تحرك ساكنا». ويخلص موريس غريمو في كتابه إلى ما يلي: «ما زلت إلى يومنا هذا أعتقد أن الجنرال]ديغول]، في غياب معطيات جديدة، لم يجانب الصواب(,,,) عندما حصر مسؤولية الجانب الفرنسي في تواطؤ خسيس وثانوي !». أشاطر موريس غريبو رأيه، حيث لم يصدر أي أمر من أعلى سلطات البلد، من ديغول أو بومبيدو أو فري أو فوكار. هل الدولة هي التي تتحمل المسؤولية أم أعوانها؟ مهما يكن فمن الأكيد أن موظفين من أعلى الرتب تابعين لمصالح الشرطة وعملاء من المخابرات الفرنسية كانوا يعرفون والتزموا الصمت، بينما تورط عملاء وموظفون آخرون من رتب أدنى، إلى جانب مجموعة من المجرمين مباشرة في «اختفاء» المهدي بن بركة فوق التراب الفرنسي، خدمة لمصالح أجنبية، وتحديدا المغربية، دون أن يخطر ببالهم طبعا أن الأمور ستتطور على ذلك النحو، ليموت بن بركة إما نتيجة «حادث طارئ»_ أو نتيجة اغتيال مدروس. والبعض لم يتدخل، ربما عجزا، أو في نوع من «التواطؤ السلبي»، أغلب الظن؛ والبعض الآخر تصرف في إطار «تواطؤ فاعل»، اقتناعا منه أنه يحظى حقا أو توهما بالحماية والتغطية من جهات عليا. وهذا ما نقصده، عندما نقول إن فرنسا مسؤولة عما وقع»(374).
تتغير النبرة حينما يتكلم الكاتب عن الجهة المغربية، إنه يسعى دائما إلى إنهاء المسؤولية، كما قلت سابقا، لدى الملك الراحل الحسن الثاني. يستحضر طبعا تورط الجنرال أوفقير والكولونيل الدليمي في مقدمة المجموعة المغربية التي اتهمت بالمشاركة في الجريمة على التراب الفرنسي. غير أن الكاتب لا ينسى أبدا التذكير بأن هذين الشخصين عملا تحت أوامر المسؤول الأول في نظره، الحسن الثاني. أكتفي هنا بسرد مجموعة من أقوال الكاتب تسير في هذا الاتجاه حيث نقرأ مثلا: «مهما يكن، فهذه المعلومة تبدو لي أساسية في ما يخص تصميم الحسن الثاني على إرجاع بن بركة إلى المغرب بالقوة، وبالتالي في ما يخص مسؤوليته وثبوت التهمة عليه في «القضية». ونتذكر في هذا الصدد جوابه الكاذب عندما سأله إريك لوران: «كيف وصلك خبر هذه الجريمة؟ «عن طريق الصحافة»(213). ويضيف الكاتب في صفحة أخرى: أدلى الحسن الثاني بتصريحين يبدو لي أنهما يوضحان الدور الذي قام به. أولهما: « أنا مستعد في أي لحظة لأقسم بكل ما هو عزيز æغال علي أنني وجدت نفسي أمام الأمر الواقع في ما يخص موت بن بركة » . وثانيهما: «لم يكن الاغتيال السياسي قط ولن يكون أبدا ضمن أخلاقيات الملكية المغربية » . ولكن مثل هذه التصريحات لا تبرئ مع ذلك ساحة الحسن الثاني وتعفيه من المسؤولية في القضية، كما يحلو للعديد من القياديين المغاربة الحاليين، من اليمين أو اليسار ممن «تمخزنوا »، أن يكرروه خطأ، ذلك أن الحسن الثاني هو الذي كان وراء فكرة عودة بن بركة بالقوة للمغرب. ولنستمع إلى الدكتور كليري وهو يقول بنبرة الواثق: «الحسن الثاني هو الذي اتخذ شخصيا قرار اختطاف بن بركة، خلال اجتماع مع مساعديه الأقربين، والجنرال مولاي حفيظ هو الذي سرد علي وقائع هذا الاجتماع. وكان هناك إضافة إلى الملك ومولاي حفيظ، أوفقير وشخصان لا أعرف اسمهما (…) وبعد بضع ساعات من الاختطاف، سيقول لي مستشار الملك هذا شخصيا: انتهى أمر بن بركة، لقد وضعنا اليد عليه ! » (…) طبعا إن الملك الحسن الثاني كان عليه، وهو يتخذ قراره ذاك، أن يتحمل تاريخيا تبعات ما قد يحصل لزعيم المعارضة. إن تهمته إذن ثابتة ولو بطريقة غير مباشرة في ما يخص موت بن بركة، لأنه هو المسؤول عن اختطافه»(325)_.

تبقى الحجة «الأقوى» والحاسمة في تحميل المسؤولية للملك الحسن الثاني في ما يتصل بالاغتيال والكشف عن الحقيقة، حسب الأستاذ موريس بوتان، هي نفسها التي اعتمدت في الجزء الأول من الكتاب، والتي تتلخص في العداء القائم بين الرجلين نتيجة عمق الهوة بينهما في ما يخص تنظيم السلطة والحكم في المغرب. فكما قلنا سابقا، وكما يكرر الكاتب ذلك باستمرار، هناك رجل «متعطش للسلطة»، يريد أن يكون «السيد الوحيد» في المغرب، ورجل يحلم بالديمقراطية، ويسعى إلى جعل التمثيلية الشعبية أساس التدبير السياسي في بلده. أضف إلى هذه الهوة هوة ثانية ناتجة عن الأولى ذات صلة بالعلاقات الخارجية. يميل الكاتب إلى تصنيف الملك الحسن الثاني مع قطب الولايات المتحدة الأمريكية، وإلى تبيان المكانة اللامعة لبن بركة وسط قطب التيار المدافع عن الاستقلال التام لبلدان العالم الثالث التي ما فتئت تتحرر من نير الاستعمار.

إن تأكيد الكاتب على هذه الهوة بين الرجلين هو الذي جعله يتناول في مؤلفه ما أسماه بالعودة الطوعية والعودة بالقوة لبن بركة إلى المغرب. تحت هذا العنوان بدأ الكاتب إقحام الملك الراحل الحسن الثاني في قضية بن بركة ليجعله الواضع للفكرة والمخطط والمنفذ لها. وكما قلت في البداية فإن الكاتب يدافع عن أطروحة، لهذا فإن استحضاره لنقطة ما وسط الفصول التي قسم إليها الكتاب، يتم دائما للدفاع عن الأطروحة المركزية المتمثلة في ما أسميته إقامة تقابل بين الحسن الثاني وبن بركة مع التأكيد على أن هذا التقابل ناتج عن عداء وصل نقطة اللاعودة، وربما كان كذلك مع نقطة الانطلاق، أي مع بداية الاستقلال. لا شك أن الكاتب أدرج الفصل المتصل بالعودة الطوعية والعودة بالقوة ليبعد منذ البداية فرضية ربط الاختطاف والاغتيال بقوى أجنبية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.

يثير الكاتب كثيرا من التفاصيل عن تحركات بن بركة بعد 1965 ليبين المكانة التي يتبوؤها في إطار الحركة التحررية لبلدان العالم الثالث والمناهضة للاستعمار والإمبريالية. يذكر مختلف تنقلاته في إفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا ليشيد بمواقف الرجل/الزعيم الذي كان سيحظى باستقبال رئيس فرنسا نفسه أياما قليلة بعد تاريخ الاختطاف. قد يستخلص المتتبع لتحركات بن بركة في تلك الفترة (ما بعد 1964) أنه دخل في صراع آخر ذي طابع عالمي، ومن ثمة بعيد عن الصراع الوطني وعن المنافسة عن السلطة والحكم داخل بلده. بمعنى إن تحركاته الخارجية تكون قد أفرزت أعداء جدد حلوا مكان الأعداء القدامى، أو العدو القديم. غير أن الكاتب لا يتخلى عن أطروحته الأساسية: العداء مستمر بين الحسن الثاني وبن بركة، ويمتد أيضا إلى مرحلة وجود زعيم المعارضة المغربية في الخارج وانشغاله بقضايا غير القضية التي تبناها مع بداية شبابه. لم يكن العدو الرئيسي لبن بركة، حسب الأستاذ موريس بوتان، أبدا شخصا آخر، أو جهة أخرى، أو قوة أخرى، غير الحسن الثاني، ولهذا فإن هذا الأخير هو الذي سيتابعه خارج الوطن بعد أن كان متابعا داخله. لنقرأ مرة أخرى بعض أقوال المحامي موريس بوتان.

«وأمام هذا الرفض لأي اتفاق مبدئي، هل نتصور أن شخصا مثل الحسن الثاني، الحاكم المصاب بجنون العظمة، وقبل هذا وذاك أمير المؤمنين، يمكن أن يقبل أن تظل الحال على ما هي عليه؟ دع أن بن بركة ما زال يحظى بشعبية كبيرة في أوساط الشعب المغربي، وخاصة لدى الشباب، والطلبة منهم على وجه الخصوص. كما أن إشعاعه في الخارج و»الهالة» التي تحيط به أينما حل وارتحل في العالم، تجعل منه أحد قادة العالم الثالث الكبار، بشخصية رجل دولة حقيقي. هل يعقل أن يكون الزعيم المغربي معروفا أكثر في بيكين وموسكو والقاهرة وكوبا، بل ومحترما أكثر من ملك المغرب؟ أليس المهدي بن بركة على اتصال دائم بقادة يكرههم ملك المغرب مثل بن بلة وعبد الناصر وفيديل كاسترو؟ لن يقبل كبرياء الملك بذلك، بل سيراه استفزازا لشخصه المتكبر. لا غرو إذن أن يتمنى في أقل الأحوال أن يراه يختفي عن ناظريه !»، وتلتقي هذه الرواية مع رواية أخرى أوردها البشير بن يحمد الذي يتذكر ما قاله له موظف سام مغربي سنة 1966، طالب بعدم ذكر اسمه: بعد انتهاء حرب الرمال، جمع صاحب الجلالة أربعة أو خمسة جنرالات ومسؤولين مدنيين أو ثلاثة لتدارس قضية المهدي بن بركة. وصدر الحكم بالإعدام، مصحوبا بطلب عدم تنفيذ الحكم بإحدى العواصم التي كان يتنقل بن بركة بينها، وهي القاهرة وجنيف والجزائر وهافانا، حيث بإمكان قناص أن يرديه قتيلا على طريقة الموساد. وعوض ذلك، يجب إلقاء القبض عليه وإحضاره فوق التراب الوطني كي ينفذ فيه الحكم السياسي وليس القضائي هناك؟ وإذا استطاع القائمون بالعملية إحضاره، فعليهم أن يجعلوه يتكلم، ويبلغوه نص الحكم قبل تنفيذه. وقد كلف أوفقير بقيادة عملية « تنفيذ الحكم». من المرجح أن يكون الحسن الثاني قد قرر سنتي 1963 و1964 «التصفية» النهائية لخصمه بعد «الخيانة» الصادرة عنه، ولكن بعد سقوط بن بلة، يبدو لي أن فكرة جديدة راودت الحسن الثاني ومفادها إرجاع المهدي بن بكرة إلى أرض الوطن، ولكن قصد إخراسه، والاحتفاظ به حيا محتجزا في إحدى الزنزانات المعتمة. وإذا كان قرار «إرجاع » بن بركة إلى المغرب يعود حقا إلى سنة 1964، فهناك حدث لا يخلو من دلالة رافق ذلك التصميم، ويتمثل في تعيين الأمير مولاي علي سفيرا للمغرب بفرنسا في شهر دجنبر من تلك السنة. أكان الحسن الثاني ينوي استخدام ابن عمه صديق عبد القادر أخ المهدي لإسقاط هذا الأخير في فخ « العودة الطوعية» ؟ ألم يقل الحسن الثاني لوفد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي التقى به في شهر ماي 1965: « لا أفهم لماذا لم يرد المهدي بن بركة على اقتراحي الخاص بعودته. هل يخشى السقوط في كمين ما؟» (ص184).

بالإضافة إلى الأقوال المتعددة التي يميل عبرها الكاتب إلى تبيان رغبة الملك الحسن الثاني في إعادة بن بركة إلى المغرب، فإننا نجده يبدأ تعرضه لعملية الاختطاف بإثارة المجموعة المغربية الواردة أسماؤها في العملية ليؤكد التحاقها بباريس منذ شهر أبريل، مع الإشارة إلى أن تنقلات هؤلاء الأعضاء إلى فرنسا في تلك الفترة تمت أساسا لعقد لقاءات مع عناصر فرنسية ذات علاقة بالأمن وقسم المخابرات. «ولنعد بشريط الأحداث إلى الوراء قليلا. قبل بضعة أشهر استقر بالعاصمة الفرنسية في بداية أبريل 1965 عميدان في الشرطة المغربية وهما الشتوكي، واسمه الحقيقي ميلود التونزي وماحي غالي واسمه الحقيقي آدم العلمي، وهما من أقرب مساعدي أوفقير. وفي 21 أبريل، حل أوفقير نفسه بباريس، حيث عقد اجتماعا بكريون مع بعض« الأصدقاء الفرنسيين» . من هم؟ ألم يكن الأمر يتعلق بتدارس مشروع عودة المهدي بن بركة الطوعية أو بالقوة، وفي هذه الحالة « النظر في ما نحن متأكدون منه أي مشروع اختطافه» (هذه الجملة الأخيرة أدلى بها، حسب الكاتب، اليوسفي لجريدة لوموند بتاريخ 11 أكتوبر 1966). وخلال أول محاكمة في « قضية بن بركة» بمحكمة الجنايات لاسين، كشف جاك بومونJack Beaumont الملقب بـ»الكولونيل برتراند»[ مدير أبحاث بمصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس، وأحد أهم الضباط بهذا الجهاز] لأول مرة، أن مذكرة داخلية بتاريخ 30 أبريل 1965 تهم مصلحته تضمنت ما يلي: «كٌلِّف الجنرال أوفقير وزير الداخلية المغربي الذي حل بباريس في 12 أبريل من قبل ملك المغرب بالاتصال بالمهدي بن بركة لمحاولة إقناعه بالعودة إلى المغرب مع رفاقه، فالحسن الثاني مصمم على إيقاف مسطرة تنفيذ الإعدام الغيابي الصادر في حق زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ». هل تتضمن هذه «المذكرة» حقا كل ما قاله أوفقير لمخاطبيه؟ هل انخدع هؤلاء بالضمانات التي قدمت لهم حول إيقاف مسطرة العقوبة الغيابية الصادرة في حق بن بركة؟» (ص 186).

 

أكتفي بذكر هذه المجموعة من الإحالات لتبيان الفكرة الموجهة للكتاب والكامنة في إصرار المؤلف على ربط مسؤولية اختفاء بن بركة بالملك الراحل الحسن الثاني رغم أنه يتعرض لتورط جهات مختلفة ومتعددة في الاختطاف والاغتيال. وقد كانت الدعامة المعتمدة لتحميل المسؤولية لملك المغرب الحسن الثاني وحده ودون غيره مختزلة، في نهاية المطاف، في الصراع الحاد وغير القابل، في رأيه، لأي مصالحة بين سياسيين مختلفي التصور للسلطة والحكم. بدأت العلاقة بينهما بالصداقة ليظهر في إطارها الاختلاف الذي سرعان ما تحول إلى الخلاف، خلاف كان من طبيعة قادت طرفيه إلى عداء لم يكن للصراع أن يعرف في إطاره نهاية ما غير تلك المتجسدة في التخلص النهائي من الخصم.

شيء من التعقيب

كان هذا ملخصي للكتاب بطريقة راعت قدر الإمكان الوفاء لمضمونه، ولتكتمل النظرة، أود إثارة مجموعة من النقاط تتوسط التحليل والتدليل المعتمدين في الكتاب للدفاع عن الأطروحة الأساسية الملخصة أعلاه. إنها نقاط تجعلنا نطرح بعض الأسئلة لم تكن وضعية الكاتب، ربما، تسمح بطرحها أثناء تحريره لمؤلفه. لقد حاول الأستاذ موريس بوتان أن يقيم فرقا بين محمد الخامس وابنه الحسن الثاني في ما يتصل بتصور كلا الملكين للسلطة والحكم، فذهب إلى أن الأول كان مستعدا لقبول مطلب الحركة الوطنية المتصل بإقامة ملكية يكتفي فيها الملك بالسيادة تاركا الحكم لهيئة أخرى تصدر عن الاختيار الشعبي، الشيء الذي أزعج، في نظر الكاتب، ابنه الحسن الثاني ودفعه إلى العمل منذ بداية الاستقلال على ترسيخ تصور آخر يجعل الملك يسود ويحكم في آن واحد. كان هذا الاختلاف في التصور هو الذي دفع، في نظر الكاتب، الحركة الوطنية إلى التقرب من محمد الخامس في البداية والابتعاد شيئا فشيئا عن الحسن الثاني. بل كان هذا هو العامل الذي جعل الحركة الوطنية الممثلة أساسا في حزب الاستقلال تعرف صراعا داخليا ينتهي بالانشقاق ليظهر الحزب الجديد، الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي شكل بن بركة أحد زعمائه الكبار.

ما حجة الأستاذ موريس بوتان في هذا التمييز بين الملك الأب محمد الخامس والملك الابن الحسن الثاني؟ لا شيء أكثر من ذكره لفقرة قصيرة ترد في خطاب الملك محمد الخامس الملقى بعد عودته من المنفى. لقد سبق لي أن قمت بقراءة لخطاب طنجة التاريخي نشرتها قبل صدور كتاب الأستاذ موريس بوتان بمدة لا تقل عن سنتين أبين فيها بالضبط قناعة الملك محمد الخامس بجمع الملك بين السيادة والحكم، وتبيان ممارسته لهذا المبدأ هو ذاته في مرحلة الحماية. ولا شك أن جرأته في الإفصاح عن هذه القناعة أمام الشعب المغربي في خطاب طنجة هي التي جعلت المستعمر يقرر نفيه. ولا أظن أن ممعن النظر في خطاب طنجة التاريخي سينساق مع الفكرة التي يدافع عنها الأستاذ بوتان والذاهبة إلى أن محمد الخامس كان يتصور الملك (نفسَه) باعتباره سائدا دون أن يكون حاكما. يستشهد الأستاذ بوتان بالمقتطف التالي: «تأسيس حكومة عصرية مسؤولة، تعبر تعبيرا حقيقيا عن إرادة الشعب، وتجعل من بين المهام التي تباشرها، مهمة وضع أنظمة ديمقراطية، على أساس الانتخاب، وفصل السلط، في إطار ملكية دستورية قوامها الاعتراف لجميع المغاربة على اختلاف عقائدهم، بحقوق المواطن، وبالحريات العامة والنقابية». غير أن القارئ المتأمل، والقادر على أخذ المسافة، والعارف لواقع النظام المغربي، سيطرح من دون شك السؤال التالي: إلى أي حد يمكن أن نستخلص من هذه الفقرة خلاصة الأستاذ بوتان هذه: « لم يكن محمد الخامس بعيدا إذن عن القبول بالحل الذي ينادي به المهدي بن بركة ورفاقه»؟ ما أظن أني على خطأ إن قلت إن الفقرة المأخوذة من خطاب محمد الخامس السالفة الذكر تظل مناسِبة من الناحية المبدئية لوصف النظام المغربي في مرحلته الحالية. لا أعتقد أن هذه الفقرة كافية لاستخلاص كون محمد الخامس يتصور الملك سائدا دون أن يكون حاكما. إنها فقرة تؤكد على منح الحكم الملكي طابعا عصريا ولكن ليس بالضرورة بالمعنى المأخوذ به في بعض الملكيات الأوروبية المختلفة كل الاختلاف، وعلى جميع المستويات، عن المملكة المغربية.

لا يتوقف التساؤل طبعا عند هذا الحد. إذ يمكننا أيضا، خاصة وأن الفاصل الزمني يحررنا من بعض الاحتياطات ذات الطابع الأخلاقي المحض، أن نقول: كيف غضت الحركة الوطنية الطرف عن هذا المبدأ (القائل بتوقف دور الملك لدى السيادة دون أن يشمل الحكم) أثناء المفاوضات مع المستعمر وهي قد تشبثت بضرورة حضور محمد الخامس حول طاولة المفاوضات باعتباره ملكا؟ هل طرحته في تلك الفترة بالضبط مع الملك محمد الخامس؟ ما أظن أنها كانت قادرة على طرح المسألة أمامه في تلك الفترة بالذات، بل أكاد أجزم هذا الأمر. فلماذا اكتفت إذن بطرح الاستقلال دون التعرض لمضمون الاستقلال، ولطريقة الحكم بعد الاستقلال؟ لماذا لم تكن الصراحة مبدأ المفاوضات بين الأطراف الداخلية؟ لقد كان الملك وكل المؤسسة الملكية دائما واضحين في ما يتصل بمسألتي السلطة والحكم. وهذا موقف ينبغي أن يشجع كل التشكيلات السياسية التي تعتبر نفسها كذلك، وأنها تمثل قوة وسط المجتمع، وذات تمثيلية، على التحلي بالوضوح على مستوى التصور والفعل معا.

وما دمنا في إطار التاريخ، فإنه سيكون مفيدا إثارة ظهور هذا التعبير ذاته « الملك يسود ولا يحكم». لست أدري لماذا لا يقوم الأستاذ موريس بوتان بهذا الأمر وهو كثيرا ما أثار هذه الجملة باعتبارها تعبر عن مبدإ خلق خلافا بين الملك الحسن الثاني والمهدي بن بركة، بل بين الملكية والحركة الوطنية بشكل عام. أستغرب بعض الشيء لأن التعبير فرنسي النشأة، خاصة وأن الكاتب يميل إلى التذكير من حين لآخر بأقوال بصمت التاريخ لما تحمله من قوة المعنى ومن حكمة؟ الجملة فرنسية النشأة، من صياغة أول رئيس للجمهورية الثالثة، السيد أدولف تيير (Adolf Thiers). إن المتلفظ الأول بـكون «الملك يسود ولا يحكم» عاش في ظروف سياسية غلب عليها الصراع من أجل السلطة، وهو يطمح إلى الفوز بها لأنه كان ذا نفوذ داخل الوسط السياسي الفرنسي وكانت الملكية قد عرفت نهايتها، ولم تستعد وجودها إلا لأن قوى سياسية وطنية أخرى أرادتها أن تلعب دور الموحد لمواجهة الصراعات الداخلية والتهديدات الخارجية. لم تكن الملكية الفرنسية في تلك المرحلة تتمتع بالمساندة الشعبية ولا بالقوة المادية. لم يكن هذا القول، أو هذا المبدأ، عبارة عن مطلب بقدر ما كان أمر واقع تفرضه القوى المتحكمة فعلا في الوضع السياسي السائد. لقد حصل التفكير في المبدأ «الملك يسود ولا يحكم» والعمل وفقه بعد مرور أزيد من خمسين سنة على بداية الثورة الفرنسية، وبعد أن نشأت في فرنسا، فعلا، قوى سياسية لها وزن داخلي وخارجي تستمده من ذاتها هي وفي شبه استغناء عن الملكية.

يثير الأستاذ موريس بوتان مسألة أخرى ينتقد عبرها المؤسسة الملكية في المغرب ـ وأساسا الحسن الثاني ـ ويتعلق الأمر بتأكيده على عدم تضمين تشكيلة الحكومة الأولى بعد الاستقلال لأي شخصية من المقاومة المسلحة في أول حكومة مغربية حيث يقول:» ولم يستدع للحكومة أي زعيم من زعماء المقاومة المسلحة مع أنها اضطلعت وما زالت حتى ذلك الحين تضطلع بدور بالغ الأهمية»(ص 44). بعيدا عن كل استفزاز، وتوخيا لشيء من الموضوعية، نقول: لماذا سنعتمد هذا المعطى للاستدلال على «التعطش للسلطة والسعي إلى «الانفراد بالحكم» جهة المؤسسة الملكية للعمل ضمنيا على اعتبار الجهة الأخرى سائرة في عكس هذا الاتجاه، في الوقت الذي نعرف فيه أن أفراد الحركة الوطنية الذين مهدوا للمفاوضات مع المستعمر الفرنسي، وشاركوا فيها، أصروا على حضور الملك في هذه العملية ولم يثيروا حضور أعضاء من الحركة الوطنية المسلحة، أو على الأقل بعضهم؟ ألم يتم تهميش هذه الحركة مسبقا وبإرادة الحركة الوطنية ذاتها؟ لندفع بالسؤال بعيدا بهذا الصدد، ومرة أخرى خارج كل استفزاز، ونقول لماذا لم يفكر أعضاء الحركة الوطنية في إشراك رموز قوية في المقاومة المغربية يشهد لها المغاربة والعالم بوطنيتها؟ لن أذهب إلى حدود ما يذهب إليه البعض، خاصة في المرحلة الحالية بعد ما عرفه العالم العربي من أحداث، وأقول ما الوضع الذي كان سيعرفه المغرب لو اكتفت الملكية في هذا البلد بالسيادة وتركت كل الحكم للحركة الوطنية؟ أطرح هذا السؤال لأننا نجد لدى الأستاذ بوتان نفسه، في كتابه هذا، ميلا، أحيانا، إلى إثارة شطط السلطة لدى بعض المسؤولين الإداريين ينتمون إلى حزب الاستقلال.

قام موريس بوتان بعمل جبار للوقوف عند مختلف الأشخاص الفرنسيين المتورطين في جريمة الاختطاف، وربما كلهم، كما تعرض لشخصيات وجِهاتٍ سياسية فرنسية يتهمها بالتستر على الجريمة. غير أن هذا الإسهاب في استعراض الأشخاص والتفاصيل المتصلة بحياتهم الخاصة والمهنية، وبعلاقتهم بالاختطاف، وبالتستر على الحقيقة، لم يمنع الكاتب في نهاية المطاف، كما حاولت أن ألخص ذلك أعلاه في الجزء الثاني من هذا العرض، من تقليص دورهم ودور فرنسا في الجريمة، وبالخصوص في الكشف عن حقيقتها. لماذا سار الكاتب في هذا الاتجاه؟ لأنه يفصل على مستوى التورط في الجريمة بين حامل الفكرة (النية) ومنفذ الفكرة (الفعل) والمغطي على (أو الحامي لـ) منفذ الفكرة. أظن أنه من الصعب اعتماد هذا الموقف خاصة في الجريمة السياسية. قد يُقبَل الأمر إلى حد ما في الإطار القانوني المحض، ولكن لا يمكن أن يقبل كذلك في الإطار السياسي. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا عمل المسؤولون الفرنسيون على الإبقاء على القضية في الإطار القانوني المحض؟ أظن أنه من الصعب جدا أن يقبل المغاربة بـ»التواطؤ السلبي» في ما يخص الموقف الفرنسي، والمؤلف نفسه يبين كيف أن المحاكَمون في القضية (وأحيانا حتى المحاكِمين) يبينون من خلال مراوغاتهم، وتراجعاتهم، وتناقضاتهم، وإصرارهم على هذا السلوك، امتثالهم لنصائح (لأوامر) تلقوها من جهات خارجية. يصعب على المغاربة أن يتقبلوا، في ما يخص قضية بن بركة، أن المسؤولين الفرنسيين لم يكونوا قادرين على التوصل إلى معرفة الحقيقة لو هم أرادوا ذلك، بل قد يكون هناك من المغاربة من لن يقبل أن بعض المسؤولين الفرنسيين لم يعرفوا (أو لا يعرفون) الحقيقة.

هناك طبعا نقطة أخرى تثير التساؤل في ما يخص المخابرات الفرنسية وجهاز الدولة بشكل عام، غير أن المقام لا يسمح بالتعرض لها. باختصار، يظل القبول بالتواطؤ السلبي للمسؤولين الفرنسيين في قضية بن بركة مسألة مستبعدة، خاصة وأن الأستاذ موريس بوتان يبين لنا من خلال مجموعة من المبادرات التي قام بها داخل بلده للتوصل إلى الحقيقة توضح إصرار جميع الأطراف السياسية على التخلي عن القضية، إن لم نقل على التلاعب بها. لقد التمس الأستاذ من شخصيات سياسية تنتمي إلى اليمين وأخرى إلى اليسار، وأحيانا تكون محسوبة أيضا على فئة المثقفين، لمساعدته في البحث عن الحقيقة، غير أن الموقف كان واحدا: الوعود الكاذبة أو التجاهل أو التحايل دون أي إحراج.

يتضح بشكل كبير تقدير الأستاذ موريس بوتان لصديقه وصاحب قضيته الزعيم بن برْكة؛ تقدير يلتقي فيه مع تقدير المغاربة أنفسهم لمن يعتبرونه أبرز قادة اليسار في بلدهم. إنه يَذْكُر (ويُذَكِّر)، باستمرار، نباهته وذكاءه وبراغماتيته وحيويته وتفانيه في خدمة الصالح العام وإصراره ومثابرته، مما جعله يتميز دائما عن أصحابه ورفاقه في طريقة طرح القضايا السياسية على مستوى التنظيم والتدبير. هناك مسألة تطرح بعض التساؤل أيضا وهي تتصل بما يمكن أن نسميه عزلة بن بركة داخل تنظيمه ذاته، وذلك قبل أكتوبر 1965 وبعده. إذ كيف رُفِض التقرير الذي تقدم به للمؤتمر الثاني للحزب في الوقت الذي يُذكِّر فيه المؤلف بالاستقبال الجماهيري الكبير الذي حظي به وهو يدخل عاصمة الوطن، الرباط، للمشاركة في هذا المؤتمر؟ كيف جاء إلى المؤتمر بتقريره دون التنسيق مع أقرب صديق إليه السي عبدالرحيم بوعبيد الذي تقدم بدوره بتقرير آخر؟ بل ربما كان السؤال الأنسب لماذا لم ينسق الرجلان بينهما للاكتفاء بتقرير مشترك حتى تنحصر المنافسة بين توجهين اثنين فقط ؟ لماذا حسم المؤتمر لصالح التقرير الذي أعده التوجه النقابي في الوقت الذي كان فيه الحزب يعتبر أن الصراع داخل الوطن صراعا سياسيا بالدرجة الأولى؟ أكتفي هنا طبعا بإثارة أسئلة متصلة بعلاقة زعيم المعارضة المغربية برفاقه داخل الحزب لأن العلاقة مع الأحزاب الأخرى لن يثير طابعها المتسم بالحياد أوالصراع أو العداء أي استغراب بما في ذلك حزب الاستقلال.

 

الخميس 15 نونبر 2018.