لقد عرف التاريخ العربي الإسلامي حروبا طائفية وقَبَلِية هاجسها التعطش المستمر للسلطة. لكن مسلسل هذا الالقتتال والعنف ظل مستمرا منذ القرن الأول الهجري إلى يومنا هذا، بل وصل الأمر إلى تسبب هذه الحروب في تفتيت مجموعة من بلدان الشرق الأوسط. وإذا لم يتوقف هذا الجحيم فقد تتعرض كيانات هذه المنطقة للانقراض. وهذا ما يقتضي وعي شعوب هذه الرقعة من العالم بما تعيشه من شقاء نتيجة تمكن الثقافتين القٓبٓلِية والطائفية منها واستيلائهما عليها. ينبغي أن تعي هذه المجتمعات ذاتها وتاريخها والعوائق التي تضعها ثقافتها الموغلة في النزعة التقليدية في وجه انخراطها في روح العصر حتى تتمكن من الاستمرار في الوجود في الحقبة الراهنة التي تقوم عَلى المعرفة والعلوم والديمقراطية والانفتاح…

فمنذ ما سُمِّي ب “عصر النهضة العربية الإسلامية” إلى اليوم والعالم العربي الإسلامي يعيش تراجعا في مجالات التربية والتعليم وحقوق الإنسان والاقتصاد، مقارنة بما يحصل من تقدم في غيره من المجتمعات التي كانت تعيش أوضاعا هشة في ذلك العصر.

كما تعمقت تبعية هذا العالم للقوى العظمى، فتحوّل إلى مجرد سوق أو قوة استهلاكية للمنتجات الغربية، فصار يتصدر اليومَ قائمة البلدان التي تقتني الأسلحة، حيث يُنفقُ مداخيل النفط والغاز على التسلّح من أجل امتلاك سلطة إقليمية، وذلك بتوجيه وضغط من قِبل بعض القوى العظمى التي أدخلته في حروب طائفية وقبلِية فتاكة…

إضافة إلى ذلك، لم تعمل مجتمعات العالم العربي الإسلامي على إحداث منجحزات مؤسسية كما فعلت البلدان الديمقراطية، لذلك بقيت متخلفة في هذا المجال ولَم تستطع طوال تاريخها بناء مجتمع مدني واحد… كما لم تطور ما تحتاج إليه في ميدان الصناعة والتقنيات العليا، ولا في ميدان البحث في مختلف العلوم، حيث لا توجد فيها جامعة نموذجية واحدة تحتل مرتبة متقدمة ضمن كبريات الجامعات المرموقة عالميا، ولا معاهد نموذجية مخصصة للبحث العلمي في كافة الميادين…

كما يعرف العالم العربي الإسلامي تفاوتا فاحشا بين جيوش الفقراء وحفنة من الأثرياء، وارتفاعا مهولا في نسبة الأمية، وإقصاء للمرأة، وتعصبا عرقيا ودينيا وسياسيا، بالإضافة إلى تزايد نسبة العاطلين الذين استفحل ضياعهم النفسي، وضربهم اليأس، فصاروا يبحثون عن مخرج من بؤسهم في الهجرة والالتحاق بالجماعات المتطرِّفة…
بالإضافة إلى ذلك، ليس للعرب المسلمين حضور سياسي فعال في عالم اليوم، إذ ينحصر دورهم في كونهم سوقا وثروة نفطية وأصحاب موارد طبيعية، وأدوات توظفها بعض القوى العظمى لخدمة مصالحها الإستراتيجية وليس للمساهمة في بناء العالم بتسخير طاقة إبداعية خلاقة…

نتيجة ما سبق، ليس للعرب المسلمين اليوم فعالية سياسية أو اقتصادية على المستوى الكوني، ما جعلهم يتجهون نحو الانقراض. لن ينقرضوا بكونهم أفرادا، و إنما بكونهم طاقة خلاقة ومبدعة تسير في موكب الإنسانية الخلاقة، أو بكونهم نظاما ثقافيا وتربويا يساهم في تكوين الإنسان وبناء مجتمع حديث، وإرساء قِيم التفتح والتطور والتقدم، وفِي بناء حضارة إنسانية أكثر غنى وعدلا، وأكثر قدرة على معرفة أسرار الطبيعة والإنسان…
يبدو أن إصلاح أنظمة التربية والتعليم وتحديثها يشكل مدخلا لممارسة قطيعة مع تخلفنا القبلي والطائفي.. لكن، عندما أتأمل تاريخ العلم بإبداعاته ونجاحاته، وما نجم عنه من تحولات حضارية واقتصادية ومعلوماتية واجتماعية وسياسية، وتقدم في كافة المجالات، تدلف إلى ذهني أسئلة من نوع:

هل تقيم المدرسة في الشرق الأوسط علاقات سليمة بمختلف العلوم والمعارف؟ وهل تواكب الانفجار العلمي في مختلف الحقول المعرفية والعلمية؟ وهل تدرِّسُ هذه المدرسة المعرفة العلمية بطرائق تنسجم وطبيعتها، ولا تنسفها أصلا؟ وهل يفكر تلميذ هذه المنطقة من داخل المادة الدراسية العلمية والإنسانية والفنية؟ وهل ينخرط في منطقها؟ وهل يتذوقها ويحبها ولا يعاديها؟و هل هو قادر على توظيفها لاكتشاف العالم من حوله ولمعرفة نظامه وكيفية اشتغاله؟ وهل يكتشف المفاهيم العلمية عبر بنائها؟ هل يبني ذاته وقِيمه عبر بناء معارفه؟ وبدون ذلك، كيف يمكن للمدرسة البدء في بناء المواطَنَة لدى الناشئة في منطقة الشرق الأوسط ؟ فوق ذلك، ألا تفصل المدرسة في الشرق الأوسط العلوم الحقة عن الآداب والفنون؟ ألا يشكل هذا ضربا للمٌتٓخٓيّٓل لدى المتعلِّم في هذه المنطقة؟ ألا يدل هذا على أن القائمين على المدرسة في الشرق الأوسط لا يعرفون أن أنشتاين قد اكتشف النظرية النسبية عن طريق الحدس وليس عن طريق تجربة مختبرية؟ ألا يجسد هذا عدم معرفة مجتمعات هذه المنطقة بدور الآداب والفنون و الإنسانيات في تطور العلوم والمجتمعات مؤسسيا وفكريا وماديا….

 

الإثنين: 19 نونبر 2018.