الاستشراق جزء من تصورات الغرب للإسلام. وهو ليس مجرد حوار مع الآخر (العرب) بل هو أيضاً حوار مع الذات. فالصورة السلبية للإسلام في الغرب هي نتيجة تراكمات طويلة عبر التاريخ. والهدف من دراسة الاستشراق توعية المسلم المعاصر بما يجري حوله وما يكتب عنه، وعن صورته كما يراها الآخرون.

وتخرج الدراسات العربية للاستشراق عن إطار الحوار مع الغرب، لتركز على اكتشاف صورة الإسلام في مرآة الغرب، عبر دراسة وتحليل أعمال عدد من كبار المستشرقين، للاطلاع على صورة الإسلام في تصورهم، لاسيما «عقائد الإسلام» عند هرمان اشتيجلكر، و«محمد والقرآن» عند رودي بارت، و«تصور الله» عند زيجريد هونكه.

وتبدأ الدراسات العربية للاستشراق ببيان نشأته وتطوره وموقف المستشرقين من الإسلام وموقف المسلمين منه. ومن علماء المستشرقين مَن حاول بيان الماضي المشترك بين التراث العربي والتراث الغربي، والأصول الشرقية للآداب الشعبية الغربية. فقد انتقل التراث العربي عبر الترجمة إلى الغرب، واستقر في وجدانه على مدى سبعة قرون، ليساعده على الانتقال من عصوره الوسطى إلى عصر النهضة والحداثة والأنوار.

لذلك يمكننا كشف المصادر غير المعلنة للوعي الأوروبي، أي المصدر العربي الإسلامي، وربما المصدر البابلي الآشوري الآسيوي، وكذلك الثقافات الوثنية الشعبية التي ظلت سائدة في الوعي الأوروبي، إضافة للمصدرين المعلنين؛ اليوناني الروماني واليهودي المسيحي.

لم يؤثر التراث العربي الإسلامي غرباً فقط، بل شرقاً كذلك، عبر الأدب الروسي. فقد استقبلت روسيا التراث العربي الإسلامي ليس لأنه وافداً غريباً عليها، بل لأنه جزء من موروثها؛ حمله المسلمون في الجمهوريات الإسلامية في أواسط آسيا كتراث قومي لهم؛ فهم مسلمون، وقد جب الإسلام ما قبله. تأثرت الرومانسية الروسية بالشرق الإسلامي. وظهر في أدب بوشكين وليرمونتوف وتولستوي.. كما توضح آثارهم الكثيرة.

وكرد فعل على هذا الاستشراق الغربي ظهرت كتابات أخرى من مستشرقين متعاطفين مع الإسلام والمسلمين، ومتفهمين لقضاياهم، فحولوا الاستشراق إلى استغراب، بالبحث عن أسباب المآسي المعاصرة في الغرب وليس في الإسلام كما فعل جارودي في كتابه «الإرهاب الغربي».

المستشرق قادر على الحفاظ على نفسه من الوقوع في مثالب الاستشراق من النوع الذي وقع فيه برنار لويس. أما جارودي ففيلسوف ماركسي إنساني له كتاباته في الفلسفة الغربية والفلسفة العامة، وفي نهاية عودته إلى الإنسان، بعيداً عن الماركسية والوجودية والكاثوليكية، وجد نفسه في قلب الإسلام. وضع جارودي خطةً لإنقاذ مستقبل الإنسانية دون التخلي عن الماركسية كفلسفة اجتماعية، ولا عن الزهد والمحبة في المسيحية، ولا عن الإسلام كتوحيد للبشرية. وفي رأيه أن الإنسانية تستطيع الحلم مجدداً بعالم خالٍ من التهديدات وليس عرضة للانتحار.

ويتوجه المستشرق المنصف إلى الإسلام ذاته وليس إلى تاريخه، إلى جوهره وليس إلى تحققاته، إلى ماهيته وليس إلى جسده، إلى مصدر طاقته وحركته وليس إلى عددها وسريانها.

وحسب جارودي، فإن أكبر خسارة للإسلام كانت انحساره عن الهند والأندلس. لكنه عاد حياً من جديد عند الأفغاني وإقبال. وربما يصير كذلك في المستقبل، ليبدأ حداثة أخرى تمنح الحياة معنى. إنه دين المستقبل الواعد.

جارودي توصل إلى ذلك عبر المنهج التاريخي لمعرفة مساهمة الحضارة العربية في الحضارة العالمية، موضحاً أن التحول التاريخي هو الحوار وليس العنف، بل حوار الحضارات الذي يخوضه الأحياء وليس الأموات.

الحضارة العربية، وما مثّلته في التاريخ، قادرة على أن تعود. لقد تجاهلها الاستشراق عن عمد، مع أنها حطّمت الإقطاع القديم، وساهمت في بعث الغرب، وحافظت على تراث الحضارات القديمة، وتميزت بإنتاج أصيل، وفكر تجريبي عملي، وفلسفة عقلية وفكر نقدي، ونظام اقتصادي واجتماعي وتنظيم إداري.. ثم انهارت، لكن لديها إمكانيات تاريخية للانبعاث من جديد.

ويسير بعض المستشرقين الاجتماعيين الجدد من البلاد الاسكندنافية في نفس الاتجاه الذي دشنه جارودي.

 

الاحد:ّ 25 نونبر 2018.