تعاني أغلب المجتمعات العربية الإسلامية من انقسامات داخلية على المستوى الفكري والثقافي والقَبَلِي بأشكاله المختلفة، وهو ما كان ولا زال يجازف بالقضاء على الدولة ومؤسساتها من منطلقات تدَّعي زورا الإرتكاز على الدين الإسلامي؛ فكل الجماعات السياسية الدينية والقبلية تتعارض من حيث طبيعتها مع الدولة الوطنية ما دامت تضع القبيلة والعشيرة والطائفة فوق كل اعتبار، فتناهض كل ما سواها بما في ذلك الدولة.

فالجماعات الدينية والقَبَلِية تحمل نظرة مّشوّٓهة عن مفهوم الدولة الوطنية، ومن ثمة فهي تناهض قيامها من خلال نشر ثقافة اللادولة وتحريض المجتمعات العربية الإسلامية على الدولة بخطاب «ديني» و”قٓبٓلِي” متطرف.
نلاحظ اليوم أن الدولة العربية الإسلامية تواجه خطرًا مزدوجا متجددا باستمرار يتمثل في ظاهرة الإرهاب والعنف ودعم جهات خارجية وداخلية للصراعات الطائفية والمذهبية والقبلية وتغذيتها.

وللتدليل على ذلك، ففكرة تصدير الثورة التي تبناها النظام الإيراني بعد سقوط نظام الشاه، وتدخل هذا النظام الإيراني اللاحق في العديد من الدول العربية، من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن ودول الخليج، أدى إلى تفكيك النسيج المجتمعي وإضعاف اللحمة الوطنية في هذه البلدان، وزرع فتنة طائفية وقَبَلِية خطيرة، تفتك بالوحدة الوطنية وببنيان الدولة.

وتجدر الإشارة إلى أن كلا من الجماعات المتطرفة المنشغلة بالسياسة والمتلهفة للسلطة بشقيها، العنيف والإرهابي، وتلك التي تزعم اتباع النهج “الديمقراطي “السلمي المجتمعي”، كلها تنطلق من مرجعية واحدة وتمتح منها، يبدو فيها الفضاء الطائفي يزرع الوهم ويزيف الحقائق، عبر تجييش العواطف الدينية للمجتمعات العربية الإسلامية. وقد وصل هذا بالبعض إلى درجة الإيمان بضرورة إحياء ما يسمى بـ” الخلافة الإسلامية” والعمل على تحقيق ذلك بأي ثمن…

إضافة إلى ذلك، لقد حوّلت جماعات الإسلام السياسي الدين إلى مجرد قانون لمراقبة الإنسان والتحكم في تفاصيل حياته، من المهد إلى اللحد، مما أدى إلى تجريد العقيدة من مقوماتها الروحية والفكرية والجمالية..
لقد قام المجتمع العربي الإسلامي سياسيا واجتماعيا وثقافيا منذ القرن الأول الهجري على الثقافة الفقهية في ارتباطها بالبنية القَبَلية وبالسلطة والصراع من أجلها، وهو صراعٌ لم يُحسم إلى أيامنا هذه، وبذلك ظلت الثقافة العربية الإسلامية مرتبطة بالسلطة والهوس بها إلى حدّ جَعل الدين والسلطة وجهين لعملة واحدة.

بناء على ذلك، لا يمكن تحقيق التغيير في أي مجال من مجالات هذه المجتمعات إلا بإعادة النظر جذريا في هذا الأساس الطائفي القبلي، لأن تغيير السلطة وحده لا يؤدي إلى بناء مجتمع جديد، بالتالي ينبغي تغيير المجتمع ثقافيا واجتماعيا بمعنى تغيير خلفيات هذا المجتمع والجذور الثقافية المتحكمة في كيفية اشتغال أفكاره وسلوكاته. وبدون هذا التغيير، سيظل العمل السياسي مأخوذا بالاستحواذ على السلطة، ولن يروم إحداث تحوّل عملي ملموس في أسس المجتمع وأساليب اشتغاله، ما سيجعل نظرة هذا العمل السياسي دائما قاصرة ما دامت تفصل بين المجتمع والسلطة؛ فالسلطة أكبر من مجرد شيء سياسي، أو أجهزة وتنظيمات.

تكمن قيمة العمل السياسي الهادف إلى بناء مجتمع جديد فعلي في اقترانه بعمل ثقافي بالمعنى الواسع والعميق؛ فنحن في حاجة إلى ثقافة تحاورنا اليوم في ارتباط بقضايا الإنسان والكون المعاصرين…. ويقتضي ذلك أن يقوم العمل السياسي، أولا وقبل كل شيء، على تقويض الأسس الثقافية التقليدية التي تعوق البناء والتحديث، وذلك بضرورة البدء بالفصل الكامل بين الدين والسياسة، وبين القبيلة والمجتمع، على جميع الأصعدة والمستويات، وفِي مختلف المجالات.

ولبلوغ ذلك، يجب تحويل الدين من تجربة مجتمعية إلى تجربة فردية، وجعل العالم العربي الإسلامي مفتوحا على حقائق جديدة، واعتماد العقل أساسا للنظر والحكم. كما ينبغي ربط الدين بالإنسان والكون وقضاياهما.
كما ينبغي ألا يتعرض العمل السياسي للمسخ عبر ترسيخ العقلية الذكورية البطريركية التي تنهض على الثقافتين القٓبٓلِية والطائفية التي تعتقد أن “الذكر” هو “الأب”، وأن المرأة بلا عقل، وأنه يجب إقناع النساء بتقبل عبوديتهن واستحسانها وصيانتها واستمرارها، ما يشل نصف المجتمع، بل المجتمع برمَّته، إذ يشكل تكريس دونية المرأة مسا بالرجل. وهذا هو الاستبداد عينه. علما بأن هذه الظاهرة لم تعد موجودة اليوم إلا في العالم العربي الإسلامي.

لذا، يجب العمل على إزالة العقبات التي تحول دون نشوء مجتمع حداثي ديمقراطي، وفي مقدمتها الاستبداد باسم الدين الذي يعد أشد خطرا لأنه تحكم كامل وشامل في الفرد “جسديا” و”ذهنيا” و”نفسياـ”، و”روحيا” .
يجب الاعتراف أننا ظننا في مراحل معينة أن “الثورات” القائمة على الدين كانت ستفضي إلى تغيير ديمقراطي فعلي، لكن بتوالي الأحداث والأعوام تبين أن ذلك الظن كان في المحصِّلة خطأ فادحا، بل إثما كبيرا.

 

الخميس :29 نونبر 2018.