مدخل:

    الانطباعية مدرسة أدبية وفنية، ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في فرنسا، ترى في الإحساس والانطباع الشخصي الأساس في التعبير الفني والأدبي للأديب او الفنان، وليس المفهوم العقلاني في النظر للوقائع. ويرجع ذلك إلى أن أي عمل فني لا بد من أن يمر بنفس الفنان أولاً، وعملية المرور هذه هي التي توحي بالانطباع أو التأثير الذي يدفع الفنان إلى التعبير عنه، فالانطباعية من هذه الوجهة هي محاولة للتعبير عن الأحاسيس الفورية للعالم والأحداث, دون الوقوف عند بعدها الطبقي أو الاجتماعي او السياسي ولا حتى الأخلاقي.

    كان لنشأة الانطباعية ظروفها الزمنية والمكانية، وهي مواكبة عصر التطورات والاكتشافات العلمية التي اجتاحت أوربا في كافة الميادين, وخاصة تطور نظريات الفيزياء والضوء، التي أثرت كثيراً على مجموعة من الفنانين الفرنسيين الذين حاولوا تجاوز المدارس السابقة التي كانت تنحصر رسوماتهم داخل المرسم، ليخرجوا بالمدرسة الانطباعية أو التأثيرية إلى  الطبيعة والشارع والمقهى. هذا دون أن ننسى التأثير الكبير للحربين العالميتين على الحركة الفكرية والسياسية والدينية والفنية والأدبية بشكل عام, حيث نتج عن ذلك تغير واضحٌ في الطريقة التي كان يتم بها تناول الأعمال الفنيّة وتغير مفهوم الفن ذاته بين الجماهير والرسامين والنُقّاد.

المدرسة الانطباعية وبداية تاريخ الفن الحديث:

    لقد انطلقت الانطباعية في البداية كمدرسة في التصوير ترى أن الرسام يجب أن يعبر في تجرد وبساطة عن الانطباعات التي ارتسمت فيه حسيّاً ، بصرف النظر عن كل المعايير العلمية ، وبخاصة في ميدان النقد الأدبي، فالمهم هو الانطباع الذي يضفيه الضوء مثلاً على الموضوع لا الموضوع نفسه. لذلك فقد قوبل معظم فناني الانطباعية بهجوم شديد من جانب النقاد الفنيين في عصرهم. وعندما بدأت الانطباعية تنتقل للأدب كان هجوم النقاد أقل ضراوة على هذا الاتجاه, حيث كانت انطباعية الرسم قد أفسحت في المجال واسعاً لتوجه الانطباعية في  الأدب.

أسلوب الانطباعيين في الرسم:

    لقد ركز فنانوا الانطباعية في رسوماتهم على تصوير الحياة الحديثة والناس العاديين بطريقة فيها كثير من الحرية, مع محاولة رسم ما يرونه حقيقة في واقعم المعيوش, لا رسم ما تأمرهم به عقولهم ومواقفهم الأيديولوجية, ولا رسم ما اتفق عليه من سبقهم من فنانين, أي التجرد عن المدارس السابقة وكل المواقف الفكرية المتعلقة فيها, مستخدمين الأسلوب الأكاديمي في الرسم.

    إذاً إن الأسلوب الفني للانطباعية في الرسم, يعتمد كما أشرنا أعلاه على نقل الواقع أو الحدث من الطبيعة مباشرة وكما تراه العين المجردة بعيداً عن التخيّل والتزويق, وفيها خرج الفنانون من المرسم ونفذوا أعمالهم في الهواء الطلق. لقد أعجبوا بالحياة اليومية العادية لعامة الناس فصوروهم في الأسواق، والمنتزهات، والمقاهي، لقد صوروا أهل عصرهم أصدق وأدق تصوير, وبطريقة تتسم بالمرونة والحيوية وعدم الاكتراث بالتفاصيل الدقيقة لكل ما يرسمون.  لقد كانوا يلهثون وراء حركة الضوء بما تتركه هذه الحركة من تغير في شكل الأشياء التي يقع عليها هذا الضوء في كل لحضه, مما دعاهم إلى الإسراع في تنفيذ العمل الفني قبل تغّير موضع الشمس في السماء وبالتالي تبدّل الظل والنور. وعلى أساس هذا التوجه في متابع حركة الضوء, سميت مدرستهم بهذا الاسم لأنها تنقل انطباع الفنان عن المنظر المشاهد بعيداً عن الدقّة والتفاصيل.

    وبكلمات أخرى: كان التفكير لدى الفنان الانطباعي هو محاولة قبض لحظة واقعية متحركة في الحال، والتي تتبدل حقيقتها وظهورها مع أي تغيير في الضوء. لذلك كان بعض الفنانين يرسمون المشهد ذاته مرات عدة بناءً على تغير ضوء الشمس ما بين الشروق والغروب.  لذلك لم يكن للفنان أية صلة بالموضوع، حيث أن المسألة كانت في كيفية إخراج الموضوع في ذلك الحيز من الضوء، وتسجيله كدرجات لونية مختلفة.

الاسلوب الفني الذي امتازت بها المدرسة:

    قلنا في موقع سابق بأن الانطباعيين قد تأثروا بالحياة الجديدة في مظهرها وفي اكتشافاتها العلمية في سائر المجالات, ولعل أهم ما تأثروا به من أشياء هو نظرية (الضوء والألوان)، فقد أدت دراستهم إلى رؤية أثر الألوان المتجاورة مع بعضها بطريقة لم يلحظها الفنانون السابقون للانطباعيين. ولعل أهم مظاهر التجديد الأسلوبي عند الانطباعيين أثناء الرسم, هو ترك آثار الفرشاة أو لمساتها واضحة على اللون وعدم مسح الألوان ودمجها وكانت هذه الطريقة هي التي جعلت أعمالهم تتصف بالخفة والحيوية.

    ومما تميز به الانطباعيون أيضاً الاهتمام بالظلال. فالمنطقة المظللة كانت عند أغلب من سبقهم من فنانين تملأ بلون داكن فقط أما الانطباعيون, فقد اهتموا بتعدد الظلال, وبينوا انعكاسات الألوان على بعضها رغم عدم اندماجها وخاصة (ألوان القوس قزح) التي تتم فيها. كما أهملوا الخطوط الخارجية للأشكال.

 

المضمون الفكري والفلسفي والسيكولوجي للمدرسة الانطباعية:

    لا شك أن الانطباعية هى مدرسة أدبية فنية ترى في الإحساس والانطباع الشخصي كما بينا سابقاً الأساس في التعبير الفني والأدبي، لا المفهوم العقلاني لمعطيات الواقع من أشياء أو احداث. ويرجع ذلك إلى تأكيدها على أن أي عمل فني لا بد من أن يمر بنفس الفنان أولاً، وعملية المرور هذه هي التي توحي بالانطباع أو التأثير الذي يدفع الفنان إلى التعبير عنه. فالانطباعية من هذه الوجهة هي محاولة للتعبير عن الأحاسيس الفورية للعالم والأحداث.

    وبما أن الواقع المعاش والملاحظ متغير وغير ثابت، وفي حالة جريان دائم، فهذا يعني عند المدرسة الانطباعية غياب الهدف, وبالتالي فإن الغموض الذي ظهر في أعمال الانطباعيين، انعكس بالضرورة على ألوان لوحاتهم ذاتها التي ظهر فيها تركيب الضوء والألوان معتماً. وبناءً على ذلك,  كان لزاماً على الانطباعيين، لكي يقدموا تفسيراً للواقع المتغير، أن يقدموا تجارباً في التقنيات الجديدة التي جاءوا بها، والبحث عن عمليات جديدة تقدّمْ الظاهرة الطبيعية المرئية، وخصوصاً ضوء الشمس وتردداته اللونية، وطرق انكساره.

أساليب الرسم التي ظهرت في المدرسة الانطباعية:

الأسلوب التنقيطي :

     هو أسلوب يعتبر رسم اللوحة بكاملها عن طريق النقاط الملونة المتجاورة، ويشبه هذا الأسلوب إلى حد كبير المشاهد التي نراها على شاشة التلفزيون الملون عندما تتحول الصورة إلى نقاط كثيفة متجاورة, وخاصة في تلفاز (الأسود والبيض), لعدم ضبط الهوائي, أو لبعد محطة الإرسال ورداءة الأحوال الجوية.

الاسلوب التقسيمي :

     يعتمد هذا الأسلوب على تقسيم سطح اللوحة إلى مجموعة ألوان متجاورة صريحة, دون أن يمزج الألوان أو يخلطها، فالأصفر هو الأصفر وكذا حال الأزرق والأحمر، وهكذا تظهر الألوان  نقية صافية كقوس قزح.

الأسلوب الثالث:

     وهو الذي يعنى برسم الأشكال أكثر من مرة في لحظات متغيرة من النهار ، كأن يرسم الفنان منظراً للطبيعة في الصباح ، ثم يعود ليرسمه في الظهيرة ، ثم يرسمه في المساء عند غروب الشمس. انطلاقاً من ايمان الانطباعي بالحركة اكثر من الهدف.

اهم سمات وخصائص الانطباعية:

  1. التحرر من القواعد الطبيعة الجامدة التي أكدتها الواقعية والبحث عن الحركة, والحركة فقط في الطاهرة المُشتغل عليها .
  2. اعتبار الطبيعة هي منبع الجمال.
  3. ان العلم لا ينفصل عن الفن, وخاصة ابحاث نيوتن في الضوء وتحليل الطيف الشمسي. وكذلك أبحاث هيليم هولتز ونظريته الفسيولوجية في البصريات.
  4. ان ذات الانسان وانفعالاته ينبغي ان تسجل لحضة بلحضة بالفن .

5- اللون في الانطباعية:

    لقد جاءت ألوانهم زاهية ونقية وصافية، عنيت بتسجيل المشهد بعين عابرة, ولحظة إحساس الفنان في مكان وزمان واحد.  اضافة الى تعمد ترك أثار الفرشاة على اللوحة، وتعمد اهمال الخط, والاهتمام بالمساحة اللونية المكونة من ألوان صافية غير ممزوجة مع بعضها البعض، لغرض الحصول على التأثير البصري على الاشكال في وقت معين من النهار، فقد جرّبوا تقنيات مختلفة بخصوص تخفيف الألوان وتكسيرها، وتأثير ضوء الشمس على الأجسام والأشكال حيث يعتبر الضوء أهم عنصر في اللوحة, وقاموا بحذف الظلال السوداء التي ليس لها وجود في الطبيعة واستبدلوها بألواناً مكملة للموضوع بالظلال.

    كما عرف الانطباعيون أيضاً أن الظلال ليست غياب للألوان في الطبيعة، ولكنها كثافة مختلفة للون نفسه مع ظل بنفسجي غائم. وكان نتيجة ذلك أن استبعدوا فكرة أن اللون الأسود «ليس عديم لون» واستعملوه على أنه لون في وضعه الخاص مثله ومثل اللون الأحمر أو الأزرق. وعلى أساس ذلك اعتبر بعضهم اللون الأسود هو أمير الألوان». وبعد استبعادهم استعمال طريقة توزع الضوء والظل في اللوحة بطريقة أكاديمية تقنية، عمل الانطباعيون على استعمال اللون فقط لملء المساحات والحدود بين الصور والتي لم يعد يتم تقسيمها بالخطوط.

الضوء في الانطباعية:

    أدرك الانطباعيون بوضوح أن ضوء الشمس العادي ليس وحدة واحدة فقط، بل مجموعة من الألوان المتألقة والتي لا يتم خلطها في لوحة الفنان، ولكن يتم تطبيق ذلك مباشرة بواسطة ضربات الفرشاة حتى يتم أفضل تمثيل لترددات الألوان.

ملاك القول

    إن الفنانين الانطباعيين بشكل عام, كان جل تركيزهم على المشاهد المرئية في حركتها المباشرة والعفوية, ورسمها كما هي في الطبيعة والابتعاد عن تصوير الاحساس بما نراه أو نريده من أجل التغيير وبناء الإنسان بناءً عقلانياً, وإنما هو إحساس  بالموضوع المشاهد, والاهتمام بشكله الخارجي وليس بمضمونه, من خلال اللعب بالألوان والأضواء المركزة الصافية.

يتابع في الحلقة القادمة عن المدرسة الانطباعية في الآدب.

 

*د.عدنان عويد دير الزور سوريا

 

الإثنين :10 دجنبر 2018.