كانت الفكرة في البداية عبارة عن محكيات واقعية متقاطعة متدفقة بانسياب على صفحات الفايسبوك،حاول من خلالها الأستاذ والمناضل الإتحادي عبد السلام رجواني أن يتقاسم لحظات قراءتها مع قرائه بالعالم الأزرق.

،ثم سرعان ما اختمرت لديه الفكرة لتنضج  وتتحول بإصرار وعزم إلى إنجاز إبداعي فعلي على شكل سيرة ذاتية تحفروتنبش في الماضي،حين طلب منه قراء هذه المحكيات جمعها وإصدارها لأهميتها.

هي بالفعل محكيات واقعية أشبه بمذكرات ممن بصموا بحضورهم القوي نضاليا وسياسيا في ساحة المعارك الطلابية برحاب الجامعة في منتصف السبعينات أولا ثم في المعترك السياسي السري والعلني ثم المعترك الإنتخابي أخيرا،لكنها تنفلت عنها بلغتها الإنسابية المتدفقة وبمتعة أسلوبها التصويري الأخاذ وبمخرونها اللغوي الشيق للغاية.

ولعل هذه الميزة في اللغة والأسلوب معا،هي ما جعل محكيات رجواني تتقاطع حينا مع مذكرات كتبها رفاق النضال في السبعينات وبداية الثمانينات،ومع سير ذاتية لكتاب مغاربة مبدعين في عالم السرد،نهجوا البوح والكشف عن خبايا ظلت موشومة راسخة في الذاكرة الجماعية لمن ساهموا في تلك الملحمة النضالية،ليتقاسموها اليوم مع قرائهم.

يقول الدكتورمحمد سبيلا في تقديمه لهذه المحكيات الواقعية/ المذكرات :”يحملنا عبد السلام إلى طفولته بوزان،ويصف لنا كثيرا من الحنين والغنائية المشاهد الطبيعية الجبلية والأصداء الوجدانية للعلاقات البشرية التي تتراكم وتختزن في أعماق النفس”.

ويضيف”ينعرج بنا عبد السلام إلى مساره في الدراسة الثانوية…ثم لمساره الطلابي في الجامعة بكلية الآداب بفاس وأتذكره طالبا متميزا بشعبة علم الإجتماع مع شغف واضح بالدرس الفلسفي”.

ويسترسل سبيلا قائلا:”وفي مرحلة لاحقة تابعت حيوية ونشاط عبد السلام أستاذا للفلسفة ومناضلا في منظمة العمل ثم في الإتحاد الإشتراكي،قادرا على الموازنة بين حسه النقدي المتراكم عبر تجربة فكرية ومعرفية ممتدة وبين منظور واقعي في السياسة،حس يعتبره أنه لم يكن في الإمكان إلا ما كان،وهي معادلة ليس من السهل الإقتناع بها والتوفق في تطبيقها..”.

أما عن أسباب وخلفيات كتابة هذه المحكيات الواقعية،يؤكد عبد السلام رجواني في كلمة استهل بها”غابة الرياحين:أيام الحب والألم”:”ربما هي قصة شبيهة في أهم ملامحها بما عاشه كثير من أطفال المغرب الهامش،زمن الستينات،وبعض شبابه المتعلم زمن السبعينات مع اختلاف في التفاصيل .هزني الحنين إلى استعادتها بلون الحبر،رغبة في العودة إلى الطفولة”.

إنه الحنين الشمولي الفياض الذي يحمل كل واحد منا عندما تتقدم به السنون إلى نولستاجيا الماضي،لإستعادته وتذكره بتفاصيله الدقيقة أحيانا،حسب قدرة الذاكرة على المزيد من الحفر والنبش في الماضي لاستعادة كل شيء بدون نسيان متعمد أوغيره،ودون إعمال الرقابة الذاتية.

لهذا رحل بنا عبد السلام رجواني إلى محطات كبرى شكلت أهمية في مساره المحكي ونقط تقاطع في حياته،ورتع في ربوع مختلفة بدءا بجبال وزان ثم سوس ثم فاس والرباط ثم أسفي ليعود مرة ثانية إلى أكَادير،حيث مستقره العائلي وحبه الأول والأخير هناك،وبالدشيرة تحديدا،لينسج علاقات متينة حكى عنها بمتعة شيقة في البوح بهذا الشق العاطفي.

فالقدرة على التذكر،جعلت مخيلته تعتصر كل شيء لتنساب المحكيات عن تلك الربوع فتأتينا تفاصيل النضال في كل المعارك النضالية التي خاضها بمعية رفاقه في الفصيل الطلابي اليساري المحظورآنذاك برحاب كلية الآداب بفاس،ثم في حزب منظمة العمل الديمقراطي الذي خرج من السرية إلى العلنية في بداية الثمانينات،قبل أن ينضم أخيرا إلى حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية في سنة 1989.

 وهكذا تبوح ذاكرته بكل تلك التفاصيل،بطريقة سردية انسيابية متدفقة وجميلة في آن واحد،عن أشياء مفصلية في حياته،في طفولته بوزان وحياته الدراسية بالثانوي بإنزكَان والجامعي بفاس.

والمهني كأستاذ للفلسفة بأسفي ثم بأكادير،والتكويني التربوي بالمركز الجهوي للتربية والتكوين بإنزكَان،ثم الحكي عن حياته السياسية في مرحلة السرية ثم العلنية،وحياته الشخصية العائلية.

فأربع حيويات تتعايش في هذا المحكي الواقعي،تكشف عن خزان من الصوروالمشاهد والأحداث والجزئيات الصغيرة التي لازالت ذاكرة عبد السلام تحتفظ بها،حين قام باستعادتها معتصرا ذاكرته /الخزان ،ليسردها كليا على شكل تيمات محددة اختار لها عناوين دالة.

بدأها بمحكية بعنوان”في ظلال جبل بوهلال” وتلاها بمحكية أخرى “خربشات”،”مدرسة العادر”،”إقرأ”،”حكايات الأماسي”،”صورة كلب”،”موت ملك”،”الحضن الدافئ”،”ذكريات إمرأة”،”طريق العودة”،”غرس علي”،”المعمرة”،”رفقة بابا سيدي الفلكي”.

“عودة إلى المدرسة”،”في الطريق إلى سوس”،”في ربوع سوس” ،”عبدالله بن ياسين”،”عام صعب”،”إرهاصات وعي سياسي”،”العودة إلى غابة الرياحين”،”الحي العتيق”،”مع الفلاحين”،”في رحاب الجامعة”،”شرود مناضل”،”في الواجهة”،”أم المعارك”،”لحن ومزهر”،”إكليل الجبل”.

عاد بنا عبد السلام إذن ومن خلال محكيات متدفقة ومسترسلة إلى طفولته الأولى بمسقط رأسه بربوع جبال وزان بمدشر”غرس علي ” بقبيلة بني زروال الجبلية،التي تلقى به أبجديات تعليمه الأولي بجامع القرية ثم بمدرسة أولاد صالح الإبتدائية ليرحل بعد ذلك رفقة عائلته إلى ربوع سوس التي طاف فيها عبر مدنه:تيزنيت وإنزكَان والدشيرة ثم أكَادير.

وفي سوس قضى مرحلة الإعدادي والثانوي حيث حصل على الباكلوريا سنة 1974،بثانوية عبدالله بن ياسين ليلتحق بجامعة محمد بن عبد الله بفاس،قسم الفسلفة،وبعد الدراسات الجامعية توزعت حياته المهنية بين أكاديروالرباط وآسفي ثم العودة مجددا إلى أكادير،لكن هذه المرة أستاذا للفسلفة وعلوم التربية وعلم الإجتماع إلى أن غادر الوظيفة العمومية سنة 2005.

وفي الختام تشكل هذه المحكيات الواقعية”غابة الرياحين:الحب والألم” مؤلفه الثالث بعدما سبق له أن أصدر مؤلفين هما:فضاء الطفولة سنة 1999،الهجرة والتنمية (ترجمة)سنة 2012،فضلا عن دراسات تربوية ومقالات في الفكروالسياسة نشرها بمجلات متخصصة وجرائد وطنية.

 

الاثنين : 07 يناير 2019.