” إن نظرية السيادة متعلقة بشكل من السلطة التي تمارس على الأرض”

ميشيل فوكو – يجب الدفاع عن المجتمع

 

ثمة علاقة قرابة بين السيادة والقدرة وبين النفوذ والهيمنة وبين السلطة والقوة وبين القانون والإلزام وبين الحقوق والمقاومة ، وبهذا المعنى لا تمنح السيادة لمن لا قدرة له ، ومن لا يملك القوة والنفوذ لا يستطيع أن يحافظ على ما يملكه. كما أن السيادة في حد ذاتها ليست كلمة أو مجرد شيء مثل الأشياء وإنما هي حقل دلالي يتقاطع فوقه الحقوقي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي ويتطلب استقلالية على مستوى الرموز الثقافية مثل الدين واللغة. لكن ماهي الشروط الممكنة التي يجدر ضمانها بغية تعزيز السيادة الوطنية؟ كيف تكتسب السيادة قيمتها في تقاليد ثقافية منغرسة في النمط الإمبراطوري للحكم وشروط اجتماعية وسياسية تغلب عليها قابلية الاستعمار وغارقة في التبعية وموالية للوافد ومعولة على الاقتراض والمديونية؟ ومن يخلص السيادة من التدنيس والانتهاك والاستنقاص ويمنحها جرعة إضافية من السؤدد والمجد والفاعلية؟ هل تحتاج السيادة إلى سيد قوي يحتكر جميع السلطات في يده أم إلى شعب يريد ويحكم نفسه دون وصاية؟

لقد ذابت السيادة في السلطة وتحولت السلطة إلى أحد أذرع الدولة وبقي الشعب بلا هوية والمجتمع بلا شخصية معنوية واللغة الأم دون استعمال عمومي والدين الشعبي دون التزام تلقائي والإقليم دون سكان فاعلين والثروات دون استغلال مدروس والحاضرة دون شعور مواطني والمدينة بلا مسؤولين تاريخيين. في الواقع لا معنى لقيام سيادة الدولة على مجالاته دون تبلور سيادة الشعب على مصيره ولا قيمة للسيادة الشعبية دون تعزيز سيادة الدولة، وبالتالي منطق الدولة هو منطق السيادة وبنية الدولة هي السيادة من جهة الحق.غير أن السيادة تعرف وجودا تاريخيا وتتغير بتغير السياق الاجتماعي والإطار الثقافي والمدونة الحقوقية والقاعدة الاقتصادية التي تندرج فيها وتتقاسم مع الدولة السراء والضراء وتمثل الشكل اللاّزمني للسلطة. لقد ارتبطت السيادة بالشخص السيد وانتقلت إلى الشعب الموحد ولكنها ما لبثت أن عادت إلى البرلمان وشملت المجال الداخلي من الإقليم والسكان والحاضرة والأنحاء والسيطرة على الحدود والمرابطة على الثغور ولكنها ما انفكت تطرح العلاقات الخارجية وتتضمن الاستقلال عن التدخلات الأجنبية في الداخل. فماذا يفعل المرء أمام شعب منقسم وبرلمان مغيب وسلطة مغتربة وحكومة غير مسيطرة على المعابر؟

تعد السيادة ثقافة توجه السياسة وتضبط بالقانون وتحتاج إلى القوة والسلطة لكي تحقق النفوذ والسيطرة وتعتمد على لغة الحق لكي تدافع على مشروعية وجود الدولة والفضاء الحيوي الذي تتحرك فيه أجهزتها.لا تعول السيادة على الثروة المادية للشعب والقوة العسكرية للسلطة السياسية فقط بل على إرادة المواطنين الجمعية وإنتاجية الفاعلين والقيمة المضافة للتراث الرمزي ومد التجارب السياسية بالقدرات التحررية. اذ” لا يجوز الحديث عن سيادة الأمة طالما بقي وحش الرأسمالية هو السيد” كما قال مكسيم جوركي.

من هذا المنطلق تحولت السيادة إلى اقتدار عمومي للشعب ونفوذ مشروع للدولة وتخلصت من الهيمنة العنيفة والاستيلاء الغالب وأمسكت نفسها عن التحكم في هيئات المجتمع المدني وإغلاق المجتمع السياسي وتهديد الدول المجاورة وغزو المناطق الغنية بالثروات وانتهاك كرامة الشعوب الضعيفة والدول النامية.لا يمكن اختزال السيادة في السجل القانوني أو الاكتفاء بتفعليها على الصعيد السياسي وإنما يفترض أن يتم التعامل معها من حيث مبدأ في الشرعية وأهلية في القيادة وتعبير عن عقل الدولة وتحكمه التام في القرار. كما يستدعي التطرق إلى مصطلح السيادة تناول ظاهرة الدستور والاهتمام بالسجل القانوني للحماية وتناول الحقوق ولكنه يفضي إلى طرق باب المشروعية المادية والتعددية والتوازن بين السلطات ومبدأ المساواة. تعبر السيادة عن النقطة المشتركة التي تتلاقى ضمنها بشكل مشروع القدرة والسلطة فهي معيار الدولة والسلطة العليا التي تنظم الحياة المجتمعية وتمثل سلطة معنوية للإلزام وسلطة مادية للضبط والردع. غير أن التراجع الدلالي الذي منيت به مسألة السيادة في عصر العولمة المتوحشة على الصعيد التشريعي يدفع إلى إعادة النظر في العلاقة القائمة بين الحق والسياسي واعتماد مقاربة أكسيولوجية لأجهزة الحكم.

لقد ظهرت معيارية السيادة مرتبطة بمبدأ المشروعية وبات ضروريا رصد التحديات التي تعترضها في مواجهة المسارات الانتقالية للديمقراطية في وجهها اللبيرالي والجمهوري وضمن أفقها التوحيدي للجسم السياسي والتوزيعي للخيرات العامة على المواطنين بشكل عادل وبصورة تبادلية للخدمات والمنافع. لا تكون السيادة مطلقة وغير قابلة للانقسام وتوحيدية وموحدة للعناصر المكونة للدولة والمجتمع المدني إلا إذا تمكنت من فرض النظام العام وتوطيد السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي ودفع الفاعلين نحو الإنتاج. لقد تم الربط بين السيادة والمواطنة بحيث ضمان حقوق المواطنة بالنسبة الى الأفراد هو الشرط الأول لكي تتمتع الدولة بسيادتها الكاملة وكذلك الحرص على السيادة السياسية يترتب عنه احترام حقوق المواطنة.لقد تم استبدال النظرية الاطلاقية في السيادة التي كانت متناسبة مع التصورات الجمهورية للدولة بنظرية دستورية معاصرة ضمن الاتجاهات اللبيرالية الجديدة تفسح المجال للحريات من جهة الاستثمار والتبادل وتترك للسلطة إمكانية التدخل بغية التحفيز والتعديل والتوجيه ومعالجة الأزمات الطارئة في الأسواق.

في هذا السياق يمكن التفكير في السيادة من حيث هي اقتدار عمومي ضمن جملة من المحاور التالية:

1-المدار القانوني: النصوص التشريعية المضمنة في الدستور التي تضبط مقولة السيادة وتصونها.

2- المدار السياسي: سلطة القرار السيادي الوطني بين التبعية للخارج والاستقلالية عن الارتهان للداخل.

3-المدار الاقتصادي: بناء اقتصاد وطني إنتاجي هو شرط إمكان الانعتاق الاجتماعي والحرية السياسية.

4-المدار الثقافي: دور اللغة الأم في دعم الأمن اللغوي للهوية الوطنية والرأسمال الرمزي للمجتمع.

هكذا تتضمن السيادة الحق في امتلاك الحق في القيادة والمشاركة في السلطة من خلال إصدار القرارات ومتابعة تنفيذها على أحسن وجه ويقع استكمالها بالمراقبة والمحاسبة والتمييز الايجابي والتشاركية الفعلية.

لكن الفكر السياسي مطالب بأن يوفر أرضية المقاومة الذاتية ضد الاختراق والتفكيك الذي تمارسه العولمة للشعوب وبأن يقر حق الدول في الدفاع عن سيادتها ومشروعية النضال من أجل إحراز استقلاليتها التامة في الاقتصاد والأمن والثقافة والمحافظة على الذات مثلما تم اقرار حق الأفراد في المرافعة عن حقوقهم.

من هذا المنطلق لا تتوقف السيادة على المعطيات النسبية للمتغيرات الخارجية فحسب ولا على العناصر الذاتية للثوابت الداخلية فقط بل تشترط تلازم المشروعية والنجاعة وتكامل عقل الدولة والإرادة الشعبية. ولا يمكن تعزيز السيادة الوطنية دون منح الشعوب الحق في المقاومة ودون المشاركة في الثورة على عولمة الظلم والفقر والمرض والازدراء والسعي نحو بناء عالم متعدد الأقطاب خال من شر الشمولية.

– لا تتحقق السيادة الشعبية إلا من خلال تفعيل الإرادة العامة عبر المشاركة في القرار السياسي.

– لا يبلغ الشعب مستوى مرموقا من الاستقلال الحضاري إلا باحترام الرموز الثقافية التي تكونه.

– لا يفك المجتمع ارتباطه عن الدوائر المالية الغازية إلا عن طريق إتباع سياسة اقتصادية وطنية.

– لا يشعر المواطن بأهمية الانتماء إلى الوطن إلا من خلال دستور يكفل له دولة حرة ذات سيادة.

هكذا تستمد الدولة سيادتها من إعادة تأويل الدستور واتفاقها للحقوق التي تتم عبها الشعوب والمواطنين بشكل كوني وبصورة أساسية وتقتضي بسط النفوذ على الأرض والتحكم في المجال الحيوي بشكل تام. كما تتطلب السيادة الكفاءة العامة في المجال السياسي والاقتدار على القيادة وقضاء شؤون الناس وتوظف العلو والسمو لبناء نظرة متوازنة للسلطة تضع أجهزة الدولة بكاملها في خدمة مطالب الفضاء العمومي.كيف يمكن تعزيز السيادة في ظل الذهاب نحو خيار اللاّمركزية في التسيير والتنظيم والحكم ومنح مزيدا من الاستقلالية في القرار والتمويل للجهات والأقاليم؟ بأي معنى تبقى السيادة قائمة الذات في الفيدرالية؟ هل يجوز الحديث عن سيادة بلا سلطة وعن دولة بلا حاكم فعلي وعن تنسيب للممارسة السيادية للدولة ؟

 

الخميس 10 يناير 2019.