تماما كما كنا في مرحلة التفكير بالنسبة لهيئة وطنية لمحاربة الرشوة، علينا التفكير في هيئة وطنية لمحاربة النقاش الفاسد والغش في السياسة.

فالأمر ربما صار ملحا، من أجل أن تتولى سلطة معنوية، ذات صلاحيات إدارية مثلا تدبير النقاش وإعفاء الرأي العام من الكثير من اللغط الذي يراد له أن يكون نقاشا في المعنى الوطني..

هناك سبب بيئي، قبل أن يكون سياسيا، في خلق هذه الهيئة، ومن مضانه، الحد من التلوث الذي يطبع الفضاء العام.
وكما يحدث بالنسبة للفضاءات المكانية، هناك مبرر لكي يكون الفضاء المعنوي أيضا خاضعا لضريبة النظافة وسياسة حماية البيئة الوطنية من الخراب.…

في العديد من التجارب، تتولى لجنة يتم إنشاؤها بالقانون، إيه نعم بالقانون، كل ما له علاقة بالسلطة الإدارية، تكون ذات طبيعة مستقلة ولها علاقة بما يصطلح على تسميته بديموقراطية القرب..

وعادة ما يسهر القانون على تحديد مهمتها في احترام مشاركة العموم في كل ما له علاقة بتمكين النقاش من المعلومة الصحيحة، في كل مشروع أو قضية تهم الناس..

في الحالة المغربية، قد تعطي رأيها المنهجي، كما قد تقدم توصيات عامة من شأنها أن تحصن التشاور والنقاش مع الرأي العام.
فالحقيقة الساطعة اليوم هي أن ما يشغل الناس في اليومي، وفي المعيش، وأيضا بما له علاقة بمستقبلهم، يكاد يكون غائبا في ما يشكل موضوع نقاش النخب والمسيرين وأصحاب الرأي ..

اِنظروا إلى القضايا التي تُنهك عقل الناس وتستبد بانشغالهم، كالتعليم والمستوى المعيشي والصحة والسكن، وكم حيزا تحتل في النقاش العمومي، مقابل القضايا التي تملأ الجنبات والورق ووسائل التواصل الاجتماعي وماله علاقة بالأحداث ..
نكاد نلمس فيها الشأن الفردي، الغرائبي، المنحصر في السلوكيات والتجارب الفردية….لا أقل ولا أكثر!
علينا أن نعيد اكتشاف ثقافة النقاش العمومي… بتلخيص!

وكما نتحدث عن الهدر المدرسي بمأساوية، صادقة حينا ومناسباتية حينا آخر، علينا بالفعل أن نتحدث عن الهدر العمومي في النقاش المفتوح، بما أنه يفوت على الناس فرصا ثمينة في تكوين الوعي بضرورات المرحلة التي نعيشها….

على الأقل سيكون من مهام هذه الهيئة الوطنية، التي نمزح بخصوصها بخمسين في المئة فقط، والباقي جديد مادة في المادة، ضمان مشاركة حقيقية للناس، وذلك بفضل احترام قواعد السلوك في النقاشات، ويعنى بهذه القواعد، الانفتاح، الشفافية، الحجج، التحري، الإنصاف ….

إضافة إلى المبرر البيئي والسياسي، هناك المبرر الأخلاقي …الذي يقتضي منا الابتعاد عن الإسفاف والتردي في كل ما هو عمومي..

والمبرر الديني، الذي ينصحنا بأحسن القول واتباعه، وكذا الكلام الطيب والذي ينفع الناس والمجادلة بالحسنى… إلخ.
نحن في أمس الحاجة، اليوم، إلى رفع مستوى النقاش إلى مستوى الإكراهات… وحماية المواطنين من النخب المبتذلة
ونقاشاتها المبتذلة
وعقولها المبتذلة…
وحساباتها التي لا تتجاوز الغرائز الافتراسية!

 

الاحد : 20يناير 2019.