تدور في البلاد نقاشات محمومة، غالب محاورها ترتبط بمشاريع المجتمعات عادة: الحرية الشخصية، الاستفادة البعدية من العمل السياسي، حدود الديموقراطية والدين… …إلخ.

لكن التفكير فيها يقف عند حدود بسيطة تماما، كالحجاب، والسياحة العاطفية، والتقاعد… إلخ….
ليست هناك أي حاجة للتشخيص في هذا الباب ولا للاتهام ولا للتجريح الفردي،…
الأمر يفوق ذلك بكثير…

أولا، في الخطاب الديني، قبل وبعد السياسة تقوم المواقف على معيار الخطيئة والحسنة، الذنب والثواب، المغفرة والعذاب.. ويسير الفرد نحو هذا الموقف من الوجود بناء على قناعات فردية هي جزء من البوابة الإلهية الكبرى التي ندخلها عندما نؤمن…
انتقال النقاش من الحكم الديني إلى الحكم الموضوعي أو الدهري، قفزة لا بد لها من توضيح موقف إيمان صاحبه بالحكم الفقهي الذي يحتكم إليه،
هل هو ذنب؟
هل هي خطيئة؟
وعليه بالتالي التسليم بأن الدفاع عنه بمبررات الحق في الترفيه واللعب، هو بمثابة تعويض المجتمع الاستهلاكي للجماعة كأصل في التفكير والتعريف!
والذنوب في عدم الالتزام بالمرجعيات الفردية في التدين تجعل الفرد تحت طائلة التوبة، وليس تحت طائلة النصوص الديموقراطية..أو قوانين السوق أو سوسيولوجيا اللذة…
فالديموقراطية لا تغفر الذنوب….
واقتصاد السوق لا يمكن أن يمحو السيئات
والاستفادة من الحياة المادية للسياسة بالرغم من وجود القانون مثلا أو العرف السياسي لا يلغي في العمق الإنساني الفردي سؤال الوسواس الشيطاني بالاستفادة من المال مثلا..

هناك معايير لا تجعل من النصوص المنظمة للتقاعد مثلا رقية ضد الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس..
نحن أمام تحول، (لن أقول مفارقات ولا تناقضات)، بل تغيير في إبدال الرابط بين المرجعية الأخلاقية والمرجعية السياسية الحزبية..
الأخلاق بالمعنى العام، هي المتفق عليها: عدم الاختلاس، الصدق، الوفاء، النزاهة، احترام الملك العمومي، عدم الاغتناء اللامشروع… إلخ، أما الأخلاق الفردية المسنودة بالنص الديني، فهي حوار داخلي لكل مسلم..

ولا أعتقد بأن منا من لم يحارب نفسه، أمام الحجاب، وأمام الخمر والجنس… إلخ…. بدون أن يتحول ذلك إلى فكرة عن السياسة!
أعترف بأن الوضع السياسي والفضاء العمومي، إجمالا، لا يسمحان بمثل هذا ///«الهدوء، كما أعرف بأن الضرورات السياسية تقتضي أحيانا، وفي التعامل بالمثل وضع الملح على أي جرح، كما تعودنا منذ مدة، لكن مع ذلك يمكننا أن نثق في العقل السياسي الموضوعي لكي يرتقي التناقض إلى حالة تطور، وارتقاء بالتجربة العامة للمغرب…، هناك ثمن لا بد من دفعه، من طرف المعنيين، بدون أن يكون في الأمر شعور بـ«دَيْنية» ما!

علينا أن نذهب بعيدا إذن، وهو كيف يمكن للإسلام السياسي أن يتطور نحو …الديموقراطية المسيحية.
فلطالما أعطيت التجربة المسيحية الديموقراطية كمثال على أحقية ذوي المرجعيات الدينية في الوجود السياسي.. كمبرر مقنع ومعقول للدخول إلى الحقل الحزبي الوطني، هنا وفي الجوار.
لنسلم بذلك، لأن الشرعيات تأتي من الصناديق، اليوم أمام التسليم بهذا، هناك الحق في التحول أيضا..
وأن تسير تجربة الإسلام الحزبي وتتطور نحو الديموقراطية المسيحية، فذلك من الأشياء التي يجب اعتبارها مكسبا جماعيا للمحيط العربي الإسلامي..
بل قد يجعل الخارطة الإديولوجية للسياسة تعتمد شبكة قراءة متعارف عليها كونيا، ويسهل التقدم نحو المستقبل.
ويجعل المستويات السياسية والتاريخية ممكنة..
بل لا يمكن أن تتحرر السياسة وتصبح «إنسانية» إلا بتحريرها من الاستعمال الديني..
وعليه هناك ضرورات سياسية وأخلاقية ودينية وإنسانية بالأحرى تفرض تحولا، والإعلان عنه بمسمياته، حتى يتم تحرير الحقل الديني من التوظيف السياسي، والذي يجعل بالفعل من المستحيل أن يعيش الإنسان سياسيا بتجربتين في الحياة والنص..
لقد تعلمنا من التجربة المسيحية الديموقراطية ما يلي:
أنها تاريخيا محاولة لتطبيق المرجعيات التي تحملها الكنيسة، ومنها الحرية الفردية، والعدالة للفقراء، وتدخل الدولة في الاقتصاد الاجتماعي …إلخ.
وهي منظومة ستتطور مع الزمن وتتحول إلى ما يجعل الأمر الأخلاقي شأنا فرديا ولكن الأخلاق العامة تحكم الجميع….
تجربة ميركل، في القوة النسائية للسياسة العادلة والقوية
لوحدها تفرض المراجعة، سيدة يعتبر المحافظون الإسلاميون أنها لا تستحق الحكم، قوية في السياسة والتسيير، تحتكم بدورها إلى الأخلاق العامة في التسيير ونظافة ذات اليد إلخ…تعلمنا أنه لا مجهود بدون مقابل ولا مقابل بدون مجهود، ومن استغنى وتعفف فذلك فضل من لله.…

لقد كانت الكنيسة وإلى حدود القرن الماضي تنظر بعين الريبة إلى هذه التجربة باعتبار أن «الانتخابات والمساومات السياسية نوع من الحداثة»، (كذا)، وتطور الأمر إلى ما أبعد من ذلك عندما تعاملت الديموقراطية المسيحية في إيطاليا وألمانيا مع خصومها الدهريين..
وسارت الحريات الفردية أبعد بكثير من ممارسات اجتماعية (تنحصور في اللباس، والشرب، والأكل…… الخ)، وهو تطور لا يمكن عدم الأخذ به..
حتى يبقى لنا شيء ما من هذا النقاش، ولا نضيع في وسوسات لا تغني ولا تسمن من جوع..
على الإسلام السياسي أن يتحمل حتمية هذا التحول، ويشرعن لنفسه من خارج منظومة الذنب والمغفرة..
وعليه أن يحسم بشكل نهائي، ما إذا كان العلي القدير سبحانه وتعالى عما يصفون فاعلا سياسيا في كل حملة يقودها،
وما إذا كان الشيطان قابلا للترويض والحبس في صناديق الاقتراع…
وأن تقاليد المؤسسات السياسية في البلاد لا تعفينا من ظل أبي ذر الغفاري رحمه لله وأحسن إليه.

(يتبع)

السبت : 26يناير 2019.