مر على وفاة المرحوم عبد الرحيم بوعبيد 27 سنة، وقد شكل رحيله خسارة للاتحاد الاشتراكي بصفة خاصة وللمغرب بصفة عامة ومعه العالم العربي

كان وحده رحمه لله، مؤسسة فريدة بداخل الحزب. كلما حلت به أزمة تنظيمية أو سياسية نتيجة مواقف الحزب، التي ينزعج منها الخصوم إلا ويجد لها مخرجا برأيه السديد، أو موقفه الحكيم، وأنذاك يسترجع الحزب أنفاسه. واستمر الرجل في نضاله ومسيرته المعتادة بمبادراته التي تعود بالنفع على الوطن والمواطنين. ولا يجادل أحد في ذلك من الخصوم والأصدقاء، وإن تعلق الأمر بالمؤسسة الملكية.

كان يذكي في نفوس المناضلين تفاؤلا وحماسا. كان يحظى باحترام وتقدير من طرف الجميع. كان يتحلى بالجرأة للجهر بالحق كيف ما كانت الظروف وفي جميع الأحوال، وحتى لو كان القمع على أشده، لا يغريه المال أو الجاه. كان صادقا في مواقفه وسلوكاته، مخلصا في أقواله وخطاباته. وهي الخصال، قلما يتوفر عليها زعيم سياسي عبر تاريخ المغرب من طينته.
بعد وفاته إلى اليوم، شهد الحزب تحولات في تنظيماته وأساليب عمله. هكذا كان من الواجب علينا كاتحاديين في القواعد والأجهزة، أن نستحضر خصال الفقيد أسوة بأخلاقه وشيمه ليقوم الحزب، ويسترجع مكانته في المشهد السياسي الحالي.
عندماأقول الجميع فأعني به كل القادة الذين تربينا نحن كجيل من السابقين الذين أدوا رسالتهم التي يحتاج إليها الحزب، كما نحتاج إلى تلك الوجوه التي اعتدنا على توجيهاتهم التي سنستفيد منها وإلا يتركوننا حتى نكون مؤهلين أسوة بالمرحوم بوعبيد وقياداته، كماأننا معنيون بالدرجة الأولى بمضاعفة الجهود والعطاء، للحفاظ على الأمانة وتأديتها خير أداء في ظل القيادة الحالية.
لا يمكن أن نحمل لهذه القيادة وحدها جميع الأعباء الثقيلة في الظرف الراهن، ونكون في المستوى لخدمة الوطن والتاريخ لمواصلة الدفاع على ما اتفقنا عليه من مشروعنا المجتمعي الذي ما زال الحزب متشبثا به ولم يطرأ عليه أي تغيير، وإن تمسكنا به وهو العقيدة التي يلتزم بها الجميع .

وما زلت أتذكر نصيحة المرحوم بوعبيد، حيث قال لي أثناء زيارته في مكتبه، إن السياسة أخلاق، والمحاماة رسالة. وأتذكر كذلك، كلمته أثناء آخر لقاء به في اجتماع اللجنة المركزية قوله» إن ما أسديناه ليس هو الكمال، لكنه نابع من أعماق قلب نقي خدمة للوطن، وخدمة للتاريخ والديمقراطية « حيث أوصانا بالتمسك بالديمقراطية، وهي كلمة مؤثرة وقصيرة بسبب المرض، ثم انصرف رفقة الأخ اليازغي أطال الله عمره، وقد قال بعد لقائنا به بعد دفن الفقيد « إن المرحوم بوعبيد كان مؤسسة، فما من خطأ يقع فيه الحزب، إلا وكان الفقيد يعالجه. أما اليوم، فأي خطأ نقع فيه، فإننا نتحمل مسؤوليته، وبطبيعة الحال، فقد أصبح الأمر كذلك. وعلينا إذن أن نتحمل مسؤولية أخطائنا ونعمل على تجاوزها. والاتحاديون قادرون على ذلك. فمنهم رجال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا للَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.
والواقع أن البلاد في حاجة إلى اتحاد قوي، وهو الذي يعقد عليه الشعب المغربي الأمل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

والاتحاد الاشتراكي، امتداد لحركة التحرير الشعبية، من المقاومة وجيش التحرير، الذين استرخصوا أموالهم وأرواحهم من أجل استقلال البلاد وحرية المواطن المغربي وكرامته. ساهم المرحوم في إعداد المذكرة، التي قدمها الملك محمد الخامس إلى رئيس الجمهورية الفرنسية اوريوال في اكتوبر 1950 .وكان رئيس الوفد الوطني لدى الأمم المتحدة بباريس، وكان محور المذكرة حول استقلال المغرب. وقد أعاد صياغة البيان المشترك المغربي الفرنسي ومعاهدة الحماية، وكان أيضا صاحب البرنامج الشامل والمشرف، الذي قدم في المؤتمر الاستثنائي لحزب الاستقلال، قبل تشكيل أول حكومة مغربية، هو أصغر أعضاء اللجنة التنفيذية بعد الاستقلال (27 سنة)، وهو الذي أسس «جريدة الاستقلال الأسبوعية» التي توقفت في 1954/03/15. وقد تزعم الإضراب التضامني مع أحرار تونس، إثر اغتيال الزعيم النقابي فرحات حشاد في دجنبر 1955 وعلى إثر ذلك، نفته الحماية إلى اداوكنسوس بمنطقة سوس، و تم سجنه بسجن «اغبيلة» مع كل من الحنصالي واسميحة كمؤسسي الاتحاد المغربي للشغل في 20 دجنبر 1954 وكان عضوا فعالا في مفاوضات اكس ليبان في غشت 1955.

هذا غيض من مسيرته النضالية وشيمه. أما منجزات المرحوم المتعلقة بمصلحة البلاد، فلا تعد ولا تحصى. كان من الزعماء السياسيين المغاربة، الذين لا يتوانون عن تقديم أرواحهم خدمة لها في أقصى ما يمكن ان يعبر عن درجة الاخلاص واحترام العهد، لأن هذا الشعب يستحق أن يضحى من أجله.

أما المشهد السياسي، فقد أصبح في الظرف الحالي تمييعا وتبخيسا، وذلك ببيع الأوهام للشعب وممارسة الكذب وعرقلة المشاريع الخاصة بمصلحة الشعب. وأفسدت الاستفتاءات الشعبية بشراء الأصوات، وقبول بالرشاوى، واختلاس المال العام الخ.
وقد نتج عما ذكر، بسبب ما يسمى بجيوب المقاومة وعناصر الإفساد، وهم الذين سماهم المهدي بالقوة الثالثة، وهي قوى الإفساد، ورموز الأزمة، وقوى الجمود.لهذا لا يمكن خروج المغرب من الأزمة، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية إلا بالتخلص منها، وأنذاك يمكن تحقيق دولة الحق والقانون، وما تحتاج إليه البلاد من تقدم شامل في جميع الميادين.
وفي هذا الصدد، يجب أخذ العبرة مما يجري في الخليج وفي الشرق الأوسط وليبيا، حيث لا تعرف الأمن والاستقرار.

وأشير إلى أن عبد الرحيم، قدم عرضا حول التطورات التي عرفتها العلاقات المغربية الفرنسية، أثناء المؤتمر المصغر الذي عقدته القيادة الحزبية باسبانيا في شتنبر 1955، كما أن عبد الرحيم بوعبيد والأمير مولاي الحسن ولي العهد أنذاك هما اللذان أعدا الرد المغربي بشأن العلاقة بين المغرب وفرنسا في نونبر 1956 وبعد ذلك حضر التصريح المشترك الموقع من لدن محمد الخامس وانطوان بيتى في 7 نونبر 1956 كأول اعتراف باستقلال المغرب، كما حضر المفاوضات الفرنسية المغربية الرسمية من أجل استقلال المغرب 1956 وفي 2 مارس سنة 1956 تم إعلان استقلال المغرب.

وقد تولى المرحوم عدة مناصب رسمية عالية، كانت من الأسس الأساسية في بناء الدولة، إلا أن الحظ لم يسعف المغرب في تحقيق الدولة الديمقراطية الحداثية. وكذلك كان له دور فعال في نجاح الدبلوماسية الخارجية للبلد، خاصة في ظل حكومة الاتحاد، التي كان يرأسها المرحوم عبد الله ابراهيم، غير أنه تمت إقالتها بعد أقل من سنتين، ومن ثم اختار الاتحاد المعارضة سنة 1960 إلى أن جاءت حكومة التناوب التي ترأسها عبد الرحمان اليوسفي، بعدما أوشك المغرب على السقوط في منزلق سياسي سنة 1998 ،ومن هنا إطلاق الملك الراحل الحسن الثاني «السكتة القلبية «حيث أشرف السي عبد الرحمان رفيق عبد الرحيم في النضال والكفاح، لأجل الاستقلال والديمقراطية وحقوق الإنسان، وأدى الحزب طيلة المعارضة ثمنا غاليا. وكان بوعبيد سفيرا للمغرب بباريس، وفي نفس الوقت، شغل منصب وزير دولة، وانسحب على إثر اختطاف طائرة فرنسية نقلت زعماء الثورة الجزائرية إلى تونس، كما تولى وزارة الاقتصاد والمالية في حكومة عبد الله ابراهيم، وهو المؤسس لبنك الإصدار، ومكتب الصرف، وصندوق التوفير الوطني، وبناء معمل الصلب والحديد بالناظور، وقد قام باسترجاع 42 ألف هكتار من أراضي المعمرين، وقدم أيضا رسالة إلى الملك الحسن الثاني في 14 أكتوبر 1972 جوابا عن مذكرة الملك المؤرخة في 23 شتنبر سنة 1972 عقب محاولة الانقلاب الثانية، تتعلق بأهداف الجنرال أفقير ومن كان في صحبته الرامية إلى الانقلاب بعد تصفية الاتحاد، الذي يرى فيه أنه يستحيل تحقيق مراميه ما لم يقع تصفية الاتحاد.و هذه الأمور كانت غائبة لم يستطع السياسيون الكشف عنها، حيث كان أفقير يرهبهم كما قال بوطالب وأحرضان رغم علمهما بالمؤامرة هما والآخرون.

وبخصوص القضية الوطنية، فقد ساهم في إفشال مخططات خصوم المغرب 14 يوليوز 1974 حيث طاف العالم بأسره خدمة للقضية الوطنية، وبصددها أصدر المكتب السياسي برئاسة الكاتب الأول للحزب بلاغا بتاريخ 5 شتنبر 1981 يحدد موقفه من قضية الصحراء، إثر قرار نيروبي. وعلى إثره، اعتقل بمعية أعضاء المكتب السياسي محمد اليازغي، محمد لحبابي، محمد منصور ومحمد الحبيب الفرقاني بتاريخ 1981/9/07 وأصدرت المحكمة الابتدائية بالرباط، أحكاما بتاريخ 1981/9/24 قضت على عبد الرحيم بوعبيد ومحمد اليازغي ومحمد لحبابي بسنة نافذة، محمد منصور والفرقاني سنة موقوفة التنفيذ، وعلى إثرها نقل بوعبيد واليازغي ولحبابي من سجن لعلو إلى ميسور بتاريخ 17 اكتوبر 1981 وتم الإفراج عنهم في فبراير 1982 وما زلت أستحضر كلمته التاريخية، التي استهل بها مداخلته كمتهم أمام المحكمة « السجن أحب إلي من أن ألتزم الصمت في قضية تهم وطني. « وكانت كلمته أمام المحكمة كمتهم، بمثابة محاضرة حول قضية الصحراء، وما سيترتب عن ذلك من قرار نيروبي. ولما كانت ليبيا أنذاك تساند البوليزاريو إلى جانب الجزائر، استطاع إقناع عبد السلام جلود الرجل الثاني في ليبيا بعد القذافي بثنيه عن دعم ليبيا للبوليزاريو، وإبرام اتفاق الاتحاد المغاربي الذي كان يترأسه عبد الواحد الراضي. وقد ساهم هذا في تأطير تجمعات إلى جانب الأحزاب الوطنية حول أهمية هذا الاتحاد في جميع المقاطعات الإدارية التابعة لإقليم وارزازات، إلا أنه تم نسف الاتفاق سنة 1986 من طرف الولايات المتحدة، حيث قام الهجوم بواسطة طائرة لقتل القذافي.

وعلى كل، فإن الحديث عن المرحوم بوعبيد، تطلب مذكرات ومذكرات، إذ كان قدوة في الوطنية والتضحية والإخلاص والجرأة والذكاء التي يحتاج إليها أبناء الشعب المغربي من الحاكمين والمحكومين. وهو مدرسة لتأهيل الوطن والمواطن.

وفي الوضع الحالي، فإن الاتحاد الاشتراكي والمغرب في حاجة ماسة إلى أمثال عبد الرحيم بوعبيد، إذ يجب الاقتداء به، وهو ذاكرة لا تنسى.

 

الثلاثاء: 29 يناير 2019.