للدولة الوطنية تاريخ، تقطعُه وتتطوّر فيه، شأن أيّ ظاهرة اجتماعية أخرى في التاريخ الإنساني؛ كالزراعة أو الصناعة أو العلوم والمعرفة أو القيم. لا مجال، إذن، للقول إنّ الدولة الوطنية في الحاضر عينها الدولة التي وُلِدت من مخاضات القرنين السابع عشر والثامن عشر لمجرَّد أنّ المبادئ التي قامت عليها، في ماضيها، ما برِحت تقوم منها المقام عينه؛ إذ المبادئ نفسها – إنْ سلّمنا أنها ما تزال هي هي لم تتغيّر- تتطوّر أو، قل، تخضع لأحكام التطوّر التي يفرضها الواقع المتحوِّل، وتفرضها نظرة الناس المتغيّرة والمتطورة إلى المبادئ تلك. إذا أخذنا، مثلاً، مبدأ السيادة، الذي أقرّته «معاهدة ويستفاليا» منذ ثلاثمائة عام وسبعين عاماً (1648)، والذي هو من مداميك عمران الدولة الوطنية، أو مبدأ الحرّية، الذي عليه مبنى الدولة ومبنى المواطنة، لألفيْنا أنّ معنى كل منهما تعرّض للتعديل الكثير والكبير، في مجرى القرون السالفات، وخاصّة منذ الحرب العالميّة الأولى قبل قرن؛ فما عادت سيادةُ الدولة تُدْرَك، اليوم، بوصفها تلك السلطة الذاتيّة المطلقة التي لها على نفسها؛ وشعبها وأراضيها وثروتها، المعبَّر عنها في مرجعيّة قوانينها وفي سياسات صادرة من إرادة وطنية مستقلة. حتّى حينما تتحدّث دولة من دول اليوم بهذا المعنى للسيادة، فإنما هي تفعل ذلك فعْلَ مُكَابَرَة أو في أحسن الأحوال، لحمْل غيرها على أخذ مصالحها في الحسبان. أمّا في الواقع الفعلي فقد انْحَدّتْ سيادات الدول الوطنية بحدود التداخُل في المصالح، أو بحدود القوانين الدوليّة العابرة للأوطان. بالمثل، ما عادتِ الحرّية تعني استقلاليّة الذات وإرادتها الحرّة؛ في التملّك، في التعبير، في المشاركة في الشؤون العامّة، وإنما أصبح الأفراد يمارسون حرّيات هي، في الواقع، مبرمَجَة وموجَّهة عن بُعد؛ بالأدلجة وصناعة الرأي، وبالتنميط، وبغلبة سلطان قوى المصالح على إرادات الناس (كما في الاقتراع).

ربّما ظُنَّ، لوهلةٍ، أنّ التطوُّر هذا يصيبُ الدولة الوطنيّة القائمة في الواقع أكثر ممّا يصيب مفهوم الدولة الوطنيّة – على نحو ما تبلورَ في الفكر الفلسفيّ والسياسيّ والقانونيّ الحديث- وأنّ هذا ظلَّ متكاملاً وثابتاً إلى حدِّ أنّ تطوُّر الدولة في التاريخ يبدو كما لو أنّه ينزِع نحو مطابَقةِ نفسها مع مفهومها، أي نحو الصيرورة دولة مطابِقة لنموذجها الذهنيّ الذي صاغه الفكر الفلسفي والسياسي. والظنّ هذا مخطئ؛ لأنّ مفهوم الدولة الوطنيّة نفسه تغيّر مع الزمن، بل كان يجري التغيُّر عليه حتى داخل الجِيل الواحِد من المفكّرين. مَن يطالع تاريخ فلسفة السياسة أو الفكر السياسيّ، حديثه والمعاصر، يدرِك أنّه ما من شيء استقرَّ ثابتاً في منظومة ذلك الفكر؛ فالأفكار والمفاهيم والنظريّات، مثل الكائنات الحيّة، تنمو وتنتقل من طور دلاليّ أو مضمونيّ إلى آخر.

لم تتكوّن الدولة الوطنيّة، إذن، في هيئتها الراهنة لحظة الميلاد، ولم تكتسب سماتها جميعَها منذ فترة التكوين، وإنّما تشكّلت عبر مخاض طويل من التحوّلات، الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، قبل أن تتّخذ هذه الهيئة المعاصرة. وما كان لكيان هذه الدولة أن ينشأ، في أيّ مجتمع من المجتمعات التي قامت فيها، إلاّ في سياق تراكميّ تحقّقت فيه حلقات متعاقبة من بنائها ككيان. وما كان يمكن إنجاز أيّ حلقة من حلقات التطوّر إلاّ متى تهيّأت له الشروط المناسبة، الموضوعيّة والذاتيّة؛ من يقرأ تاريخ أوروبا وأمريكا الشماليّة الحديث، في القرون الثلاثة الأخيرة، يعرف – على التحقيق- أنّ هذه الدولة قطعت شوطاً طويلاً من التطور، وتولّدت من مخاض عسير؛ بحيث ما أتتِ الولادةُ سهلةً سلسة دائماً. ومع أنّ بعضَ ذلك المخاض أتى دمويّاً، في حالات منه، ومن طريق حروب وانتصارات وانكسارات، إلاّ أنّ ذلك ليس من التطوّر في مقام القانون الموضوعيّ الحتميّ.

يؤدي بنا هذا التشديد على تاريخيّة الدولة إلى استنتاج نتائج ثلاث يمكن أن تكون فرضيات للبحث:

أوّلها أنّ الدولة الوطنيّة الحديثة ليست، ولا يمكنها أن تكون، نموذجاً للاستنساخ (من قِبَل نخبة حاكمة أو معارضة)، لأنّها وليدة تطور ذاتيّ ضمن تاريخ اجتماعي خاص، كما أنّها ليست من نوع المنتوجات القابلة للاستيراد.

وثانيها أنّه يجوز – بل ينبغي- أن يُستفاد من الخبرة التاريخية للدول الوطنية الحديثة، من طريق توليد الشروط التي هيّأت لها ولمؤسّساتها الميلاد، بالقدر عينه الذي ينبغي فيه تقوية كيان الدولة القائمة – التي لم تبلغ في الكينونة مبلغ الدولة الوطنية – وتمنيعها والتمسك بها بما هي الكيانُ المؤسّسي للجماعة الوطنيّة، مع السعي الحثيث إلى إصلاحها وأقْلمتها مع موجبات التطوّر.

أمّا ثالثُها فهو أنّ المعركة من أجل الدولة الوطنيّة، في بلداننا، ستكون – قطعاً- طويلة المدة، وأنّ قضيّة بناء هذه الدولة ستكون، حكماً، قضيّة المجتمع برمّته لا قضيّة فريق اجتماعي سياسي بعينه، وأنّ التوافق والمواطأة على قواعدها أقصر سبيل- وأفضله- إلى بلوغ هدف بنائها.

 

الثلاثاء : 29 يناير 2019.