يعيش المغرب لحظة «هيكلة»، أو استكمال هيكلة دولته، وإعطاء بنيات دالة، ملموسة، للاختيارات والمفاهيم التي تؤطر اليوم توجهاته الاستراتيجية.

هناك ثلاثة عناوين لهذه العملية التاريخية على الأقل:
– انتظار بلورة النموذج التنموي الجديد..
– بناء اللبنات الأولى لإعادة النظر في طبيعة الإدارة، من خلال اللاتمركز، والتراب من خلال اللامركزية.
– استكمال البناء الدستوري، والمؤسسات التي تنتظر الهيكلة، كما هو حال هيكلة أدوات تدبير التعدد اللغوي والانتقال اللغوي كما تم التوافق حوله منذ خطاب اجدير..
-إعادة بناء مفهوم الحوار الاجتماعي، ضمن أجندة اجتماعية ضاغطة.…

بالنسبة للنقطة الأولى، فإن النموذج الذي تم الاتفاق، في أدنى تقدير، على أنه استنفد اداءه، أو، على أقصى تقدير فشل في تحقيق كل وعوده، كان النموذج الذي اشتغلت به البلاد في تأمين العديد من الانتقالات الوطنية الكبرى، ومنها انتقالات المصالحة والعقد الاجتماعي في قضية المرأة والطفولة، وفي المصالحات المجالية، من خلال إعادة الاعتبار لمناطق كانت موضع نكران وتنكر شبه معلن… إلخ.

وهو اليوم مطالب بأن ينتقل إلى مرحلة أعمق، تهم تأمين التطور والنمو، وتحسين المؤشر البشري للتنمية وتطور الأداء الوطني في الاقتصاد باعتبار أن النموذج الذي دبر المصالحات الكبرى، تغيرت أولويات النموذج الذي يليه… وهو تحسين المؤشر التنموي.…
النقطة الثانية تتعلق بورش معلق تاريخيا، ويتأثر بالتردد الذي قد يطبع الثقافة التي بنيت بها أدوات عمل الدولة وفي قلبها وصلبها الإدارة….

إننا أمام فرصة لكي تتأقلم الدولة، كما تعارفنا عليها، مع الجهوية، ترابيا وإداريا، مما يقتضي إعادة انتشار في الوظيفة العمومية وفي كل مكونات الإدارة…، وهو ما يقتضي العمل ضمن أفق مضمون، ومؤمَّن أيضا..

بالنسبة لاستكمال البناء الدستوري، والمؤسسات التي تنتظر الهيكلة، كما هو حال هيكلة أدوات تدبير التعدد اللغوي والانتقال اللغوي، فنحن ولا شك في لحظة تاريخية، ومرحلة إصلاح تمس المجتمع برمته، وغالبا ما تكون لحظات توتر وتقاطب بين المكونات المجتمعية، مما ينعكس على أداء المؤسسات، وأيضا أداء الفاعلين السياسيين الذين يحملون مشروعا لتأطير هذه التقاطبات.. وهو أمر قد يبدو أثره في التوازنات السياسية المؤسساتية) البرلمانية والحكومية والمتفرعة عنهما)…

وبالوصول إلى الحوار الاجتماعي، يمكن القول إن هناك ثلاثة فضاءات لتدبيره:

الفضاء المؤسساتي، عبر الحوار الرسمي بين النقابات والحكومة.
– الفضاء العام، وهو محاورات تتم عبر الشارع بالمسيرات والتظاهرات والإضرابات، وهو معطى سوسيولوجي ينعكس أيضا على طبيعة الحوار المؤسساتي، والذي ينتظر نقلة نوعية في آليات تفعيله، تتجاوز الإطار المعروف والمتداول.
– الوساطة الجديدة، والتي تكيف المزاج العام مع أشكال تعبيرية جديدة، لم يألفها المغاربة والمسؤولون، والتي يحتضن فيها الافتراضي ما هو واقعي..

هذه الخارطة التي يتقاطع فيها الدولتي (من الدولة) مع المجتمعي، لها بطبيعة الحال، مقابلها، حتى لا نقول كلفتها، من جهة تأمين شروط التحضير الجيد لها، وإعطائها الأولوية، التي قد يكون من نتائجها بناء مقومات وضع جديد.. يفرزه المستقبل ربما بالآليات المعروفة، أي انتخابات 2021 ….ولربما لهذه الأسباب، لا يمكن للعقل السياسي الحالي أن «يغامر» بافتراض سيناريوهات.. مفاجئة.، كما قد تبشر بها الوصفات، الإعلامية أو السياسية، ولو من باب البحث عن سبل أخرى لإعطاء معنى آخر للفعل السياسي الآني….

 

الاربعاء : 30 يناير 2019.