المناسبة التي جعلتني أكتب هذا المقال هو كوني الآن منهمك في قراءة كتاب بلال التليدي  تحت عنوان “الزلزال السياسي: ديناميات السياسة قبل وبعد السابع من أكتوبر، مع وثيقة سياسية تاريخية للزعيم الوطني عبد الإله بنكيران”. لقد أحدث محتوى 100 صفحة الأولى منه خيبة أمل في نفسي، لأن منطق تفكير الكاتب، لكي لا أقول المنطق الحزبي لإسلاميي المغرب، لم يكن منصفا للتاريخ السياسي للمغرب الحديث. لقد اختزل الكاتب هذا المسار التاريخي الزاخر بالأحداث في صراع لا يمت بصلة بالمصلحة السياسية للوطن والمواطنين، صراع حزب المصباح مع حزب الجرار، رافعا شعار “التحكم” في كل صفحاته.  لقد لامست في تعبيرات الكاتب أنانية حزبية مفرطة، جعلته يتناسى الأسس الكبرى التي تراكمت ببلادنا عبر الممارسة السياسية سواء في زمن المقاومة ضد الاستعمار أو طوال عقود النضال من أجل الحرية والديمقراطية. 

فبعد الانتهاء من القراءة الأولية لهذا الكتاب، وجدت نفسي مضطرا لتأجيل الخوض في مناقشة أجزائه مقتصرا بإثارة الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى: لا يمكن لأحد أن يجادل الأهمية السياسية القصوى التي تتمتع بها الكتب التي يتم إصدارها باسم الزعامات الحزبية، والتي نسميها ب”المذكرات”. وتتجلى هذه الأهمية في مضمونها، ورسائلها، وتكاملها، ومدى إسهامها في تسليط الضوء على منطق الفاعلين، وعلاقتهم بمسار تطور منطق ممارسة السلطة ببلادنا. لقد انطلق النقاش في شأن بناء الدولة الوطنية منذ الاستقلال (بل حتى قبله)، واحتد زمن الصراع السياسي الذي دام ما يقارب أربعين سنة. السيمة الأساسية للنقاش الوطني، الذي تحول إلى صراع عنيف أطلق عليه “صراع سنوات الجمر والرصاص”، هو كونه كان دائما مرتبطا بالتطورات الدولية والإقليمية. أما على مستوى التأطير والتشخيص النظري والفكري، فقد عرف المشهد المغربي كتابات عديدة للنخب الوطنية، وبرزت بالموازاة إسهامات وأبحاث وخلاصات أصدرها الأجانب بعناوين كثيرة أهمها “الملكية ونخبها” و “الفلاح المدافع على العرش”. فمنطق ممارسة السلطة ما بين المركز والمجالات الترابية المحلية لم يكن جامدا. فكفاءة وتجربة النخب والزعامات السياسية وصلابتها أعطت للتفاعل الميداني بين المكونين (المركز والهوامش) قوة سياسية وفكرية كبيرة أسست لقاموس سياسي برهن خصوصية التطورات المغربية مقارنة مع التطورات الإقليمية. لقد برهنت أطروحات عديدة، تمت مناقشتها بفرنسا على الخصوص لنيل شهادة الدكتوراه، أن الزعامات والنخب الترابية لم تكن مجرد كائنات سياسية مخزنية مؤتمنة على الوفاء لتوجيهات المركز، بل كانت نخب الأحزاب الوطنية تتحرك على أساس إيديولوجي استطاعت توسيع مجال الحريات السياسية إلى أن تمكنت من النجاح نسبيا في تهييئ شروط تحقيق الانفتاح السياسي بالبلاد، الانفتاح الذي خول لحزب المصباح الانخراط في العمل السياسي وقيادة الجهاز التنفيذي منذ 2011.

الملاحظة الثانية: المغرب كان استثناء في إستراتيجية المحافظين الجدد بالولايات المتحدة الأمريكية ما بعد أحداث 11 شتنبر. لم يتم اعتبار النظام المغربي استبداديا متسلطا ومنتجا للتطرف كما هو الشأن في أفغانستان وفي عدد من دول الشرق الأوسط. لقد تم اعتبار الأساس الاجتماعي والسياسي والثقافي المغربي موجودا وكافيا لتطوير الديمقراطية به. لقد خطى المغرب خطوات هامة في الإصلاح المؤسساتي والاقتصادي. وبذلك لم تكن بلادنا في قائمة الدول التي يجب فرض الديمقراطية بها بالقوة لتحقيق السلام ومحاربة الإرهاب (أفغانستان، العراق، ليبيا، سوريا،…) في إطار ما سمي ب”الفوضى الخلاقة” (هنا يمكن القول أن التفاعل السياسي ببلادنا أنضج بحكم الواقع حسا وطنيا استباقيا). 

الملاحظة الثالثة: لقد أثار الكاتب حدث “الخروج عن المنهجية الديمقراطية” سنة 2002، وأثار ما حدث للمرحوم عبد الله إبراهيم، لكن تحاشى الحديث عن أي فكرة في شأن الموقف الرسمي والمبدئي لحزب العدالة والتنمية في شأن بيان حزب الوردة في هذا الشأن. لقد تحاشى أو تناسى التصريحات الحرجة في موضوع التكتل القبلي الذي أعلنته قيادات حزبه مباشرة بعد إعلان نتائج الانتخابات، والتي حصل فيها حزب عبد الرحمان اليوسفي على المرتبة الأولى، وتناسى عن قصد بلا شك إثارة العبارة الشهيرة اللامنطقية “مولا نوبة”. 

الملاحظة الرابعة: إن اختزال الصراع في تاريخ العمل السياسي بالمغرب في المواجهة ما بين السيد “إلياس العماري” والسيد “بنكيران” يمكن اعتباره إهانة للمؤسسات ولمنظمات المجتمع المغربي، وإهانة للشهداء والزعامات السياسية المغربية. إن اختزال الصراع بهذه الطريقة لا يمكن أن يدل إلا عن كونه صراعا ذاتيا ومصلحيا وليس صراعا من أجل الوطن ومن أجل توفير شروط تطوير المنظومة السياسية المغربية بمنطق يجعل الديمقراطية آلية لتحقيق التنمية وتحسين أوضاع المغاربة. لقد تم مؤخرا حشر قضية نشر صور متناقضة للتمظهرات الدينية التي يدعوا إليها حزب المصباح لبعض قياداته البارزة والحذرة في هذا الإطار، وتم إعطاء الانطباع وكأنهم ضحايا مؤامرة.  

الملاحظة الخامسة: لم يتطرق الكاتب إلى كون المغرب، إلى يومنا هذا، يحتاج إلى توازنات سياسية بموازين قوى في المجتمع تقوي الثقة ما بين الفاعلين، وتوفر محفزات الاستمرار في تطوير ديمقراطيته الفتية. فحزب المصباح لا يمكن له أن يشكل بمفرده في الظرفية السياسية الوطنية الحالية الجهاز التنفيذي بأغلبية برلمانية كاسحة، أي بدون التحالف مع الأحزاب الأخرى. كما أن الكاتب لم يشر كذلك إلى كون الوعي السياسي المجتمعي لم يرق بعد إلى مستوى الاحتكام إلى البرامج والأفكار والديبلومات والمعارف والخبرات في اختيار ممثليه، لا زالت المحفزات في الاختيار السياسي، والرفع من نسب المشاركة، تستند على القبيلة والعقيدة والغنيمة. الموضوعية تقتضي، والمغرب في مفترق الطرق، إسهام الجميع، في إطار تعاقد سياسي جديد، في جعل الممارسة الديمقراطية مرادفة على الأقل “لحكم الشعب لصالح الشعب” ليتذوق المجتمع، أفرادا وجماعات، مزايا العمل السياسي الديمقراطي.

الملاحظة السادسة: حتى وإن افترضنا أن حزب المصباح يساهم، بمنطق ما، في تطوير الديمقراطية على مقاصه ومقاصده أو مقاص جهات أخرى قد تكون معلومة أو غير معلومة، وبالتالي إسهامه في تغيير المنظور التقليدي وتطويره في القضايا الشائكة المرتبطة بالحريات الفردية، فهذا لا يجب أن يتحقق مقابل ثمن يتم احتكاره على حساب تقوية آليات تطوير الخبرة الوطنية في مختلف المجالات من خلال ابتكار آليات تجعل من إنتاج النخبة على أساس المسؤولية والكفاءة ركيزة أساسية لتقوية العمل الحزبي والأنشطة الاقتصادية والقيادة الإدارية للأوراش العمومية.

الملاحظة السابعة: الهاجس الانتخابي عند حزب المصباح جعل قيادته للشأن الحكومي تستهدف النيل من الطبقة الوسطى وإضعافها. وهنا، أكاد أجزم لو استمر عبد الرحمان اليوسفي في قيادة حكومة 2002، لتجاوز المغرب في هذا الجانب دولة تونس. فالطبقة الوسطى في هذه الأخيرة تعد اليوم من أقوى الطبقات الوسطى في العالم العربي والمغاربي. 

الملاحظة الثامنة: لقد تأكد، بعد إعلان الانفتاح السياسي بتعيين المقاوم اليوسفي وزيرا أولا (توسيع مجال الحريات وحقوق الإنسان)، تحويل الدين الإسلامي إلى مصدر قوي للتعاطف الانتخابي والشرعية السياسية. لقد تم استغلال ما سمي بالإصلاح الديني بشكل جعل الخطباء والمرشدين الحركيين المنتمين إلى حزب المصباح وذراعه الدعوي لا يدخرون جهدا في إبراز تميزهم عن رجال دين المؤسسات الرسمية. إن خطباء حزب المصباح أو مرشدي حركة الإصلاح والتوحيد يحرصون كل الحرص على إعطاء الانطباع أنهم رجال دين مستقلين ولا يمثلون دين الدولة. لقد حولوا المساجد والمجالس العلمية وتجمعاتهم الأسبوعية على مستوى الأحياء إلى منابر للدعاية السياسية لمشروعهم المجتمعي على حساب المشروع الديمقراطي الحداثي الذي أعلنت الدولة رسميا عن عزمها تثبيت وتقوية مقوماته.