المتتبع للتطورات السياسية ومنطقها وطنيا ودوليا، لا يمكن أن لا يبحر في تفكير عميق ومستمر في موضوع إنتاج المعنى والأهداف المتوخاة من العمل الحزبي كونيا في سياق المرجعية الديمقراطية. فمباشرة بعد هدم جدار برلين، تم تقديم “المرجعية الديمقراطية” كخيار وحيد لاستمرار الأنظمة السياسية في الحكم بأريحية، وآلية لتشكيل بعض المؤسسات الدولية الرسمية، وإعادة هيكلة البعض الآخر، وكذا تأسيس أو تجديد منظمات المجتمع المدني. لقد تحركت الآلة الرأسمالية بكل وسائلها الإيديولوجية واللوجستيكية لتثبيت وترسيخ كون الديمقراطية هي النظام الأفضل لتدبير حياة الشعوب الفردية والجماعية، مع تمكين التيارات الليبرالية من القوة اللازمة في المؤسسات القيادية للتغيير وطنيا وعالميا. لقد تم الاستثمار علميا وتكنولوجيا بقوة من أجل إضعاف العمل النقابي بجعل التقنيات التكنولوجية الذكية الأساس المعتمد في المنظومات الإنتاجية للوحدات الصناعية والخدماتية، مع تخفيف الحاجة إلى العمل البشري، وما يولده من ضغوط سياسية على الرأسمال. لقد عبرت العديد من الشعوب المحكومة بالديكتاتورية والتسلط عن فرحتها، وهناك من الفاعلين من لم يتردد في استنجاده بالأجنبي أو التحالف معه، بحيث توج منطق التطورات بتعميم الفوضى الخلاقة في دول الشرق الأوسط، وفي مناطق أخرى من العالم.

لقد تم اعتبار الديمقراطية الغربية ملاذا لمواجهة الاضطهاد والتعسف، وأصبح إعلان دعم هذا المسار العالمي الجديد رسالة يلتقطها أولي الأمر، أي رواد مصادر القرارات العالمية، بحيث يخصصون لكل من أعلن تأييده لهم والتزامه بالخط السياسي الجديد الدعم المالي والمعنوي في إطار التبعية الاقتصادية. لقد ارتمى العديد من الناس في أحضان هذا التوجه بشكل عفوي بدون اتخاذ المهل الزمنية الكافية لتعميق التفكير في علاقة الديمقراطية الغربية بالجانب الاقتصادي، أي بدون التفكير في منطق النموذج التنموي وموازين القوة ما بين الفاعل السياسي الحزبي والفاعل الاقتصادي، لتفادي استسلام الأول للثاني.

كما أن هناك من رأى في الديمقراطية الغربية النموذج الذي سيتيح إمكانيات التناوب على الحكم، وبالتالي توفير شروط  خلق التوازن ما بين المدافعين عن التنمية البشرية والاجتماعية كأساس لخلق القيمة المضافة مجتمعيا وأنصار المقاولة والرأسمال. وهناك من اعتبر هذا التحول فرصة سانحة لتحقيق المواجهة المطلوبة لآفة احتكار الثروات الوطنية من طرف الأقليات بالسلاح والنار (كما حدث في تونس لابن علي وزوجته). لقد أصبح شعار “الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج” عنوانا عريضا يتصدر مقدمات البرامج الحزبية والحكومية، بحيث تم إعلان مواجهة الإيديولوجيات الأخرى من أجل إضعاف الاعتراضات المنبعثة من هنا وهناك، خاصة تلك التي حاولت التشبث فكريا بوجود ارتباط وثيق ما بين “الملكية العامة لوسائل الإنتاج” وإنتاج القيمة.

في هذا السياق، برز في البداية ما يسمى بالقوة الناعمة في الأنساق الديمقراطية، وتحول روادها إلى حماة للحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان بشقيها السياسي والاقتصادي، معلنين، بالقول والفعل، عن إرادتهم في إنضاج الشروط الضرورية لتسريع وثيرة تصالح وتناقح الحضارات من أجل الوصول إلى ترسيخ مقومات الإنسان العالمي في الأذهان (الإنسان الجاد والحر والمنتج للقيمة وليس للتفاهة). إلا أنه بالرغم من رفع هذا الشعار النبيل وتحويله إلى عنوان عريض يتصدر الخطابات المنبرية، عرفت الممارسة السياسية انزلاقات أخلطت الأوراق بدون إتاحة فرصة ترتيبها مجددا.

في نفس الإطار، إطار المنتصرين بقيادة الغرب، تطور ارتباط التفاعل الفكري المدافع عن الديمقراطية بالديناميات الاقتصادية للدول العظمى، إلى أن تبين، بما لا يفيد الشك، تراجع الجانب القيمي في العمل السياسي، لتتحول الديمقراطية إلى آلية لتمكين الرأسمال من التحكم في الأسواق. لقد توالت التصريحات الداعية إلى خلق التكتلات الجهوية وتوسيعها، وارتفعت الأصوات في المنابر الرسمية لتشجيع تكتل الشركات الكبرى، وتكثيف التبادلات التجارية في إطار السوق الحرة تحت إشراف منظمة التجارة العالمية. لقد تطورت التفاعلات وضغوطات السلط المؤيدة لتضييق الخناق على السلط المضادة إلى أن تكرس واقع جديد جعل السياسة، في إطار المرجعية الديمقراطية، تبتعد عن نبل الأفكار التي كانت وراء التنظير لها وظهورها، بل تحولت مع مرور السنوات إلى سند للرأسمال على حساب الحقوق الاقتصادية والسياسية والثقافية للشعوب والأمم. لقد فندت التطورات كل ما تم الترويج له لتعميم هذا النموذج كنظام عالمي تنموي لا بديل له، والتي كان أبرزها تحويل فوكوياما، المعلن لنهاية التاريخ، إلى نجم ساطع في العالم الإعلامي الجديد. لقد أحدثت المغالاة في منطق السوق، منطق الوفرة والبيع والربح المصحوب بالتحفيزات لتشجيع الاستهلاك المادي على حساب التنمية الفكرية، تكثيفا للدفق المالي من الجنوب إلى الشمال، وأضرارا لحقت بالبيئة وبجودة الحياة بمكونيها المادي والطبيعي.

فبعد ثلاث عقود من الممارسة، أصبحت السياسية، المروجة لنفس الشعار، مرادفا لخدمة الرأسمال وتراكم الأرباح الاقتصادية، وإحداث تحولات عميقة على مستوى المهن المزاولة، تحولات أضعفت المواجهة ما بين الرأسمال والعمل لتحقيق هيمنة الأول. ومن أجل الاستمرار، في زمن توالي الأزمات الاقتصادية والمالية، استثمر الرأسماليون كل جهدهم للانقضاض على المؤسسات السياسية التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية من أجل مواصلة تحقيق أعلى التراكمات المالية وتحويلها إلى آلية لاحتكار مصادر القرار السياسي، ولو بالسماح من حين لآخر بتجاوز بعض القيم الإيديولوجية الليبرالية، كإقرار تدخل الدولة في الاقتصاد في مراحل ما سمي بالقروض السامة المعمقة للأزمات المالية والنقدية.

الكل يتابع اليوم كيف حلت الشعبوية محل التفكير السياسي الإيديولوجي الملتزم، وبرزت من جديد نزعات الانغلاق، وترويج حاجة شعوب الشمال إلى الحماية من مخاطر تدفع المهاجرين من دول الجنوب. لقد ساهم تعميم الهوة التكنولوجية والتعليمية ما بين الشمال والجنوب في اختلال خطير للتوازن، اختلال عمق من حدة استنزاف خيرات الشعوب الفقيرة، بحيث أصبحت عرضة للفقر والهشاشة والأمراض، إلى درجة لم يجد شبابها من حل سوى البحث عن أي وسيلة، كيف ما كان حجم المخاطر المحيطة بها، توصلهم إلى بلدان الشمال. في نفس الآن، ساهمت التطورات في تيسير عمليات تفاوض رواد الرجعية مع الشباب الضائع غير القادر على مسايرة التطورات العلمية والتكنولوجية، وبالتالي النجاح في تجنيد عدد كبير منهم  لممارسة الإرهاب تحت مسميات مختلفة.

والحالة هاته، اعتبر الدب الروسي الأوضاع مواتية للعودة، مدعوما بالصين وبعض دول المعسكر الشرقي. لقد تمت هاته العودة بعدما انتشر صيت قوة الاقتصاد الصيني والتفوق العسكري والنووي الروسي. لقد فرض النموذج الاقتصادي الصيني نفسه عالميا تحت حكم الحزب الشيوعي المنخرط في اقتصاد السوق والعضو الرسمي في منظمة التجارة الدولية. إنها عودة السلطويات زمن استمرار إضعاف  أسس القوة الناعمة وقيمها الحقوقية. الكل يقر اليوم أن الرأسمال المعنوي والرمزي والثقافي لهذه الأخيرة قد ابتلي بآفة التآكل المستمر، تآكل يبرر ما تقوم به الآلة الإعلامية العملاقة للمعسكر المناوئ للترويج للقوة “الخشنة”. لقد عرقل مسلسل بناء الديمقراطيات الفتية في الشرق الأوسط بسبب هذه العودة، وتمت المبالغة كونيا في نشر الأكاذيب، وتشكيك الناس في قيمة الديمقرطية وحرية التعبير.

أما الدول التي نجت من جحيم الفوضى الخلاقة، التي لم يترتب عنها إلا الهدم وتعقيد عملية بناء أنظمة جديدة، فلم يبق لها من سبيل للاستمرار في إطار الاستقرار سوى اللعب دوليا، بذكاء شديد، على “الحبلين”، والعمل بكل تبصر وحنكة من أجل تقوية الإجماع الوطني. وهنا، عند الحديث عن الإجماع الوطني، أعني به الإشراك الكلي للفاعلين في بناء نموذج اقتصادي وسياسي جديد، إشراك لا صلة له بالاستقطاب بالترغيب والترهيب والتهديد والتشويه. إنه النموذج الذي سيمكن شعوب جنوب الكرة الأرضية من الاستفادة من التحولات الدولية، وحماية نفسها من الاختراق الهدام للقيم الإنسانية والأفكار البناءة، ولمقومات العيش المشترك كأمم واحدة موحدة ذات سيادة سياسية وثقافية واقتصادية.

إذا نجحت نسبيا الدول القوية كونيا في محاربة الإرهاب، فإن الإشكالية المطروحة تتمحور اليوم حول سؤال قدرة العالم بفاعليه ونخبه ومفكريه على إنتاج خيار أو خيارات إيديولوجية جديدة تعطي للقراءة والإبداع الفكري مكانة تنسي الشعوب الهالة التي تعطى اليوم لإنتاج التفاهة.

الخميس: 21 فبراير 2019.