صار من المعتاد أن تتلقى الحكومة تقريعات مجالس الحكامة، وصار من المألوف أن نقرأ صفحات وآراء قاسية للغاية في الأداء الحكومي..
وأمامنا اليوم مثال المجلس الأعلى للحسابات، ورأي مجلس المنافسة، كحدثين بارزين في الأسبوع الذي ودعناه.
لا حكومة
نعم الحكامة…
مجالس الحكامة، بالوضع الاعتباري الذي اكتسبته، هي في الواقع تجمع بين طريقة في التفكير في العمل العمومي، كما تقترح جهازا إجرائيا محددا في النظر إلى الحلول..
الحكامة، ومؤسساتها هي في العمق، فكرة ضرورية، للاستجابة لحالات الخصاص المسجلة في النظرية المعارضة للدولة، وبالتالي ضرورية لتطور الدولة نفسها بأدوات جديدة….

(1) في سياق الحديث عن مجلس جطو، نسجل الوضوح في العبارات بخصوص التقرير الصادر عنه، في قضية التنمية المستدامة فهو تقرير، كما ورد في الصحافة وفي صفحاته،… يكشف أن الحكومة لم تتخذ بعد التدابير اللازمة من أجل تنفيذ آلية وطنية لتسريع تنزيل الخطة المعنية بالكلام، بسبب غياب إطار مؤسساتي للتنسيق والرصد والتكامل بين المتدخلين في تنفيذ هذه الأهداف. وذلك مقابل التزام البلاد-المغرب- بشكل واضح بتنفيذ خطة الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة..

التقرير يقيم هذه الثنائية اللافتة بين البلاد وبين الحكومة، بين التزام البلاد وتراخي الحكومة، بالتشديد على «مدى جاهزية المغرب لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2015-2030، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 25 شتنبر 2015، أن المغرب ملتزم بشكل واضح بتنفيذ خطة الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة وأنه يتوفر على إطار دستوري وتشريعي ملائم لتنفيذ هذه الخطة، مذكرا بتنظيم مناظرة وطنية سنة 2016 بهدف إطلاق مشاورات ونقاش وطني بين مختلف المتدخلين المعنيين. إلا أن المجلس الأعلى للحسابات لاحظ، حسب التقرير، أن الحكومة لم تتخذ بعد التدابير اللازمة من أجل تنفيذها».

(*) التقرير يثقل كاهل الحكومة، التي رأت النور مع المناظرة المذكورة أعلاه، لكنها كانت سببا في «التأخير في وضع هذا الإطار» مما أدى إلى:

– ضعف مشاركة المتدخلين المعنيين.
– ضعف مستوى المشاورات التي تتم معهم من أجل تبني تنفيذ أهداف التنمية المستدامة.
– غياب توزيع للأدوار والمسؤوليات..
-عدم تبني استراتيجية أو خطة وطنية تحدد الأولويات الوطنية وخطط التنفيذ والآجال المتعلقة بها والمتدخلين ومصادر التمويل.

الملاحظة الأخرى ذات الأهمية، هي أن الحكومة كإطار عام، لم تمنع «مجموعة من الوزارات في أن تتخذ مبادرات فردية لأجل تبني الأهداف وتنفيذها في إطار استراتيجياتها القطاعية، في غياب إطار استراتيجي لتنسيق تدخل مختلف الشركاء ومنهجية موحدة ومتكاملة تحدد الأولويات الوطنية».

وهنا نسجل الملاحظة الثالثة في كون الحكومة متأخرة عن وزارات بعينها ضمن هندستها.
وبمعنى أوضح فهي، في شخصها المعنوي، متأخرة عن التزام البلاد
ومتأخرة عن وزارات تعمل لوحدها بدون إطار مرجعي ينسق العمل ويعطي للخطة كل أبعادها وإمكاناتها.…
ويتضح أن هذا النهج، حسب التقرير، يخالف ما تم اعتماده في إطار خطة 2030 لتحقيق أهداف التنمية المستدامة والذي يحث على التنسيق المحكم بين مختلف الفاعلين وتوزيع ملائم للمهام بما يتيح التنفيذ الأمثل واستغلال المؤهلات الوطنية في إطار مشروع متكامل.
وبخصوص المعطيات المتعلقة بقياس مؤشرات أهداف التنمية المستدامة، تبين، وفقا للتقرير، أن النظام الإحصائي الوطني يحترم المعايير الدولية ولديه القدرة على تقييم مختلف المؤشرات.

(2) تسقيف هوامش الربح للمحروقات السائلة «لن يكون كافيا ومجديا»، حسب مجلس المنافسة، من الناحية الاقتصادية، والتنافسية ومن زاوية العدالة الاجتماعية.

مجلس المنافسة، بقيادة إدريس الكراوي، المناضل والخبير والمرجع الاقتصادي، أزعج الحكومة، في رأي له بشأن طلبها من أجل تقنين أسعار المحروقات السائلة، وقال إن «التسقيف يعتبر تدبيرا ظرفيا محدودا في الزمان من طرف القانون، مضيفا أن هذه المدة، بالرغم من كونها محدودة في الزمن، فهي مدعوة، كما هو الحال دائما في سوق المحروقات، لمواجهة تغيرات متكررة نتيجة للتقلبات غير المتوقعة وغير المتحكم فيها للأسعار العالمية التي لا تضبط الحكومة بأي شكل من الأشكال التغيرات الفجائية التي تعرفها».

رأي مجلس المنافسة جاء بناء على طلب الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة لحسن الداودي، من أجل تقنين أسعار المحروقات.
وهو ذاته الذي خرج يطلق النار على الكراوي لما قدم له الرأي النصوح، بكافة تجلياته….
ويبدو أن المطلوب كان هو تزكية تقنية «مؤسساتية لقرار اتخذ من قبل يهم التسقيف، ولما جاء الرأي أبعد من ذلك، بدا أنه «سياسي» أكثر من اللازم ودخل في اختصاصات الحكومة !!!

قد يكون رأي رئيس المجلس، إدريس الكراوي، قد أزعج لأنه قال:
– إن التدخل الوحيد في أثمنة وهوامش ربح الموزعين بالجملة والتقسيط لن يغير من واقع الأسعار.
– ولن يضمن حماية المستهلك والحفاظ على قدرته الشرائية.
– إن السؤال الحقيقي لا يكمن في تسقيف الهوامش، ولكن في تحديد إجراءات مواكبة لفائدة القطاعات والفئات الاجتماعية التي ستتضرر أكثر.
– إن التسقيف يشكل خطرا حقيقيا قد يضر بالمتدخلين الصغار والمتوسطين الذين ستتصاعد هشاشتهم.
وفي الرأي، تذكير بالسياق الذي ورد فيه تحرير القطاع، مع اعتماد لغة صريحة وشارحة تقول بأن التقدير العميق، وهو في المحصلة تقدير سياسي بالدرجة الأولى لقرارات التحرير، تم «دون الأخذ بعين الاعتبار عدد من عناصر السياق الوطني التي كان بالإمكان أن تنبه الحكومة إلى مدى ملاءمة دخول عملية التحرير الكلي حيز التنفيذ وطرق أجرأته»

وفي عمق هذا الرأي، هناك شركة «سامير» التي تعود لتطل برأسها من جديد بما يقلق الذين اعتقدوا بأن إغلاقها هو الحل، وأن الحكومة ليس لها قرار آخر.

وفي هذا السياق، من المفيد للغاية أن نورد رأي المجلس في الموضوع، وهو رأي يقتسمه معه كل الذين يدافعون عن شركة «سامير» الوطنية:
يقول المجلس إن «الحكومة عمدت إلى اتخاذ قرار التحرير الكلي لأسعار المحروقات، مع معرفتها مسبقا بأن السوق سيفقد شركة التكرير الوطنية الوحيدة، التي كانت تلعب دورا جوهريا على مستوى الحفاظ على التوازنات التنافسية، وعلى صعيد تموين السوق، والتخزين».

لم نتحدث عن الفراغ المؤسساتي الذي أشار إليه التقرير وهو يخص تعطيل مجلس المنافسة، وبالتالي عدم الاستفادة من الصلاحيات والخبرات المتوفرة في المجال…، والذي يهمنا هو لماذا تطلب الحكومة رأيا ثم تغضب منه، وتنتقل إلى التجييش في قضية مصيرية يصعب السكوت فيها من قبيل السلامة الاجتماعية والحماية المواكبة لها؟ ..قد تختزل المنازعات في من يملك القوة التمثيلية وسيادة الشعب، غير أن الرد بهذا ليس كافيا اليوم.

هناك سيادة الشعب، نعم التي تعطيها الصناديق، لكن هناك الصالح العام لفائدة الشعب، وهو شطر رئيسي في بناء الشرعيات، وكذا في الدفاع عن السمو السياسي للحكومة، إذا شئنا القول..

هناك وضع يثير القلق، لم تعد تعبر عنه النقابات والقطاعات الغاضبة فقط، بل انتقل إلى مجالس دستورية، لا يبدو أن نزاعاتها مع الحكومة ستقف هنا، لكنها تعطينا مادة للتفكير بالفعل في أدوار جديدة لكل منهما.
والمشترك في الحالتين معا هو بروز الطابع الاجتماعي للدولة اليوم وزيادة حضورها القوي، مقابل الحداثة الليبرالية…

 

الإثنين : 25 فبراير2019.