سيدي سليمان مدينة حديثة، تأسست بقرار من سلطة الحماية على أساس دراسات جيو اقتصادية معمقة، حيث تم اختيار موقعها بعناية خاصة روعي فيه المصالح الاقتصادية الفرنسية. لقد سماها البعض في البداية باريس الصغيرة، ثم نعتها البعض الآخر بعاصمة قبائل بني احسن متذرعين لتبرير هذه التسمية كون هذا الاسم، أي “بني احسن” ، ما هو إلا اشتقاق من عبارة “البناء هنا احسن”، في حين تحدث بعض المؤرخين الأجانب عن أحداث تاريخ آخر، جعلها اليوم مزيجا من الأصول القبلية المغربية المتنوعة.

وعليه، إنها اليوم خليط من الانتماءات القبلية بحيث شكل ترابها بفعل ما تحقق به من استثمارات هامة في المجالين الفلاحي والصناعي، تم إنجاز البعض منها من طرف السلطات الفرنسية، مصدر جذب قوي تجاوز تأثيره المحيط القبلي المجاور. لقد وفد إليها مبكرا صحراويون، وشماليون (من قبائل اجبالة)، وشرقيون من بركان ووجدة …. وأمازيغ من قبائل الخميسات المجاورة والأطلس والريف وسوس، ودكاليون من قبائل منطقة الجديدة …. إنها مدينة هجرة بامتياز.

في إطار هذا التنوع، لا يمكن لأي مقيم عابر بها أن لا يلامس تعبيرات اعتزاز الأفراد والجماعات القاطنين بها بانتمائهم لها … بفعل هذا الاعتزاز، تمكنوا من تحويلها في سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات وبداية العشرية الأولى من الألفية الثالثة إلى فضاء ثقافي ونضالي ورياضي مرموق وطنيا. لقد اختارت ساكنة هذه المدنية، منذ إصدار الميثاق الجماعي لسنة 1976، التصويت انتخابيا على الأحزاب الوطنية المصنفة في المعارضة، بالمجان، وبروح نضالية صرفة، وعلى رأسها حزبي الوردة والميزان (حزب الوردة حصل في استحقاقات 2002 البرلمانية على عدد أصوات قياسي على المستوى الوطني تجاوز 29000 صوت، منها 7600 صوت بمدينة سيدي سليمان لوحدها).

لقد توالت الممارسات في إطار تدبير الشؤون المحلية، لتخضع، في إطار التفاعل ما بين المركز والهوامش، لمقاسات جعلت السياسة تسقط، حسب ما يروج في الأوساط الشعبية، في منطق الذاتية (مصلحة الأنا) على حساب الاعتبارات الموضوعية (مصلحة الوطن). لقد تكرس في الأذهان أن الدافع لممارسة السياسية هو الريع، والاستجابة لرسائل التغرير والاستقطاب، وغض الطرف عن دسائس التوريط المتبادل، إلى أن تحول المشهد السياسي المحلي إلى فضاء للتواطؤ القاتل للإرادة الصادقة، تواطؤ تسبب في تكريس أوضاع فقدان الثقة في المسار التاريخي للنضال بشقيه السياسي والثقافي والفني. لقد بدأت التراجعات تتراكم موازاة مع ضعف أو إضعاف الحس النضالي، وتوالت قرارات إغلاق الوحدات الإنتاجية واحدة تلو الأخرى. إنها الوحدات التي كانت وراء تحويل المحطات الانتخابية إلى عرس تنافسي جاد، وجعلت من الكرنفالات العمالية الاحتفالية بعيد الشغل مناسبة سنوية تمتزج فيها الأبعاد الفنية والنضالية والثقافية.

لقد تراكمت الإخفاقات، وقلت الأنشطة في المقرات الحزبية المحسوبة على الصف الديمقراطي الوطني، واندثرت كل الوحدات الإنتاجية (التي كان وراء كثرة عددها جدية تنفيذ خيارات أول مخطط وطني تنموي ما بعد الاستقلال موازاة مع التقدم في تنفيذ مخطط الإصلاح الزراعي)، وضعف العمل النقابي، وتحولت كارنفالات احتفالات عيد الشغل المهيبة إلى مجرد احتفالات صغيرة تنظم أمام مقرات الأحزاب والنقابات. إنها أوضاع الركود السياسي التي قلصت وظائف الفضاء الحضري إلى مجرد مكان للنوم. إنه المكان الذي لم تجد فيه ساكنته من سبيل للاستمرار في العيش، خصوصا فئة الشباب، إلا اللجوء إلى المهن الهشة المهينة. إن اضمحلال مصادر الشرعية النضالية لسنوات الصراع السياسي، بفعل استسلام العديد من النخب للتغرير والأطماع الذاتية، سهل مأمورية النخب الجديدة في الانقضاض على المؤسسات المنتخبة، بحيث مكنها احتلالها لمواقع على مستوى مراكز القرار، من التحكم بقوة في مسلسل إنتاج النخب، تحكم تجاوز المحلي، ليشمل الإقليمي والجهوي والوطني. لقد تم تشكيل نخبة قيادية جديدة مباشرة بعد إعلان نتائج الانتخابات المحلية لسنة 2009، لينتشر في أوساط السليمانيين خبر ارتقاء مدينة سيدي سليمان إلى عاصمة إقليمية.

للأسف الشديد، لقد غابت الفكرة السياسية والبرامج والطاقات والخبرات المرتبطة بها، لتجد الساكنة، وكذا مسلسل التمدين، نفسيهما مرتبطين بأجور الموظفين المستقرين بالمدينة. إنها الأجور العاجزة لخلق الدينامية الاقتصادية المطلوبة بسبب ما أطالها من تجميد دام أكثر من ثمان سنوات ما بعد 2011. لقد تفاقم ضعف القدرة الشرائية للطبقة الوسطى بفعل هذا التجميد الذي اصطدم بارتفاع مستمر للأسعار، لتبقى الطبقات الشعبية وفئاتها النشيطة عرضة للفقر والفاقة والعطالة وضعف الوساطة السياسية.

لقد أصبح رائجا في الأوساط الاجتماعية، أن هناك دوافع غير مفهومة لعرقلة الاستثمار والمستثمرين الوافدين على المدينة بالرغم من وجود مقرات كبيرة فارغة بالمنطقة الصناعية القديمة. كما تم تفويت عدد من بقع الرسمين العقاريين “الأم” المعروفين، وتم تشويه المنطقة الصناعية السالفة الذكر جراء عمليات بناء المساكن المرخصة بداخلها.

وفي سياق كل هاته التراجعات، تم الإعلان الرسمي لارتقاء المدينة إلى عاصمة إقليمية سنة 2010، بحيث اعتقدت الساكنة أن هذا القرار، قرار تعيين الممثل الدستوري للدولة على رأس هذه المؤسسة الجديدة، سيتحول إلى محفزات للاستثمار والتهيئة الحضرية وتقوية أرضية التجهيزات الاجتماعية والاقتصادية والرفع من مستوى تأطيرها للشباب والطفولة… لكن، بعد مرور ما يقارب تسع سنوات، تحولت المدينة إلى مكان لوفود أفواج من الموظفين وأصحاب المهن الحرة نهارا، ومغادرتها مساء. لقد تحولت سيدي سليمان المناضلة إلى فضاء للكسب الذي يهجرها كل يوم ليصرف في المدن الكبرى المجاورة كمكناس والقنيطرة والرباط.

ولكي لا أطيل على القارئ، على أن أعود في مقالات أخرى، لأتناول مواضيع أخرى تتعلق بالتجهيزات ومنطق التدبير والتنمية الترابية، أطلب من الغيورين على هذه المدينة موافاتي بكل معلومة تساعدنا على تشكيل سلطة مضادة مدافعة على حق السليمانيين في العيش الكريم من خلال عنواني البريدي

خلاصة

بالرغم من توفر المؤسسات الرسمية منذ 2010 إلى اليوم على عدة ميزانيات (محلية وإقليمية، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، الإنعاش الوطني، وميزانيات حكومية تمثلها المندوبيات والمديريات الإقليمية،…..)، عرفت المدينة تقهقرا في المجالين الاقتصادي والاجتماعي وهشاشة في تجهيزاتها وبنياتها التحتية بما في ذلك حديثة العهد. لم يساهم برنامج تأهيلها الأول في تغيير معالمها الحضرية بحيث تم اعتبار هذا البرنامج مؤسساتيا فرصة مهدورة (برنامج تأهيل المدن المغربية).

إنها الحصيلة البئيسة التي يجب أن تكون دافعا محفزا لانخراط المجتمع المدني والنخب الثقافية والإعلامية والفعاليات المتنوعة في إحياء مقومات العمل الجاد، وتشكيل سلط مضادة للفساد والإفساد، ومطالبة المؤسسات الدستورية بضمان حقها في المشاركة في تتبع الأوراش التنموية القادمة قصد ضمان شفافية ونجاعة إنجازها، والدفاع على نصيب هذه المدينة من الميزانيات الحكومية القطاعية في إطار منظور جديد لتفاعل اللاتركيز الإداري مع مسلسل اللامركزية الذي دام أكثر من خمس عقود بدون تحويل مدينة سيدي سليمان إلى فضاء جذاب للعيش المشترك، قادر على خدمة وتأطير ساكنة الجماعات الترابية القروية المحيطة به. لقد حان الوقت لفرض شرط تقييم المشاريع التنموية كأساس لإعطاء انطلاقها من خلال ضمان حق المجتمع المدني في المعلومة.

 

الاثنين : 25 فبراير 2019.