في أواخر شهر يناير المنصرم، وعلى إثر شيوع خبر انتشار فيروس “أنفلونزا الخنازير”، الذي تمكن من الفتك بحياة 16 شخصا خلال ظرف لا يتعدى أسبوعا واحدا، وقد كانت الحصيلة مرشحة للارتفاع بسبب إصابة عدد آخر من الأطفال وقلة اللقاحات، لولا أن الألطاف الربانية حالت دون ذلك. وبنفس السرعة تحول الحادث إلى قضية رأي عام، بعد أن ساد الهلع جميع أرجاء المدن والقرى وتناسلت حوله الإشاعات، لتتعالى الأصوات داخل البرلمان وخارجه مطالبة وزير الصحة أنس الدكالي بالكشف عن الحقائق الكاملة، والتعجيل بتيسير سبل ولوج اللقاحات المضادة للفيروس، حماية لأرواح المواطنين وحفاظا على الأمن الدوائي والصحي.

      بيد أن هناك “أنفلونزا” من نوع آخر، أضر وأخطر، وتكمن خطورتها في أن ظهورها لا يخضع إلى فصل الشتاء وحسب، بل هي حاضرة بقوة في كل فصول السنة، ومع ذلك تكاد لا تسترعي انتباه الكثيرين، رغم أنها ما انفكت تنخر كيان المجتمع منذ عدة سنوات، دون أن تشهد يوما انشغالا ولا استنفارا بهذا الزخم الكبير، ألا وهي “أنفلونزا الفساد”، الفيروس الذي بات يجري في سائر مناحي الحياة العامة والمؤسسات مجرى الدم في العروق، وانعكست أضراره البليغة على جودة الخدمات الاجتماعية، في التعليم والصحة والإدارة والقضاء، وساهمت في ضعف جودة العيش وتدني القدرة الشرائية للمواطنين، فضلا عن تعطيل مسار التنمية والبناء الديمقراطي وسيادة الحق والقانون…

      و”أنفلونزا الفساد” جرثومة متعددة الصور والوجوه، تأتي على عدة هيئات منها: استغلال النفوذ واحتكار السلطة من أجل تحقيق المصلحة الشخصية، والاغتناء غير المشروع عبر الرشوة والابتزاز، المحسوبية والاحتيال، الاختلاس والتزوير، تبديد ثروات البلاد ومواردها، التلاعب بالصفقات العمومية، مما يؤدي حتما إلى ارتفاع معدلات الفقر والأمية والبطالة وانتشار الجريمة وتعميق الفوارق الطبقية والمجالية، وتكريس الشعور بالقهر والظلم والتهميش والإقصاء، وتأجيج نيران الغضب الشعبي وتنامي الحركات الاحتجاجية المنادية بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

      وللتدليل أكثر على خطورة هذا الفيروس “المميت” الذي عجز إلى الآن كبار العلماء والأطباء المختصين عن إيجاد اللقاح الأنسب لتطهير البلاد والعباد من تداعياته، هو أن الملك محمد السادس ومنذ توليه الحكم لم يفتأ ينبه إلى مخاطره الفتاكة ويدعو بشدة إلى جعل محاربته في صلب الاهتمامات وصميم الأولويات في السياسات العامة، لما يشكله من حاجز كبير في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وما يترتب عنه من يأس وإحباط في أوساط الشباب، والضرب بيد من حديد على المفسدين الذين يقاومون بشراسة إحداث التغيير المنشود ومحاولات الإصلاح. إذ أكد في عديد المناسبات على تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسية، واعتماد الحكامة الجيدة والشفافية وخاصة آليات الضبط والمراقبة وإنفاذ القانون بين الجميع على قدم المساواة. ولنا في الزلزال السياسي حول التهاون في الأداء والتأخر في إنجاز المشروع الضخم “الحسيمة منارة المتوسط” الذي أطاح برؤوس عدد من الوزراء في الحكومتين السابقة والحالية والموظفين الإداريين، خير مثال على مدى جديته وحرصه الشديد على مكافحة الفساد بمختلف أنواعه في الاستحقاقات الانتخابية والإدارة العمومية والقضاء…

      ذلك أن كسب رهان التنمية واللحاق بركب الدول الصاعدة، يمران بالأساس عبر تقوية الاقتصاد الوطني بما له من مؤهلات، تعزيز المكتسبات، تقويم الاختلالات وتحفيز النمو والاستثمار، دون إغفال دعم تنافسية الشركات الوطنية التي تصدر منتوجاتها للأسواق الدولية، والسهر على تحسين مناخ الأعمال ومواصلة الأشغال بهمة في الأوراش المفتوحة، وتخليق الحياة العامة، على أن يسير قطار التنمية الاقتصادية بشكل متواز مع تجويد ظروف عيش المواطنين.

      وكما سبقت الإشارة إلى أن “انفلونزا الفساد” ذات وجوه متعددة، فإن الفساد الإداري يعد أحد الوجوه الأكثر بشاعة، من حيث تأثيره على الحياة العامة ومختلف الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وغالبا ما يرتبط بالنظم السياسية، إذ نجده متفشيا بين الشعوب في معظم الدول والثقافات، لكن درجة استشرائه تختلف في الزمان والمكان، وتتعاظم أضراره في البلدان النامية كما هو حال بلادنا، التي تشكو من ضعف أجهزة الإدارة العامة، غياب الأخلاقيات المهنية والرقابة الصارمة والمساءلة الحازمة، وإلا ما كانت لتحتل أدنى مراتب التنمية حسب مؤشرات الشفافية الدولية.

      صحيح أنه من الصعب في الوقت الراهن التخلص النهائي من هذا الفيروس القاتل، لكن ما ليس صحيحا هو التمادي في محاولة إيهام المواطنين بمقاومته عبر الشعارات الجوفاء في المواسم الانتخابية والبرامج الحكومية، فطالما صرح المسؤولون بعزمهم الأكيد على تخليق الحياة العامة والتصدي لمختلف أنواع الانحراف، بيد أن “الفيروس” لم يزدد إلا استفحالا وتوغلا كما تشهد بذلك تقارير المجلس الأعلى للحسابات ومنظمة الشفافية الدولية، وهنا نستحضر إقرار عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة السابق بفشله الذريع في مواجهة الفساد والمفسدين، وهو الذي جاء إلى قيادة الحكومة رافعا سيفه مهددا ومتوعدا ب”محاربة الفساد والاستبداد”، لكنه لم يلبث أن استبدل ذلك الشعار ب”عفا الله عما سلف”.

      نحن اليوم جد مقتنعين بأن تحاشي الإصابة ب”أنفلونزا الخنازير”، يستلزم اتخاذ الاحتياطات الضرورية وتهييء اللقاحات الكافية لحماية أرواح المواطنين، فلم لا نفكر أيضا في ابتكار أساليب وقائية ناجعة تحد من مخاطر فيروس “أنفلونزا الفساد”، واعتباره هو الآخر قضية وطنية ومصيرية، تقتضي إلى جانب تفعيل الآليات القانونية ومضامين “الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد”، تظافر جهود جميع المؤسسات الدستورية والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والمجتمع المدني، ومختلف وسائل التأطير التربوي والثقافي والإعلامي…؟

 

الخميس 28 فبراير 2019.