لمّا كانت المواطنة نظاماً من العلاقات والحقوق مرتبطاً بالدولة الوطنيّة الحديثة، وثمرة من ثمراتها السياسية؛ ولمّا كانت الدولةُ الوطنيّة هذه تاريخيّة أو متحقّقة عبر تاريخ من التطوّر التراكمي متعاقب الحلقات، لزِم أن نعي المواطنة بوصفها، حكماً، ظاهرة ذات تاريخ هو عينه تاريخ الدولة. وكما لم تنشأ الدولة الوطنية دفعة واحدة، بل في امتداد حركة تطور، كذلك لم تولد المواطنة دفعة واحدة في لحظة من الزمن، ابتدائية أو لاحقة، وإنما تخَلقت من مسيرة طويلة متعرجة من التطورات تعززت فيها، تدريجاً، مكتسبات الناس وحقوقهم إلى الحدود التي باتت العلاقات الناظمة لوجودهم السياسي تسمح بتسميتهم مواطنين، وتسمية نظام الحقوق الذي يتمتّعون به نظام المواطنة.

هذه الآلية التاريخية الحاكمة للمواطنة، كنظام مادي متحقق في الدولة الوطنية، هي عينها التي حكمت تطور الوعي بها – كمواطنة- أي تطور مفهوم المواطنة في حواضنه الفلسفية والفكر سياسيّة. لا يختلف مفهوم المواطن، اليوم؛ أعني في الفلسفة السياسية والمعاصرة وفي الفكر القانوني وعلم السياسة المعاصريْن، عمّا كانَه المفهوم في العهد الإغريقي وخاصة، في تأصيله الفلسفي الأرسطي، فحسب، وإنما يختلف معناه اليوم – في الفكر- عن معناه في فلسفة هوبس وسبينوزا ولوك، في القرن السابع عشر، أو في فلسفة روسو وكَنْت، في القرن الثامن عشر، أو في فكر توكفيل وجون ستيوارت مل، في القرن التاسع عشر؛ بل حتى المواطن الذي تمثلته فلسفة السياسة في العقود الأربعة الأولى من القرن العشرين، هو غيره اليوم في فلسفة يورغن هابرماس أو في فكر نعوم تشومسكي أو ألان تورين أو غير هؤلاء.

لو انطلقنا من تعريف للمواطن، معاصر ودارج، بأنه ذلك الفرد السياسيّ المنتمي إلى دولة، المتمتع بالحرية وبالحقوق المدنيّة والسياسية؛ الحقّ في التعبير، في الانتماء السياسي والنقابي، في تشكيل الجمعيّات، في الاقتراع، في الترشح، في المشاركة السياسية في إدارة شؤون الدولة، في الرقابة والمحاسبة، في التمتع بالضمانات القانونية أمام القضاء، في المساواة القانونيّة الكاملة، في فرديّته… إلخ، لألفينا بأنّ كثيراً من حقوق المواطنة هذه، المسلم بها اليوم، لم يكن من اعتراف به قبل نصف قرن أو ثلاثة أرباع القرن في المعظم من دول العالم.

حقّ الاقتراع، مثلاً، وهو من أكد حقوق الديمقراطيّة والمواطنة اليوم، كما الحقّ في الترشّح ودخول المجالس النيابيّة لم يكن عاماً، قبل قرن، في أكثر دول العالم الآخذة بنموذج نظام الحكم الديمقراطيّ، وإنما اقتصر على الفئات المالكة لوسائل الإنتاج – لمدى من الزمن طويل – ولم يشمل القوى المنتجة من عمّال وفلاحين ومهنيين إلاّ في بدايات القرن، بعد أن نجحت هذه القوى، ومؤسساتها النقابية والسياسية، في انتزاعه وفي حمل السلطات والقوانين على التسليم به كحق عام. على النحو نفسه، لم تكن المساواة القانونيّة بين الجنسين حقيقية وتامّة – كما تنصّ الدساتير والقوانين- وإنما جزئيّة محصورة في المساواة في فرص التعليم والعمل والوظائف (غير السياسيّة والسيادية في الغالب)، أما في التمثيل في المؤسّسات النيابيّة فظلت «المساواة» مجرّد مزْعمة قانونية؛ حيث احتكر الرجل هذا الحق وحُرمت منه المرأة – لقرون من العمل النيابيّ- إلى ما بعد الحرب العالميّة الثانية، حيث أمكن للنساء أن يَلِجْن البرلمانات. وقل ذلك عن تقلدهن لوظائف قضائية وسياسيّة. وهن ما استطعن حيازة هذا الحقّ – الذي يشكّل محطة حاسمة في الطريق إلى المساواة- إلاّ بنضال شاق خضْنه في نطاق الحركات النسائية، بمعيّة الحركات الديمقراطيّة، وكَسِبْنَ شوطه. ويمكن التنفيل، في هذا الباب، بمثال حقوق السود والملوّنين في الولايات المتحدة الأمريكية وحقوقهم في جنوب إفريقيا العنصرية؛ فهؤلاء ما كسبوا الاعتراف بمواطنتهم الكاملة، إلاّ بعد نجاح حركة الحقوق المدنيّة، بقيادة مارتن لوثر كينغ، في انتزاعه في سنوات الستينات من القرن العشرين، ونجاح نضال السكان السود الأصليين في جنوب إفريقيا، بقيادة «المؤتمر الوطني الإفريقي» وزعيمه نيلسون مانديلا، في إجبار نظام الأپارتهايد على التسليم به في مطالع عقد التسعينات الماضي.

هكذا نلحظ من الأمثلة السابقة، ومن عشرات مثلها، أنّ للمواطنة تاريخاً تطوّرت فيه قبل أن تكتسب هيئتها الحاضرة التي تبدو، لمن هم محرومون منها، أخاذة وجاذبة وتَحمل على الاقتداء والاحتذاء. وتعريفُها في تاريخيتها يقطع بأنها لا تقبل الاستنساخ أو الاستعارة والاستيراد، وإنّما تقبل أن تُتَمَثَّل، لدى المطالبين بها في شعوبنا، وأن يُستفاد من خبرة الشعوب والدول التي أصابت حظاً من النجاح في تحقيقها، ليُصار إلى توطين دروس خبرتها في تجاربنا، وتفادي الوقوع في الأخطاء التي وقعت فيها. أمّا كلمة السّرّ في المسألة كلِّها فهي أنّ نظام المواطنة لا يُستعار جاهزاً، كأيّ سلعة، وإنّما يُبْنى حجراً حجراً، ويتقدّم البناءُ فيه كلما تقدَّم الوعيُ السياسيّ للمجتمع والدولة، وترسَّخَت في النفوس إرادةُ ذلك البناء.

 

الثلاثاء 12 مارس 2019.