يكمن أحد العيوب الأساسية للتربية في محاولة بعضهم تعليم كل شيء، فيؤدي ذلك إلى جعل المتعلم يكاد لا يعرف أي شيء في نهاية المطاف. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يجعل المتعلم يتعلم، بشكل آلي، حيث يعتمد على ذاكرته لتكديس الأرقام والأحداث والتواريخ…، مما يحول بينه وبين ما يكتسب به “ثقافة” بالمعنى السليم.

يرى “ماكس شيلر” أن المثقف ليس هو الشخص الموسوعي الذي يعرف مواصفات الأشياء وتفاصيلها، ولا المهندس الذي يستطيع القيام بالحسابات الخاصة ببناء جسر، ولا الفلكي الذي يمكن أن يتنبأ بلحظة خسوف قبل قرن من الزمن، ولا الفرد الذي يعرف الفارق بين قياس الضغط الجوي وقياس درجات الحرارة… فهؤلاء جميعا خبراء وموسوعيون في تخصصاتهم العلمية؛ هم أناس مرموقون، لكنهم ليسوا بالضرورة أشخاصا مثقفين. وإذا كانوا كذلك، فهذا لا يرجع إلى ما اكتسبوه من معارف مرتبطة بتخصصاتهم، وإنما إلى امتلاكهم لصفات أخرى غير التي يتميز بها المثقف. فمن هو إذن ذلك المثقف؟ إنه الشخص القادر نسبيا على إدراك الواقع وتقييمه والتحكم فيه…
ليست الثقافة هي قدرة المرء على تجميع المعلومات ومراكمتها، وإنما هي كيفية استثمارها وتوظيفها، وهذا يتوقف على إنسان بعينه دون بقية الناس. لا نرمي من وراء هذا الكلام إلى إلغاء مواد دراسية من مناهج التعليم وبرامجه، كالرياضيات والفيزياء وغيرهما، بل نرى ضرورة تدريسها لجميع التلاميذ بمفهوم آخر، من منظور آخر، وبطرق أخرى؛ لا يجب تدريسها للجميع بهدف تكوين مهندسين وأخصائيين مستقبلا، فهذا متروك لكليات ومدارس ومعاهد متخصصة. ينبغي تدريس هذه المواد الدراسية لكي تساهم في تشكيل ثقافة بالمعنى الذي قصده ‘”شيلر”.

يمكن أن ينطوي تدريس الجغرافيا على الكثير من التشويق والدرامية إذا ارتبط بتقلبات الإنسان، وما يواجهه من أخطار قاتلة، وبصراع الأجناس، وغزو البحار لليابسة، والصحاري على المناطق الخضراء، وبالتاريخ…؛ أي بالإنسان في ملحمته الأبدية ضد قوى الطبيعة الجبارة… وتبعا لذلك، تكتسب الجغرافيا معنى نتيجة ربطها بتاريخ الجنس البشري. وهذا ما يحول دون اختزالها في مجرد مجموعة أرقام وأسماء مدن ومواقع وجبال وصحاري وبحار…، لا تنطوي على أية مغامرة إنسانية حية مثيرة، ويتم نسيانها من قِبٓلِ المتعلمين بسرعة.

يستهوي الإنسان عموما، والشاب خصوصا، كل ما يتصل بأهواء الجنس البشري وتحولاته، ولهذا فتعلم الظواهر الجغرافية من خلال مغامرات مكتشفين كبار، يجعلها تبقى محفورة في الذهن بشكل لا ينمحي، وبصورة وجودية لا معلوماتية. يمكن أن يتعلم الشاب الكثير من قراءة كتابات أدب الرحلة، ورواية “رحلة حول العالم في ثمانين يوما ” أو نصوص روائية أخرى، فلن يكتسب فقط معارف خاصة بالجغرافيا رالأجناس والأعراق، بل سيطّلع على مجمل الثقافة باعتبارها مغامرة الفكر الساحر للإنسان وخياله وإرادته، حيث اخترع النار واللغات والعلوم، وأبدع الفنون والآداب والفلسفة…. وبهذا لن يراكم المتعلم معلومات ميتة في شكل قوائم أسماء وتواريخ وخرائط ومبيانات ومعارك وغزوات وجبال…، وإنما سيكتسب مناهج تفكير، وسيدرك تطور المعرفة البشرية ومعناها من خلال اكتشافه لمعجزة الإنسان الحية المثيرة في صراعه ضد قوى الطبيعة، وصموده في وجه كل أنواع الفشل المادي والروحي (Ernesto Sabato). إن المعاني لا تُنسى؛ فهي ترسخ في ذاكرتنا وتحدد طريقة رؤيتنا للعالم الذي نعيش فيه، كما أنها تلعب دورا كبيرا في صياغة شخصية المتعلِّم…

الموسوعية حملٌ ثقيل على النفس، كما أن كل ما ندرسه من تفاصيل يتسرب من ذاكرتنا ويضيع منا. وهكذا، فليست الفائدة في تعليم كل شيء، وإنما في تعلم بعض المعارف الأساسية دون إغراق المتعلمين في التفاصيل. فالتعلم سيرورة لا نهاية لها، والإنسان المثقف هو ذلك الذي يعرف أنه لا يعرف، وأن ما يكاد يعرفه هو مجرد جزء صغير من قارة شاسعة مملوءة بأسرار وألغاز يغلفها الغموض والضباب، وأن الجواب على سؤال يفرض عليه دواما طرح أسئلة عديدة أخرى، وأن تسليط الضوء على شيء مجهول يجعله يكتشف باستمرار وجود أشياء كثيرة ما تزال مجهولة… وهكذا، يجب الاقتصار على تعلم بعض المبادئ والمفاهيم الأساسية…، وترك التفاصيل للأخصائيين. يمكن، مثلا، تدريس المبادئ التي تنهض عليها الفيزياء، لأنها الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحظى باهتمام إنسان مثقف. وهي مفيدة، لأنها تساعد على تكوين ما ينبغي أن يتوفر من رؤية للعالَم لدى إنسان من هذا المستوى.

وفوق ذلك، فالموسوعية والدقة الصارمة خطران منتشران في العالم كله. إذا كان التجريد من خصائص العلوم الدقيقة، فتدريس الرياضيات الأولية بطريقة تجريدية جدا يغرس في المتعلم عقلية تجعله يتخلى يوما بعد يوم عن إنسانيته. يرى أرسطو أنه ليس هناك علوم إلا بما هو عام، لكن بما أن العام يستغني عن الخاص، الذي هو الملموس، فتقدم المعرفة العلمية يجعلها تصير أكثر تجريدا، وأبعد عن المدركات المرئية والملموسة التي أفادتنا في تطورنا البشري.

من المحقق أنه لا محيد عن الاستمرار المتنامي في تجريد العلوم… لكن يجب على الإنسان أن يأخذ بعين الاعتبار خطورة التجريد العلمي الذي ساهم بقسط وافر في جعل البشرية تعيش، يوما بعد يوم، في عالم يزداد لا إنسانية. ومع أن تنامي هذا التجريد شرط ضروري للعلوم عامة وللعلوم الدقيقة خاصة، فهو يشكل خطرا كبيرا على تربية الأطفال والشباب، لأنه يهيئهم جدا لتعلم الرياضيات العليا مستقبلا، إن كانوا سيصبحون علماء رياضيات أو فيزيائيين أو مهندسين، وما إلى ذلك، لكنه يعزز النزوع المؤدي إلى الجنون الذي يتميز به الناس في البلدان الأكثر تقدما.

وهذا ما يشكل معضلة فلسفية و أنثروبولوجية كبرى، ويجعل أدباء وتربويين، وغيرهم، يطرحون سؤالا عن مدى جدوى حاجة تعليم التلميذ وإعداده الروحي لمنهجية تزداد تجريدا يوما بعد يوم….

الدقة الصارمة غير مقبولة منطقيا؛ فالإغراق، مثلا، في تدقيق تعريف الكيلوغرام… هو أمر غير ذي جدوى، ولا يمكن تفسيره بشكل نهائي. ولماذا الاستمرار في تعليم مبادئ الفيزياء باستخدام المفاهيم التقليدية عن المكان والزمان، السابقة لنظرية ألبرت آينشتاين؟ لماذا الإصرار على المبالغة في تعريف وحدات القياس، وإهمال النقد العميق والخطير الذي تخضع له من قِبَلِ نظرية آينشتاين؟

تُمَكِّن معرفة نظرية النسبية والأبحاث المعرفية الأخرى في نقد الفيزياء وإدراك أن الدقة المطلقة مستحيلة، كما أنها أمر غير عملي. وفضلا عن كونها غير ممكنة معرفيا وتربويا لأطفال المدارس الابتدائية أو لتلاميذ الثانوي، فهي تساهم في تعزيز نزعة التجريد. وإذا كانت العلوم الدقيقة ليست في غنى عن هذه النزعة، فهذه الأخيرة تصبح مؤذية ومأساوية، لأنها تُحول الإنسان إلى “آلة”، وتدفعه إلى الجنون…

 

الخميس 14 مارس 2019.