تفيدُ كتب التاريخ أن الحضارة الإسلامية لم تشهد نظاما تعليميا كنظام العصر الحديث، إذ لم يكن هناك أي تنظيم رسمي أو نوع من الشهادات أو التخصصات العلمية التي نعرفها اليوم… ورغم حثِّ كل منءضالقرآن الكريم والحديث النبوي على طلب العلم والمعرفة، فالنشاط التعليمي في تاريخ هذه الحضارة لم يتجاوز تحفيظ القرآن والحديث وبعض المتون الفقهية والنحوية على يد بعض الفقهاء في حلقات المساجد التي كانت موجودة هنا وهناك، حيث ينتهي تلقي الدروس بحصول المتخرج على إجازة من شيخه تخول له مزاولة التدريس أو الإفتاء… إضافة إلى ذلك، ليس لكل مراحل التعليم من الابتدائي حتى الدراسات العليا، ولا للدرجات العلمية المختلفة أصل في الدين… لكن، لماذا لم يتضمن النص الديني نظاما للتعليم؟ يعود ذلك إلى أن الديانات لا تتضمن علوما نظرية أو تطبيقية تستغرق دراستها سنوات طويلة، كما أن الحياة في الجزيرة العربية كانت بسيطة جدا، لا وجود للعلوم فيها، مما جعل النص يتناسب مع الواقع في مجال التعليم. وبما أن هذا المجتمع اعتمد أصلا على الذاكرة لتجميع تراثه الشعري، فالتعليم الديني استمر في استخدام أسلوب الحفظ وترديد ما يقول الفقيه، دون أي اعتراف بحق التلميذ في المناقشة واستخدام عقله. وقد انعكس هذا التراث التلقيني سلبا على النظام التعليمي بعد استقلال البلاد العربية الإسلامية. هكذا، ففي مقابل التطور الهائل في حقل التعليم في العالم الغربي الذي طور نظريات في مختلف مجالات التعليم والتعلم…، ما تزال أغلب مؤسسات التعليم الديني عندنا مصرة على الاستمرار في تلقين المتون الفقهية والنحوية التي يتناقض كثير منها مع العلم والمدنية والحداثة، وتطور اللغة، وإرساء الديموقراطية وحقوق الإنسان…

أما التعليم المدني الذي نعرفه اليوم، فقد وضعه المستعمر عندما فصل التعليم المدني عن التعليم الديني، والقضاء المدني عن القضاء الشرعي، فقام القضاء المدني على القانون الوضعي، وقام التعليم المدني على تدريس العلوم الحقة والإنسانية والاجتماعية… وبالرغم من سلبيات نظام التعليم خلال فترة الحماية، فجميع الشواهد تدل على أن فصل التعليم المدني عن التعليم الديني قد ساهم في تطور الحياة المدنية…، ولولا ذلك لما أمكن للمجتمعات العربية الإسلامية أن تدخل القرن العشرين (أحمد البغدادي).

ورغم التقدم الحاصل في التعليم المدني، فظروف تاريخية معينة جعلته يتعرض للغزو من قبل السلفية المتطرفة. لم يقتصر ذلك على مادة التربية الإسلامية وشعب الدراسات الإسلامية، بل تجاوزها إلى مواد دراسية أخرى من بينها بعض المواد العلمية. فمن خلال إطلاعنا على مناهج بعض هذه المواد الدراسية، وجدناها لا تربي على الشك المبدع، ولا تعتمد النسبية منهجا في التفكير. وهذا ما يفضي إلى تدريس القوانين العلمية من حيث كونها حقيقة مطلقة، الأمر الذي يقود بدوره إلى ترسيخ الفكر السلفي المتطرف… فالعقل الديني يقبل بدون صعوبة التجريدات الرياضية أو تطبيقاتها التقنية والآلية؛ حيث يقبل الدواء الذي يعالج المرض، والطائرة التي تنقل الناس من بلد إلى آخر، والحاسوب الذي يساعد على الإنجاز السريع للعمليات الحسابية شديدة التعقيد، لكنه يرفض المقاربة العلمية التي مكنت من الوصول إلى هذه الاختراعات. إنه يفضل التعامل مع نتائج العلوم الحقة باعتبارها يقينيات، ويرفض الشك المبدع الذي يشكل قاعدة لتطور العلوم. كما يرفض الفكر الذي يدرك التمايز بين الأشياء، والذي يشكل قاعدة العلوم الاجتماعية والإنسانية…

لقد شكل فصل كليات الحقوق عن الدراسات الدينية في كليات الشريعة عائقا في وجه تحديث موضوعات هذه الأخيرة بسبب استمرارية الماضي من خلال الكتب المتجاوزة للمفسرين والفقهاء… ، وبذلك، ظل التعليم الديني، في الأغلب الأعم، بعيدا عن التطور، بل يساهم في تعميق التخلف الفكري بسبب ترسيخ مناهجه للكثير من المفاهيم المتجاوزة والخاطئة تربويا، ونشر فكر العنف والإرهاب الذي خلق العديد من المشاكل للمجتمع ومؤسساته.

يرى محمد أركون أن السياسة الدينية، عبر تاريخ العالم العربي الإسلامي، كانت رهانا حيويا للغزو واكتساب الشرعية والحفاظ على السلطة. ولتجنب التشتت ونزعات الانفصال والحركات الانشقاقية الدينية والسياسية، كانت كل سلطة مركزية في حاجة إلى مدونات تشريعية توحِّدُ المجتمع وتضمن سيطرتها عليه… وقد كانت التكلفة باهظة، حيث نتج عن ذلك إفقار الفكر والثقافة التشريعيين عند ممارسي القانون أنفسهم. واعتبارا لذلك، تتحمل السلطة الوطنية مسؤولية كبيرة في هذا المجال، حيث قامت بعزل كليات الشريعة عن كليات الحقوق، فاستمرت الأولى في تدريس اللاهوت الدوغمائي اللاتاريخي بعيدا عن الدراسات الحقوقية الوضعية، واقتصر تدريس القانون العصري على الثانية التي ظلت فيها إشكالية البحث القانوني اهتماما محدودا لدى قلة من الأساتذة الباحثين.
وبالإضافة إلى كون رجال القانون الحداثيين لا يشتغلون على التشريع الديني ولا يشكل موضوعا لأبحاثهم، فالدراسة بكليات الحقوق لا تغطي كل المواضيع وكل القضايا التي تدرسها كليات الحقوق في الغرب. كما أنها تتعرض للغزو تدريجيا من قِبَلِ الفكر السلفي المتطرف عبر تدريس بعض الأساتذة للمذاهب الدينية العنيفة وتقديسهم لها، وادعاء بعضهم الآخر تدريس ما يسمى بـ “الاقتصاد الإسلامي”…. ، وفضلا عن ذلك، إذا كان تطور الفكر والأحوال والظروف محليا وعالميا يقتضي دراسة “الشريعة الإسلامية” وتدريسها بهذه المؤسسات بمقاربات حديثة تستفيد من مكتسبات العلوم الإنسانية، فإنه غالبا ما يتم تدريسها بها حاليا بمضامين وطرائق ومناهج متجاوزة وعنيفة تهدم ما يتلقاه الطلبة في مواد أخرى على يد الأساتذة الحداثيين، بل يتجاوز الأمر ذلك إلى سعي البعض لتوفير الشروط الفكرية لإسقاط المجتمع في جحيم العنف…

هكذا، ومنذ ظهور الإسلام السياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أصبحنا أمام مفارقة جلية. ففي الوقت الذي أصبح لإرادة أسلمة القانون قاعدة اجتماعية، صار المجتمع يعاني من ندرة كبيرة في رجال القانون القادرين على إنجاز الانتقال من التشريع الديني إلى التشريع الوضعي الحديث. إننا، في الأغلب الأعم، أمام فريقين من رجال القانون: فريق مُكوَّن من فقهاء تقليديين رافضين وعاجزين عن توسيع ممارسة الاجتهاد وجعلها تنفتح على علوم العصر وروحه وتمتد إلى التاريخ والتفسير…، وآخر مُكُوَّن من ثلة من رجال قانون عصريين متمكنين، لكنهم يميلون قليلا إلى تكريس وقتهم لترقيع قانون يعتبرونه ببساطة متجاوزا. وفعلا، فرجال القانون في عصر الأنوار في الغرب طوروا قانونا وضعيا وطبقوه، تاركين للكنيسة الكاثوليكية مهمة السهر على التشريع الكنسي. وهنا تكمن ضرورة وقوة مبدأ الفصل بين الكنيسة المُدَبِّرة للفضاء الديني والدولة العلمانية المُدَبِّرة للفضاء العمومي المواطن. وقد كان عدم الفصل بين الإسلام والسياسة من بين الأسباب الكبرى التي أدت إلى توترات بين العقل الديني والعقل الحديث المستقل والناقد، حيث تسبب ذلك في الحروب الأهلية والإرهاب العالمي الذي يطغى كثيرا على التاريخ المعاصر…

 

الاحد: 17 مارس 2019.