في البداية أود أن أنبه أن الوعي برهانات هذه المرحلة التي تعيشها بلادنا مطلوب بشدة. إنها مرحلة، بالطبع جديدة بتحدياتها، لكن يشوبها طابع الاستغراب نتيجة منطق المبادرات العمومية في التعامل معها (مبادرات ارتجالية غير مدروسة). لقد خرج عشرات الآلاف من المتعاقدين في التربية والتعليم في تظاهرات سلمية إلى الشارع العام رافضين مبدأ التعاقد. في المقابل، لم يجد الطرف المبلور لهذا البرنامج، أي الدولة في اسم حكومتها، من حل لهذا الحراك سوى نهج منطق التعنت، وتحديد سقف التنازلات بدون التوفر على رؤية مستقبلية لإشكاليات هذا القطاع الحيوي في حياة الشعوب والأمم. أكثر من ذلك، تابع الرأي العام الوطني والدولي كيف سمحت السلطات العمومية لنفسها اللجوء إلى أقصى أساليب الردع، أي اللجوء إلى العنف الجسدي في تعاطيها مع تطورات هذا الملف. إنها صورة لا تستحقها بلادنا وخصوصيتها الإقليمية والدولية، صورة انتشرت بشكل واسع على مستوى كل المنابر الإعلامية بمختلف أنواعها، بحيث جسدت للتلاميذ والتلميذات، الخاضعين لمسار التنشئة المغربية، أمران خطيران إذا احتكمنا إلى منطق القيم. الأول هو متابعة أجيال مؤسسات التعليم لمظاهر العنف الدموي التي يتعرض لها أساتذتهم وأستاذاتهم. وثانيا، خلق نوع من الغموض في الفهم لديهم بخصوص تقابل الحق في التظاهر من أجل ملف مطلبي حساس وتكرار عملية تعنيف وإذلال أساتذتهم وهدر دمائهم في شوارع المدن المغربية.

وأمام هذه الصورة، التي لا تستحقها بلادنا، وجدت نفسي مضطرا لتقديم بعض الملاحظات:

* بلادنا عرفت حراكا مستمرا منذ النضال من أجل إخراج المستعمر، ومرورا بالمعارك الضارية العنيفة من أجل بناء الدولة الديمقراطية العصرية، ووصولا إلى حركة 20 فبراير وإقرار دستور جديد بمنهجية جديدة. لقد عرفت بلادنا حركية مجتمعية، بعد مشاركة الأحزاب الوطنية في الحكم ابتداء من 1998 إلى 2011، استغلها حزب المصباح لصالحه. فطوال هذه المدة، بحراكها الذي دام أكثر من ستة عقود، لم تصل علاقة النظام السياسي بمنظمات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات وجمعيات إلى وضعية “المعادي”. إنها الوضعية المعروفة في علوم التواصل بالبحث المتواصل لكل طرف في الصراع لإلغاء أو حذف الطرف الآخر. إننا نفتخر اليوم أن شدة الصراع بآلامها وجروحها البالغة لم تتجاوز وضعية “المتنافر”. إنه المعطى الإيجابي جدا الذي سهل مرور بلادنا بالتدرج الناضج إلى المرحلة التواصلية “المختلف”، لتتموقع بعد ذلك بحكم التطور في خانة البحث عن وضعية “المؤتلف”.

* إن مرحلة الوضعية التواصلية “المختلف”، وتفاعلاتها السلمية ومواقفها التاريخية، أتاحت للشعب المغربي ومؤسساته فرصة إعادة التفكير في رمزية حدث “ثورة الملك والشعب”. فالاختلاف، الذي توج ب “التوافق” على أرضية مشتركة، أعطى للبلاد فرصة جديدة ذات دلالة تاريخية استثنائية، دلالة ترسخت في صفحات تاريخنا المعاصر. لقد تقاسم المرحوم الحسن الثاني هم مستقبل البلاد مع المقاوم عبد الرحمان اليوسفي، وتم إعطاء انطلاقة مسار الانتقال الديمقراطي بتعيين حكومة التناوب التوافقي.

* لقد حاول اليوسفي تجسيد دور الوزير الأول ورئيس لأول حكومة شعبية نسبيا، وحاول الاجتماع مع الولاة ورجال الهيئات الدبلوماسية ورجال المؤسسات الأمنية،…. لقد كان هذا الرجل، رجل دولة وطني وجدير بالثقة، في بحث مستمر عن إبداع الآليات والوسائل والقواعد القانونية من أجل تحقيق أكبر قدر من المكتسبات في مجالات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. لقد استطاع هذا المقاوم أن يجعل من هم استقرار المجتمع واستمرار النظام من الأولويات التي حرص على تقاسمها بصدق مع النظام السياسي المغربي. إنه الهم الذي جعل اللجوء إلى العنف في التعامل مع التظاهرات محدودا جدا. لقد تطور الإعلام في الفترة الانتدابية لحكومته، وتجاوزت الجرأة الحدود المعتادة إلى درجة حاول البعض زعزعة الثقة ما بين الملكية وشخصه. لقد تحول المشهد السياسي في عهد حكومته إلى فضاء زاخر بعمليات تشفير الرسائل وفكها إلى درجة شهد العالم بقوة المقصدية التواصلية وحمولتها السياسية في هذه الفترة الحساسة ببلادنا. لقد تحمل عبد الرحمان مسؤوليته السياسية كاملة، جاهدا ومثابرا بمنطق الحاضر، ومناهضا لهيمنة الماضي وهيمنة الآخر، وملتزما بمحاربة الإحباط والتشاؤم والغموض السلبي ،وتبديد الوقت، وسيطرة اللغة الخشبية، إلى أن توج مسار حكومته بتبوء حزبه للمرتبة الأولى في استحقاقات 2002،

*لقد عاش المغرب منذ الاستقلال مبادرات جادة لتقوية الإدارة والتعليم، بحيث كانت الدولة تلجأ إلى إجبار حملة الديبلومات المتفوقين في المباريات الانتقائية بتوقيع التزام بالعمل مع الدولة لمدة ثمان سنوات خوفا من مغادرتهم لها والتوجه إلى الخارج أو إلى القطاع الخاص. وهنا يكمن سبب الاستغراب من لجوء حكومة العثماني إلى التعاقد ببنود تعسفية تنم بعدم وجود ثقة ما بين الدولة من جهة والأستاذ أو الأستاذة وشرف مهنة التدريس ورمزية المدرسة العمومية من جهة ثانية. إن تعامل حكومة الحزب الأغلبي مع هذه الشريحة من الشباب لا يمكن أن يفهم منه إلا كونه تشكيكا في الروابط التي عهدناها ما بين رجال التعليم ببلادنا وقوة حبهم لوطنهم وغيرتهم على ثوابته،

*إن ما يقع اليوم لرجال ونساء التعليم المتعاقدين هو مؤشر واضح عن فشل الحكومة الحالية في ظل الدستور الجديد. إنه فشل ذريع أبان عن معيقات معقدة في قدرة الحكومة في مجال التواصل الجماهيري بحيث أحدثت خلطا مربكا في فهم العلاقة بين السلطة والنفوذ والخبرة. إن سياسة الجهاز التنفيذي المنبثق من صناديق الاقتراع لا يمكن أن تركز على محاصرة الآخر (أبناء الشعب المشكلين للكتلة الناخبة)، وتكسير أو تحطيم إرادتهم، وتجاهل حاجاتهم أو استصغارها، ونهج منطق “ربح كل شيء” أو “خسارة كل شيء”.

وأختم مقالي هذا بالقول أن الإصلاح الحقيقي لا يتم بالإملاءات والمبادرات غير المحسوبة. لقد عاشت طبقة الموظفين في مختلف القطاعات مرحلة ازدهار لا مثيل لها نتيجة المقاربات الناضجة التي انتهجتها حكومة اليوسفي، مقاربات تحولت من خلالها ديون المغرب إلى استثمارات، وتقلصت المديونية الخارجية إلى أدنى المستويات، وعرفت البلاد حوارات وطنية في مجال التنمية الاقتصادية والترابية والاجتماعية. لقد سجل ارتفاع الأجور في عهدها نسبة لا تقارن في التاريخ السياسي المغربي، ارتفاع نتجت عنه دينامية اقتصادية أنعشت ميزانية الدولة ورفعت من ثقة المؤسسات الدولية في مسار التطور الاقتصادي والسياسي والحقوقي في بلادنا.

 

الأحد : 24 مارس 2019.