كثيرا ما يطلب مني بعض طلبتي وأصدقائي تزويدهم بقائمة كتب صالحة للقراءة. وذات يوم قال لي أحد أصدقائي، الذي يعمل مهندسا في مجال المعلوماتية، إن ظروف حياته ونظام التعليم الذي درس في إطاره لم يسمحا له بالقراءة بشكل جدي ومنتظم… وبما أنه أصبح لديه هامش من الوقت، فإنه يريد أن يستثمره في قراءة كتب مناسبة لسد الثغرات الموجودة في ثقافته. كما أخبرني أيضا أنه يقرأ، بشكل غير منتظم ودون أي ترتيب، ثلاثة أو أربعة كتب في آن، يضع بعضها على مكتبه والبعض الآخر على طاولة غرفة نومه. ولما لاحظت على محياه أنه يرغب في معرفة رأيي، قلت له إن ما يفعله جيد للغاية، لكنه سرعان ما بدأ ينظر إلي باستغراب لأنه كان يريد أن أقترح عليه بعض الكتب المفيدة وأزوده ببعض الأفكار التي تُيَسِّر له قراءتها والاستفادة منها. فأوضحت له أنه لا يمكن للإنسان أن يقرأ إلا عندما يكون في حالة نفسية مناسبة تجعله يُقبِل على ذلك من تلقاء نفسه لتلبية حاجة في أعماقه… وقد تتنوع حاجاته حسب تغير الظروف والأحوال، حيث إنه قد يرغب أحيانا في قراءة رواية أو ديوان شعر، كما أنه قد يفضل في أحيان أخرى قراءة كتب فكرية….

إضافة إلى ذلك، بينت لهذا الصديق أن حديثه عن القراءة المفعم بالحماس يدل على أنه يتشوق إليها ويعشقها ولا يستطيع الاستغناء عنها… وبما أنه يمتلك الشروط النفسية المحفزة على القراءة، فإنه في غنى عن أية نصيحة. فما هو أساسي هو إقبال المرء على القراءة بشغف وعشق. وحين تكون القراءة كذلك، فإن كل كتاب نقرأه، يجعلنا نطرح على ذاتنا سيلا من الأسئلة الجديدة التي لم يسبق لنا أن خطرت على بالنا، كما أنه يحيلنا على كتب أخرى تخلق بدورها فينا رغبة في قراءة كتب أخرى… وهكذا يكتسب المرء شيئا فشيئا ثقافة حية تنسجم مع ميوله وتلبي احتياجاته الخاصة، كما أنها تساعده على تطوير ذوقه الخاص وأسئلته الخاصة في آن… هناك ما لا يُحصى من الكتب الجيدة، لكن لا يمكن لأحد أن يقرأها كلها. والمهم أن يقرأ المرء لتلبية حاجة روحية. وهذا ما يستوجب اختياره الفردي لما يقرأه، لأن ما يستأثر باهتمام هذا الإنسان قد لا يبالي به آخر. والثقافة المفيدة روحيا هي تلك التي تلبي حاجاتنا الملحة والعميقة غورا…

إنه من المستحسن أن يدرس المرء قليلا من الأعمال الأدبية الأساسية الكبيرة التي تسبر أغوار الإنسان ومختلف عوالمه بشكل عميق… وما هو أسوأ هو إجبار المرء على قراءة كثير من الكتب التي لا تعني له شيئا ولا تستهويه… ولكي يسحر المدرس روح تلاميذه، عليه أن يبذل قصارى جهده لتوفير الشروط التدريسية التي تمكنهم من اكتشاف كيفية القراءة… ويتعين على المدرسة أن تمكنهم من القدرة على قراءة المؤلفات الشامخة التي تلبي ما يحتاجون إلى معرفته عن الموت والحياة، والجبن والشجاعة، والقلق والارتياح، والحزن والفرح، والشقاء والسعادة، والأمل واليأس… كما ينبغي عليها أن تساعدهم على تحليل تلك الأعمال لاكتشاف كنوزها والتلذذ بسحرها واستيعاب أفكارها…

إنه من المفيد أن يقرأ المرء النصوص المقدسة والأدبية والفلسفية والعلمية… لقد نشأ ” أبراهام لنكولن” الطفل القروي المتواضع على الكتاب المقدس، فتعلم قراءة لغة ساحرة وكتابتها…، كما كان هذا الكِتاب، الذي يعود إلى آلاف السنين، هو نفسه المدرسة البيانية لكُتَّاب مثل ” فولكنر” وغيره. وإذا أخذنا أغلب الشعراء الكبار في التاريخ العربي، وجدنا أن النص القرآني كامن في لا شعورهم. فقد تحاور معه الكثير منهم وجعلوه أنموذجهم… فالقراءة وسيلة يرمي القارئ من ورائها إلى أن يصبح كل أولئك الذين يقرأ نصوصهم، لكنه لن يستطيع ذلك، بل سيصير ذاته.

ومن المثمر كذلك أن يمر المتعلم بتجارب شخصية تجعله يصير قارئا كبيرا عبر اكتشافه للذة القراءة، حيث إن النصوص الكبيرة تكبر في عين القارئ الكبير، كما أنها تصغر في عين القارئ الصغير.

ينبغي أن يذهب المدرس بتلاميذه إلى محاولة سبر أعماق الأعمال الروائية، والغوص في متاهاتها ومغامراتها، ومعرفة شخوصها…، وإدراك معانيها والقضايا التي تعالجها، والنفاذ إلى نعيم خيالها وأحلامها، والإحساس بعذوبة لغتها… وتشكل دراستهم لتراكيب فقرات النصوص الإبداعية وبنيتها اللغوية تمرينا خلابا يزودهم بمعرفة بأسرار اللغة… كما يُمَكِّنهم تسليط الضوء على جُمَلها من اكتشاف بساطة ووضوح وفعالية العلاقات بين الأفعال والأسماء، وكذا بين الجمل. وإضافة إلى ذلك، يجب إثارة انتباههم إلى طريقة استعمال الكاتب للنعت والصفة…، والكيفية التي تخلق بها الجملة الطويلة زخرفا وفضاء ومناخا، وإحساسا بالحلم… كما يتعين وقوفهم مليا عند صياغة الجُمل وقدرة بعض الكُتَّاب على الاحتفاظ بسرهم أو لغزهم حتى آخر الجملة…

 

الجمعة : 29 مارس  2019.