(1)

يشبه وضع السيد رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، وضعية وظفها الشاعر أبو العلاء المعري بمطلع القول، في سياق مغاير طبعا:

«أَراني في الثَلاثَةِ مِن سُجوني ……. فَلا تَسأَل عَنِ الخَبَرِ النَبيثِ…».
هناك فارق يساوقه ثابت في الإحالة، والوصف الذي يلخص وضعية رئيس الحكومة، باعتباره سلطة دستورية ومؤسسة لا باعتبار شخصه، هو وضعية من يوجد في استحالة ثلاثية.
الوضع الحالي للحكومة هو وضع أزمة، لا جدال في ذلك….
البرلمان، في شق أغلبيته عاجز عن الخروج من التقاطب الحاد حول لغات التدريس، وتم تعليق اجتماعات اللجنة الخاصة بالموضوع مرات عديدة، ومرتين بعد التوافق بين مكونات الأغلبية…، والطرف الذي انفجرت فيه أزمة التصويت، هو بالذات الحزب الذي يقود الحكومة، والمشهد اليوم الذي يوجد فيه سعد الدين العثماني، لا يمكن وصفه إلا بالعزلة المثلثة أو السجون الثلاثة:

أولا، داخل أغلبيته، والأخبار التي وردت عن اجتماع الحكومة، تكشف أن الوزراء كانوا حادين في التدخلات الخاصة باحترام التوافقات التي تمت برعاية من رئيسهم، وهو ما ينم عن تجاذب داخل الفريق الحكومي لم تعد تخفيه التفاهمات حول مواضيع أخرى..تماما كما كانت مواقف الأغلبية في اجتماع رؤسائها غير لينة في مواضيع محكومة بأخلاقيات المسؤولية، القائمة على احترام الاتفاقيات..

 ثانيا، داخل البرلمان حدث التراجع الكبير عن التصويت بعد وصول فرق الأغلبية إلى اتفاق يتم بموجبه التصويت على الصيغة النهائية للمادة المتعلقة بلغات التدريس، داخل مشروع القانون الإطار المتعلق بالتكوين والتعليم، وقد تراجع فريق الحزب الذي يقود الحكومة، عن الصيغة المتفق عليها، بعد أن تم توجيه رسالة من الأمين العام السابق، إلى الفريق حول اللغة المعتمدة بالتدريس، بل سارع الأمين العام السابق إلى اقتراح الاستقالة من الحكومة، أي إسقاطها إذا ما طُلب منه احترام اتفاقه مع الأغلبية والتصويت على المادة موضوع الخلاف..
وقد تبين بالفعل أن عزلة الرئيس واقعة داخل البرلمان…

ثالثا، داخل الحزب، لا يمكن أن يحدث كل هذا الزلزال حول السيد العثماني، في الحكومة وبالبرلمان، دون أن يكون له أصل ومرجع في الهيئات الحزبية التي يتواجد فيها، أو يكون له على الأقل تداخل،
والسيد العثماني، هو أيضا الأمين العام للحزب الذي يقود الحكومة،
والواضح أن أثر موجة الرفض للتعديل المتفق عليه، نوقش داخل الأمانة العامة، باعتبار أن جزءا منها هو في دفة التسيير والجزء الآخر في دفة التشريع، إضافة إلى مكونات أخرى داخل الحزب، كما أن البرلمانيين داخل الفريق كانوا مجمعين على مسايرة الموقف الذي عبر عنه الأمين العام السابق، وأقل ميلا إلى اتفاقات الأمين العام الحالي، وهو ما يكشف أن الوضع صعب على الدكتور ويلزمه تمرينات صعبة وشبه مستحيلة للذهاب والإياب بين هذه الفضاءات الثلاثة التي يتحرك فيها، فهو ضمن أغلبية لا يمكنه التأثير فيها كما تشاء توازناته الحزبية، وداخل فضاء حزبي لا يمكنه التأثير فيه كما تشاء توازناته الحكومية، وهو في هذا وذاك تحت سلطة معنوية ومادية للأمين العام السابق، الذي يقوم بدور الموجِّه، وقاضي الاستيناف على كل خطوة سياسية….لرئيس الحكومة.

والسؤال هو:إلى أي حد ستصمد الحكومة الحالية، بكل تناقضاتها، منها الموروثة عن «البلوكاج» الأول ثم الناجمة عن «البلوكاج» الثاني؟
وفي حالة لم تصمد، ما هي رهانات سقوط الحكومة أو إسقاطها؟ مع ما يرافق الوضع الحالي، إقليميا وداخليا؟

(2)

لم يعد سقوط الحكومة أو إسقاطها أمرا مستحيلا أواحتمالا غير وارد.. بل أصبح الحديث عن هذا السقوط، من باب الحلول الواردة، أو الإمكانيات التي يتم اللجوء إليها للرد على الوضع الحالي..

سؤال أول: – هل الحديث عن سقوط الحكومة له من يتبناه؟ نعم….
إما من باب الدفاع عن قناعات أيديولوجية، كما هو حال دفاع عبد الإله بنكيران عن الحفاظ على تدريس العلوم بغير ما تعودت عليه المدرسة المغربية، التي تعاني كل الانهيارات..
وإما من باب الحل الدستوري، لوضع قائم على العجز وتفسخ الحدود الدنيا التي تقوم عليها الحكومات الائتلافية.. كما في تقدير أحد الأحزاب الوطنية العريقة، الاستقلال الذي دعا إلى امتحان الثقة أمام البرلمان لإمكانية الاستمرار..
وإما من بعد اختلال التعاقد الذي تأسست على أساسه الحكومة، ضمن الائتلاف المعروف، كما تم نسبه إلى الوزير والرئيس الوطني لحزب التجمع، في لقاء الجمعة الماضية بالصويرة…
وفي التقدير الأول، فقد رفع عبد الإله بنكيران سقف التعجيز إلى أن صار السقوط حلا، فقد دعا رئيس الحكومة، وخليفته على رأس الجهاز الحزبي والتنفيذي الحكومي، سعد الدين العثماني، إلى أن يقدم استقالته في حال كان عليه أن ينزل التوافق الذي تم بين مكونات الأغلبية…
وقد جاء هذا الموقف، بعد استنفاد حصة النقاش، والدخول في تفعيل التوافق حول المادة المتعلقة بالتدريس، في القانون الإطار المعروض للمصادقة البرلمانية…
الموضوع، كان قد تم التصويت عليه في مجلس حكومي، وثم مجلس وزاري، يرأسه الملك، قبل الإحالة البرلمانية…
وفي هكذا سياق فإن «الفيتو» الذي رفعه عبد الإله بنكيران يتجاوز السقف المتوافق عليه في الأعراف السياسية، بل يعيد الجميع إلى المربع الذي يقترحه هو في تدبير معضلة التكوين والتدريس، وقد يذهب شد الحبل إلى أبعد من ذلك، إذا ما ظلت الأمور على ما هي عليه في تفضيل المقاربة الحزبية الأحادية على المقاربة الحزبية التوافقية….

سؤال ثان يفرض نفسه: خروج حزب رئيس الحكومة هل يعني سقوطها؟ دستوريا لا أحد يستطيع أن يربط بين خروج حزب ما وبقاء الحكومة، وهوما يعني فتح الباب لسيناريوهات شلل دائم بدون حل.
وقد حدث ذلك مع حزب الاستقلال أيام حميد شباط، بدون سقوط الحكومة، بل تم بناء أغلبية جديدة، أيام عبد الإله بنكيران مع حزب الأحرار…
ومن باب التلاقي أن الحزب الذي دخل والحزب الذي خرج يتفقان اليوم على أن الوضع غير سليم، ولا يستبعدان تصويت الثقة على هذه الحكومة..
غير أن حزب الاستقلال قريب من الحزب الذي يقود الحكومة في القضية موضوع الخلاف.. أي لغة التدريس!
كلاهما سيكون في وضع المهاجم، إذا ما سقطت الحكومة، وتمت الدعوة إلى انتخابات سابقة لأوانها.
والواضح أن حلا مثل هذا، سيمكن حزب رئيس الحكومة من موجة قائمة، وشعار بسيط قادر على أن يعبئ حوله، بدون دفع فاتورة سياسية للتدبير الحكومي.

بمعنى آخر، إن الموجة سيكون جوهرها : من مع العربية ومن ضدها، هكذا ببساطة شديدة تختزل النقاش، وتحيله إلى معادلة سابقة: من مع التحكم ومن ضده.
وقد يتم الجمع بين الشعارين تحت يافطة التحكم اللغوي هذه المرة، ومن ثم الوصول إلى شرخ هُوياتي حول اللغة يخفي ويغيب كل النقاشات الاجتماعية والسياسية والقطاعية والعواقب المسجلة في ملف التشغيل والتوترات التي مرت في مناطق عديدة…… إلخ.
بمعنى عدم الخروج من منطق انتخابات 16/2015 بوضع التنافس حول مفهوم غير قابل للتأطير الاجتماعي …بالنتيجة!
التضاد الهوياتي، لا يمكن أن يمر بدون أن نستشعر القوة التي يمكن أن تكون له، كما كان الأمر بالنسبة للشرخ الهوياتي الحقوقي حول خطة إدماج المرأة…

والواضح هو أنه قد يمنح بابا للإغاثة بالنسبة للحكومة في الواقع، ولحزبها المركزي، في تبئير النقاش حول اللغة، وحول تهديدها، وبالتالي إعفاء الحكومة من تقديم الثمن السياسي على أدائها في ميادين اجتماعية وأخرى اقتصادية واستهلاكية…

 

الثلاثاء :09 أبريل 2019.