لا ينتبه الراشدون دائما إلى كيفية بناء معارفهم الخاصة، وإلى أن ذلك غالبا ما يحدث تدريجيا، بدون وعي منهم، وعبر مسلسل طويل ومستمر من المراس والتمرن. وهذا يفرضُ علينا طرح السؤال: هل من المفيد التركيز على العلاقات بين مختلف المعارف، بحيث يتحول هذا التركيز إلى نشاط تلقائي وشبه طبيعي أم ينبغي، على العكس من ذلك، الوعي بسيرورة بناء المعرفة من أجل تحسين نوعيتها وفعاليتها؟

يرى “ميشال سير ” Michel Serres أن كلمة “بَينَ” “entre” ذات أهمية قصوى، لأنها تعبر عن فضاء أعقد مما نتصور، وهذا ما جعله يستغرب لخلو هذا الفضاء من الباحثين (1992)، إذ يساعد النفاذ إليه على فهم عدد كبير من الأشياء والظواهر، كالتفاعلات والتحولات…

يمكن لوجود الروابط بين الأفراد والأفكار… أن يُعاش سيكولوجيا باعتباره تقاربا أو اتصالا أو انسجاما أو صداقة أو حبا، وما إلى ذلك، كما يمكن، على العكس، أن يُعاش بوصفه تباينا أو اختلافا أو اختناقا أو تنافرا أو انفصالا… ومع ذلك، فلا غنى عن إقامة علاقات بين الأشياء….، فلبناء هيكل البيت، يجب البدء أولا بإقامة روابط بين أفكار وتصورات، وتصاميم، وأدوات، ومواد، وما إلى ذلك…
لكن، هل يمكن أن يؤدي خلق العلاقات بين الأشياء والأفكار إلى انفتاح على الآخرين وعلى العالم؟ ففي حالة المنزل، على سبيل المثال، تنفتح الغرف على بعضها البعض عبر الأبواب، والنوافذ، فيسهل على العين والجسد أن يتنقلا بينها، مما يجنب الإنسان الإحساس بالاختناق نفسيا وجسديا. لكننا، على العكس من ذلك، غالبا ما نرفض الانفتاح الفكري والمعرفي ونعتبره خطيئة. وتعني الخطيئة معرفيا إقامة علاقة بين فكرتين للربط بينهما، أي الانفتاح على حقل مفهومي جديد أو فكرة أخرى تُقَوِّضُ تمثلاتنا القديمة، مع أن ذلك يفيد أنه يتم التوسيع من أجل الربط، والربط من أجل الانفتاح. وانطلاقا من ذلك، فالروابط التي يتم نسجها بين المعارف تمكن هذه الأخيرة من الوجود باعتبارها معارف إجرائية.

ولتوضيح ما سبق، نرى من الضروري القيام بوصف سريع لتجربة Gottschaldt التي عَمدَ فيها إلى إحضار مجموعة من العُلب (أ، ب، ج، د، هـ، و…)، ثم وضَع قطعة من الحلوى في العلبة “أ”، وسمح لقرد وطفل يبلغ ثلاث سنوات على التوالي بالبحث عن قطعة الحلوى، فانتهى الأمر بكل واحد منهما إلى العثور عليها عن طريق المحاولة والخطأ. وبعد ذلك، وضع الباحثُ قطعة حلوى ثانية في العلبة “ب”، فذهب الطفل والقرد معا للبحث عنها في العلبة “أ” التي كانت توجد فيها من قبل، فلم يعثرا عليها طبعا، ثم بالصدفة اهتدى كل منهما إلى مكان وجود القطعة، وهو العلبة “ب” . وبعد ذلك وضع المجرِّبُ قطعة حلوى ثالثة في العلبة “ج”، ثم رابعة في العلبة “د”، ثم خامسة في “هـ”… ، فلاحظ أن سلوكات القرد والطفل بدأت تختلف عن بعضها البعض، حيث أصيب القرد بالارتباك، في حين فهم الطفل بسرعة أنه في كل تجربة جديدة يجب عليه أن يذهب إلى العلبة الموالية، وبذلك اهتدى إلى أن “العلبة الموالية” مفهوم تجريدي، تم بناؤه عبر إقامة علاقات بين الأشياء. لقد أصبح الطفل قادرا على الربط بين مختلف التجارب التي توالت بمضي الوقت.

يؤكد الباحثون أن الجهاز العصبي للإنسان يتوفر على عشرات ملايير الخلايا العصبية، وأنَّ عددها لا يرتفع بمرور الزمن، بل على العكس لا يكف عن الانخفاض مع التقدم في السن! وهذا الرقم لا دلالة له مقارنة بعدد الاتصالات التي تقام شيئا فشيئا بين مختلف الخلايا العصبية، وتتطور بشكل كبير إلى حوالي سن الثانية عشرة، وهذا ما ينتج أطفالا متلقين للغاية (J.-P. Changeux).
تشكل هذه الاتصالات دعائم التعلم، مما يبين بجلاء أن للروابط أهمية كبرى في الإدراك والفهم والمعرفة…، ولكن ما يلاحظُ في المدرسة هو أنه لا يتم حث المدرس على الربط بين المعارف والأفكار، بل على العكس يُطلب منه الفصل بينها وتجزيئها وتبويبها وفهرستها. ولأجل ذلك، تم تقسيم الحياة المدرسية إلى أسلاك، والبرامج الدراسية إلى تخصصات، والتخصصات إلى فصول، والفصول إلى مفاهيم، واستعمالات الزمن إلى حصص… فعلى سبيل المثال، تدعو ‘’بيداغوجيا الأهداف ‘’La pédagogie par objectifs إلى تجزئة المواد المُدَرَّسَةِ وترجمتها إلى أهداف إجرائية يجب معالجتها في انفصال عن بعضها. وعندما يتم تحقيق الهدف الأول، يتم الانتقال إلى الهدف الثاني، ثم إلى الذي يليه، وهكذا ودواليك…

ويقوم تصور هذه المنهجية على فكرة مفادها أنه يتم التحكم في مضمون كل مراحل ظاهرة معقدة بمجرَّد ما يتم اجتيازها. وبذلك، يتم النظر إلى المعارف المقدمة للتلاميذ بكونها شبيهة بمجموعة من الحُبَيبات، والحال أن أبحاثا حديثة في مجال التدريس قد بينت أن الأمر ليس كذلك، لأن ما يشكل أساس ظاهرة معينة هو العلاقات الموجودة بين مختلف عناصرها لا حاصل جمعُ هذه العناصر.

يلاحظ بعض الدارسين أن التدريس يصير، ابتداء من السلك الإعدادي، شبيها بالبرامج التلفزيونية التي لا يربط بين مختلف حلقاتها سوى الاسم. فإذا كان المشاهد، في هذه الحالة، لا يُقيم أي صلة بين مختلف حلقات البرنامج الذي يشاهده…، فأمام واقع تقديم الحصة الدراسية باعتبارها ذات موضوع مستقل، يصير التلميذ هو الآخر غير مهتم بالعلاقات التي يمكن أن توجد بين محتوى هذا الدرس أو ذاك وغيره من المواضيع التي تقدَّم له في الحصص الدراسية الأخرى أو في باقي المواد الدراسية. وهكذا، فعلى كل من المشاهدين والتلاميذ أن يخلقوا بأنفسهم روابط بين مختلف عناصر ما يشاهدونه وما يسمعونه، ويقيموا علاقة بينه وبين ما يعرفونه مسبقا عنه… يقوم التلميذ بربط الأفكار والأشياء ببعضها البعض بعلاقات، وفي استقلال عن المدرس، لكن هل يكون ما يقوم به سليما ؟

طبعا لا، بل إن التلاميذ يتفاوتون في إقامة تلك الصلات من حيث الكم والكيف، مما يفضي إلى التمييز فيهم بين تلاميذ ‘’جيدين ‘’ وتلاميذ ‘’رديئين !’’

ويعنى ذلك أن الربط بين بين الأفكار والمعارف… يمكن أن يكون متوافقا ومفيدا، كما يمكن أن يكون غير صائب ولا مُتوقَّع على الإطلاق.

لقد علمنا “ديكارت ” أنه لحل مسألة مَّا يجب تقسيمها إلى أجزاء عديدة، ثم معالجة هذه الأجزاء الواحد تلو الآخر، مع ضرورة فصل موضوع الدراسة عن الذات التي تدرسه. وهذه هي المقاربة التحليلية الأكثر استعمالا في التدريس.

يمكن أن يكون هذا التحليل ذا أهمية كبرى عندما يتعلق الأمر بالمعالجة الدقيقة لعناصر تتيح بطبيعتها هذا النوع من المقاربة، لكن فقط تمهيدا لإعادة إدراجها في الكل الذي تنتمي إليه، والذي يتعذر فهمه وتفسيره بالتناول التجزيئي. عندما يتعلق الأمر بمسائل أو ظواهر معقدة ينبغي أخذها في شموليتها، فالانشغال بالتفاصيل دون الربط بينها يعيقُ معرفتها. وكلما اقتربنا من المفاهيم الكبرى (المرتبطة بالجسد أو بالبيئة، أو الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، وأيضا بالتحكم في لغة معينة، أو حل مسائل في الرياضيات…)، اتضح أنها لا تُبنى إلا عبر نسج روابط بين مختلف عناصرها واكتشاف تفاعلاتها وإضاءة تحولاتها…، وهو ما يمنحها معنى.

هناك مقاربة أخرى يمكن وصفها بالموسوعية، لها صلة بالسابقة، إذ تشجع على تخزين المعارف عبر تصنيفها، ليس باعتبارها أجزاء مفصلة، بل إدخالها في نسيج من العلاقات ! ، فتضع (هذه المقاربة) جنبا إلى جنب عناصر كثيرة متباينة غالبا ما تكون متعلقة بالتفاصيل، ومن ثمة فهي تزج بنا في ما يمكن تسميته بـ “ثقافة التفاصيل’’. وهكذا، يتحول وازع الوضوح الكامن وراء تجزئة الأشياء والأفكار إلى قصر نظر نتيجة عدم القدرة على الربط بينها.

يشرح لنا ‘’إدغار موران’’Edgar Morin أن كل واحد منا لا يمتلك سوى جزء من لغز المعرفة التي تنفلت منا رؤيتها الشمولية. ‘’لقد استعمل العلم منهجا يعزل ويفصل ويختزل في الوحدة، كما فتح الباب على اكتشاف عناصر كالذرة والخلية والمجرات… وساعد على تفسير الرواسب، والحفريات والكتابات المجهولة بما في ذلك الكتابة المنقوشة في الحامض النووي… لكن بنيات هذه المعارف بقيت مفصولة عن بعضها البعض’’، وهو ما قاد هذا المفكر إلى طرح أسئلة عديدة، أهمها:

هل يمكن أن نقبل أن تؤدي هذه التجزئة إلى تراجع وضوح الرؤية وأن تتحول إلى غموض مُعَمَّم؟ وهل ينبغي أن نقبل أن يلف هذا الظلامُ الدامسُ المعرفة؟… (Edgar Morin, 1977).

لقد بدأت مقاربة جديدة تطرح نفسها اليوم تدريجيا، لا تزعم تعويض المقاربة التحليلية، بل تسعى إلى التكامل معها، وترى أنه يجب النظر إلى الظواهر باعتبارها أنساقا؛ أي بكونها مجموعة من الأجزاء المترابطة فيما بينها، حيث لا تَقِلُّ العلاقات أهمية عن الأجزاء. فلا يمكن اختزال العلاقة بين مختلف العناصر في حاصل جمعها، بل إن لها وجودا خاصا. فعلى سبيل المثال، ليس لأجزاء السيارة مفصولة عن بعضها البعض أي فائدة كبرى في حد ذاتها، بل إنها تكمن في التفاعلات والتبادلات القائمة بينها مجتمعة، مما يمكنها من لعب دورها كاملا، ويجعلنا لا نكون أمام ركام من القطع والأجزاء المعدنية والمطاطية وغيرها، بل أمام سيارة! قد تظهر المقارنة جريئة شيئا ما، لكن الأمر نفسه ينطبق على التلاميذ في قاعة الدرس، حيث لا تَعَلُّم بدون نسج التلميذ لعلاقات بين الأشياء والمعارف والأفكار…

توجد اليوم حواسيب شبيهة بالدماغ البيولوجي، حيث انتقلت من مجرد التوفر على ذاكرة لتخزين البيانات والقيام بعمليات محدودة إلى الاشتغال بنظم معلوماتية تمنحها القدرة على الربط بين مختلف عناصر البيانات المُخَزَّنَةِ فيها والقيام بعمليات شديدة التعقيد… ولا تقتضي هذه الأنظمة أن يكون الجواب الجيد متضمنا في النظام، بل يمكنها أن تولِّده من داخل كمّ البيانات التي يتم تقديمها إليها. فما يزال الإنسان قادرا على الذهاب بعيدا، حيث إن ما سبق ذكره يشكل مجموعة من ‘’العلاقات البينية ‘’interrelation ، أي العلاقات المتبادلة بين فكرتين أو عنصرين أو شيئين…، وليس “علاقات الواحد بالآخر”، إذ هناك فرق كبير بين هذين النوعين من العلاقات. فعندما يكون المعنى هو “العلاقة ب ـ “relation à”، “يمكن للإنسان أن يلعب بالمعنى، ويحوره ويختلقه ويكذب وينصب الفخاخ’’ (Canguilhem, 1980) ! فما هو مهم هو الوعي بأن هذه العلاقة ليست معطى، بل هي خلق وبناء حقيقيان.

إضافة إلى ذلك، ليست هذه العـلاقة مجرد تبعية، بل هي مكونة للنظـام (E. Morin, 1990). وبناء على ذلك، يرى ‘’ميشال سير ‘’Michel Serres أن الأمر لا يتعلق بالتنقل بين الأشياء، وإنما بجعل عملية التنقل نفسها موضوع دراسة، فليس العلم مضمونا، وإنما هو نمط تنقل. بل يمكن المضي أبعد، والقول بأن ” الأشياء تنجم عن العلاقات، لا العكس’’ (M. Serres, 1992).
علاوة على ذلك، لا يكمن فهم نسق معين في النسق ذاته فحسب، وإنما في العلاقات التي يقيمها مع محيطه…

الجمعة: 12 أبريل 2019.