مدخل:

بداية : علينا أن نميز بين قيم الليبرالية ممثلة بالحرية والعدالة والمساوة ودولة القانون والمؤسسات والمواطنة وتحرير المرأة وتحييد الدين ونشر الثقافة العقلانية التنويرية واحترام الرأي والرأي الآخر وغير ذلك من القيم الإنسانية النبيلة, وبين العقلانية الوصفية التي تتعامل مع هذه القيم وتختزلها في صيغتها القانونية فقط.

يشكل العصر الوسيط, واحداً من أكثر الفترات أو المراحل الزمنية مأساوية بالنسبة لأروبا بشكل خاص. حيث شكلت هذه المرحلة محطة هامة من محطات احتقار عقل وروح وجسد جماهير هائلة من السكان المضطهدين من فلاحين أقنان, وحرفي وبروليتاريا المدن, التي كانت في مرحلتها الجنينية, كل هؤلاء الذين أخذ امتلكهم الحقد ضد مضطهديهم من النبلاء الاقطاعيين والكنيسة والملك, مثلما امتلكتهم الرغبة في الخلاص منهم, أو تخفيف معاناتهم الطبقية بكل تجلياتها التي فُرضت عليهم. هذه الرغبة التي ترافقت عملياً من قبلهم مع انتفاضات للفلاحين, ثم تحولت إلى حروب أهلية حقيقية. دون أن ننسى الإشارة هنا إلى أن هذه الانتفاضات رافقها من الناحية الفكرية أيضاً نشر العديد من المؤلفات التي لا سابق لها من حيث الجرأة في فضح وتعرية السلطتين الدينية والروحية لعلاقات ذلك العصر. فمجموع المطالب التي طُرحت آنذاك, يمكن صياغتها في مطالب جذرية تشكل منطلقات أساسية في إعادة صياغة الحياة وفق أسس جديدة في معطياتها أو  في مضمونها الاجتماعي والسياسي والثقافي والقيمي مثل إلغاء القنانة والامتيازات الفئوية وأعمال السخرة والإتاوات والضرائب الثقيلة الوطأة التي تذهب لجيوب المتنفذين في الدولة والمجتمع, وكذلك تحويل ممتلكات الكنيسة إلى أغراض دنيوية, ومساواة الجميع أمام القانون.. الخ. (1). بيد أن (غريزة الحرية) هذه, كانت تصطدم بالثقافة أو المواقف الفكرية المحافظة للعصور الوسطى وأسر تقاليدها. هذا وإن نجحت آنذاك القوى الاجتماعية المتمردة أحياناً بالتخلص من أسر هذه الثقافة, فما ذلك إلا بسبب التمردات الفوضوية التي كانت تجري, وليس نتيجة مواقف عقلانية مدروسة ومخطط لها كما جرى لاحقاً عندما تشكلت الطبقة البرجوازية وأصبح لها منظروها من المفكرين والسياسيين.

لقد كان الدين في العصور الوسطى يمثل الأيديولوجيا الفعلية الوحيدة المسيطرة على حياة الدولة والمجتمع, وبالتالي فإن أي مطالبة عملية بالحرية تصدر عن الجماهير لم تكن ممكنة التحقق عملياً إلا داخل إطار الأيديولوجيا الدينية ذاتها, أي على شكل هرطقة دينة بالنسبة للخطاب الديني الرسمي, فثوريو القرنيين الخامس عشر والسادس عشر كما هو شأن أعدائهم المدافعين عن الإقطاع, كانوا مخلصين للنظرة الدينية اللاهوتية إلى العالم, حيث اعتقدوا أن هناك نظاماً الهياً معطى مرة واحدة وإلى الأبد, وعلى أساسه يُحكم المجتمع, وأن أي خلل يحدث في تطبيق هذا النظام. سببه تعسف المضطهِدين وجهل المضطهَدين. والمهمة الأساسية تكمن عندهم في إزالة البدع والتحسينات الكاذبة التي دخلت على النموذج الاجتماعي العريق والمثالي والأسطوري.

أما الحل للخروج من هذه الهرطقة فهو إعادة تفسير النصوص الدينية المقدسة تفسيراً أكثر دقة وعمقاً, وهذا ما دفع قسم من رجال الكهنوت المسيحي الثوريين في القرن السادس عشر, إلى استخدام العقل والمنطق ضمن رؤية صوفية يمكن للرب أن يرسلها لمن يشاء حسب زعمهم. (2).

الأفكار الثورية ذات الطابع العقلاني الوصفي لبرجوازية عصر التنوير:

لم يكن بإمكان الصراع ضد الاضطهاد والاستبداد الاقطاعيين, والدعوة إلى تحقيق العدالة والحرية الإنسانية في القرنين السابع عشر والثامن عشر أن يصبحا ناجحين بدون تغيير النظرة إلى العالم, ففي مطلع القرن السابع عشر نشأت المقدمات الموضوعية في أوربا المتعلقة بإعادة النظر بالنسبة لرؤية العالم وتفسير حركته الاجتماعية والطبيعة خارج نطاق الفكر الديني اللاهوتي, ففي ذلك الوقت أخذت تنتشر الرؤية النقدية غير المنسجمة منهاجياً مع مجموع المفاهيم والتقاليد والعادات الدينية غير العلمية للعالم. وقد أحرز هذا النقد في البداية نجاحات عظيمة بالنسبة لقضايا العلوم الطبيعية, وليس الاجتماعية, وكانت تلك القضايا مرتبطة بالدرجة الأولى بإدراك الطبيعة وطبيعة العلاقة بينها وبين الإنسان. وفي مضمار هذا السير النظري جرى التحدي للنظرة الدينية التقليدية للعالم بصورة ثورية حقاً, حيث ترك هذا التحدي تأثيراً كبيراً على تفكير الناس وعلى الحياة الروحية بأسرها. فنظرية كوبر نيك حول مركزية النظام الشمسي زعزعت أحد الأسس الدينية الأسطورية المتعلقة بالنظرة الدينية للكون, وهذا ينطبق على نظرية هارفي حول الدورة الدموية وتناقضها مع التفكير الديني والتصورات الكنسية عن الإنسان والتشريح العضوي له. يضاف إلى ذلك تطور الرياضيات الكلاسيكية والميكانيك والتأكيد على إعطاء الثقة المطلقة بالعقل والخشوع للمنطق.

لا شك أن خصائص فلسفة المذهب العقلي الوصفي التي أخذت تنتشر بشكل واسع في عصر التنوير, راحت تترك آثارها المهمة على طابع الفكر الانتقادي في القرنين السابع  والثامن عشر. وذلك بإعلان المذهب العقلي أن كل ما هو غير منسجم وغير متسق ومتناقض داخلياً, هو غير حقيقي. وبالتالي من هنا أصبحت العلاقات الاجتماعية والمؤسسات الاجتماعية التي لم يكن موجوداً في أطرها الانسجام الاجتماعي, وكانت تتكشف فيها التناحرات الاجتماعية, موضعاً للانتقاد من قبل المذهب العقلي الوصفي. لذلك أقر هذا المذهب العقلي ممثلاً بحوامله الاجتماعية تغيير هذه العلاقات والمؤسسات الاجتماعية.

لقد افترض تيار المذهب العقلي الوصفي, أن المجتمع شأنه شأن الطبيعة, يتألف من عناصر وعلاقات قليلة العدد وبسيطة نسبياً ومتجانسة كيفياً, وأنه عبارة عن مجموعة من الأفراد المتجانسين كيفياً والشبيهين بعضهم ببعض مبدئاً (كذرات) اجتماعية من نوع ما, ويتمتعون بحقوق (طبيعية) متساوية وأبدية. ففكرة مساواة الناس أمام الرب ارتفعت إلى فكرة بدأت تأخذ طابعاً أكثر تحديداً ودقة, وهي فكرة مساواة الناس (الفطرية), وكانت هذه الفكرة مميزة جداً للوعي الذي انتقد التنظيم الاقطاعي الهرمي الفئوي والطائفي للمجتمع. (3).

إن فلسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر (فلسفة التنوير), قد انطلقت بصورة واضحة من المقدمة القائلة: بأن تطبيق الحرية المدنيّة يعتبر أساساً كافياً لبناء المجتمع المثالي. وكان فلاسفة هذه المرحلة يفهمون الحرية على أنها تحرر من الفروض الاقطاعية وقيود تقسيم المجتمع إلى فئات ومراتب, وكمساواة للناس أمام (القانون). لقد كانت فلسفة التنوير هذه تقصد حرية العمل الاقتصادي, أي النشاط البرجوازي, وقد عكس هذا الاقتناع موضوعياً خصائص الممارسة الاجتماعية التاريخية في ذلك العصر, عصر تطور نشاط رجال الأعمال الرأسماليين. إلا أن فلاسفة عصر التنوير رأوا طبقاً لأوهام المذهب العقلي الوصفي في فهمهم للحرية ومثالهم عنها, بديهية يصوغها العقل الصرف للمفكر على حد زعمهم, عدا (روسو) الذي اعترف بأن المساواة أمام القانون من السهل أن تصبح مساواة شكلية وستاراً للثروة, فلمساواة الفعلية عنده لا يمكن أن تتحقق حيث يوجد الثراء والفقر, وحيث يوجد عدم المساواة في الملكية. أما الحل عنده فهو خلق مواطن صالح أخلاقياً, أي خلق مواطن بعيداً عن الأنانية والرغبة في الاقتناء المفرط. وهذا ما دفعه للقول : (عندما قام أول شخص وسيج قطعة من الأرص وقال هذه ملكي وصدقة الناس, بدأ استغلال الإنسان للإنسان.). وهو بذلك ظل في الحقيقة يدور في مضمار العقلانية الوصفية برأيي لأنه اعتبر أن التربية الأخلاقية قادرة على حل المشكلة الطبقية وليس الثورة, وهذا ما دفعه لتالف كتابه (إيميل).

    أما الحاكم الذي يعتبر المثل الأعلى لتحقيق السعادة والمساواة لشعبه فهو عند فلاسفة عصر التنوير ذو الثقافة التنويرية الذي يعمل طبقاً لقوانين العقل.

لا أحد يستطيع أن ينكر بأن فلاسفة عصر التنوير قد ساهموا في الإعداد للثورة الفرنسية الكبرى, وكانوا على ثقة كبيرة بأن المصدر الرئيس لأي اضطهاد اجتماعي, إنما يتمثل في سوء الاستخدام الواعي والإرادي للثروة والسلطة من قبل بعض القوى الاجتماعية التي أخذت تنشأ نتيجة لعدم المساواة (الحقوقية) بين الناس, ونتيجة للتبعية المقوننة في التشريع الاقطاعي بين الفلاح والنبيل, ولعدم وجود قوانين واحدة والزامية للجميع. لذلك اعتقدوا بأن الإلغاء الحقوقي للتبعية الشخصية وجعل جميع الأفراد في وضع واحد أمام القانون, يمكن عندها فقط أن تزول جميع أشكال الاضطهاد والنزاعات من تلقاء ذاتها في الحياة الاجتماعية.

بيد أن تاريخ المجتمعات قد أثبت أن المساواة الاجتماعية أمام القانون لم تلغ عدم المساواة الاجتماعية. وأن إقرار المساواة أمام القانون لم يكن سوى بداية مرحلة جديدة في الصراع الطبقي, وأصبح الاعتبار الحاسم في هذا الصراع هو عدم المساوة من حيث الملكية, وانقسام الناس إلى جماعات اجتماعية كبيرة تبعاً لحالة ومقدار الملكية العائدة لهم. كما أثبت التاريخ أيضاً أن الثورة الفرنسية على سبيل المثال لا الحصر التي مهد لها فلاسفة التنوير فكرياً لم تكن في النهاية إلا ثورة برجوازية, وقد شهدت نهاية الثورة بالمثال الاجتماعي المجرد الذي وضعه هؤلاء الفلاسفة, والذي اعتنقه بإخلاص الجمهور الثوري الذي كانت تحركه غريزة الحرية بشل عام, أو غريزة الديمقراطية بشكل خاص من جهة أولى, ثم بمن تأثر بهذا المثال الاجتماعي من حملة أفكار التنوير من جهة ثانياً. لذلك أظهرت الثورة الفرنسية المحدودية التاريخية لمجتمع العقل الوصفي الذي وضع تصوراته آنذاك فلاسفة التنوير التي تبين أن تلك التصورات عن المجتمع, لم تكن تعتبر هذا المجتمع أكثر من مجموعة ميكانيكية متوازنة من الأفراد, وأن هؤلاء الأفراد ليسوا أكثر من ذرات اجتماعية متجانسة تماماً, أو متساوية مع بعضها من الناحية القانونية الشكلية / الوصفية.

ملاك القول: إن الثورات الاجتماعية الحقيقية التي تعمل على إعادة بناء الدولة والمجتمع وفقاً للقوانين العلمية الثورية التي يلعب فيها العقل النقدي (وليس العقل الوصفي/ الشكلي) دوراً فاعلاً في كشف القوانين الموضوعية والذاتية التي تتحكم في حركة الدولة والمجتمع, ومن ثم إعادة توظيف هذه القوانيين لمصلحة جميع أفراد والمجتمع, وهذا الدور يمارسه الفلاسفة الثوريون المؤمنون بحرية الإنسان وعدالته الاقتصادية والقانونية والاجتماعية والثقافية والسياسية, وهذا ما جعل ماركس يعول كثيراً على الفلاسفة الثورين عندما أناط بهم مسألة التغيير بقوله: ( آن للفيلسوف الآن أن يبني هندسة المجتمع كما يبني المعماري هندسة البناء.). بيد أن ما يرسم له الفلاسفة لن يتحقق مالم تؤمن به الجماهير المضطهدة والمحرومة من العدالة والمساواة, هذه الجماهير هي وحدها من يصنع الثورة الحقيقة التي تعمل على إعادة توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل على جميع أفراد المجتمع…إنها ثورة القوى الاجتماعية التي راحت تتناقض مصالحها مع العلاقات الانتاجية الاستغلالية السابقة لوجودها, أو التي اوصلتها هذه العلاقات إلى حالات القهر والظلم والاستغلال والاستلاب والغربة والتشييء. والراغبة في إعادة بناء علاقات إنتاجية جديدة يسود ويعم فيها العدل والمساوة وتكافئ الفرص والمواطنة والمشاركة في إدارة أمور الدولة والمجتمع والمساواة أمام القانون أي عودة الإنسان إلى مرجعيته الإنسانية. أي عودته من ضياعه في منتجاته,  هذا الضياع الذي يعتبر امراً حتمياً, فهو ليس نتيجة ذنب ارتكبه الإنسان في حياته, بل هو النتيجة المؤلمة للانفصال الذي يحدث في مرحلة معينة من نمو الإنسان بين وجوده الواقعي ومنتجاته. إن الضياع هو الوجه الاخر المقابل للتموضع. فالإنسان يتموضع بصورة دائمة, أي يوجد خارج ذاته, ويتجسد في أشياء (يشيئ). والضياع يتخذ مصدره من الحياة الاقتصادية عندما يقوم الإنسان ببيع قوة عمله في السوق ولا يعود يخصه إنتاجه, ويتخذ إنتاجه وجوداً مستقلاً عنه. والحرية بالنسبة لهذا الإنسان المتشيئ المعزول عن إنتاجه, لا تتحقق إلا بإزالة هذا الضياع.

 

*د . عدنان عويد كاتب وباحت من –ديرالزور- سورية

 

المراجع.

1- راجع كتاب الفلسفة العلمية والثورية – إصدار دار التقدم 1982- مجموعة من الباحثين السوفييت – ترجمة –فهد كم نقش- ص 25.

2-  المرجع نفسه- ص 27.

3- المرجع نفسه- ص 33.

 

السبت : 20 أبريل 2019.