لأن الفشل هو العنوان الأنسب للمرحلة التي وجدوا أنفسهم يتربعون فيها على أهم المناصب في تدبير الشأن العام المحلي والوطني، ولأن كل التبريرات التي ابتدعوها ضمن تكتيكات استراتيجية للتملص من المسؤولية تحت شعارات غريبة من قبيل: “التماسيح والعفاريت” و”التحكم” و”نظرية المؤامرة”، لم تسعفهم في ترسيخ صورة المظلومية وإخفاء أعطابهم التدبيرية وعجزهم عن إحداث التغييرات الجذرية وإنتاج مشروع مجتمعي جديد، فإن قياديي حزب “العدالة والتنمية” الذي يقود الأغلبية الحكومية للولاية الثانية على التوالي، ويرأس عددا كبيرا من الجماعات الترابية و”عمودية” المدن الكبرى، وبعد أن انكشف زيف ادعاءاتهم وفقدانهم البوصلة، لم يعد لديهم من وسيلة للتخفي عدا التدثر بثوب النزاهة عند خرجاتهم الإعلامية ومهرجاناتهم الخطابية.

      وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن القيادي ووزير الطاقة والمعادن عزيز رباح، بصفته رئيسا لمؤسسة منتخبي الجماعات الترابية المنتمين لحزبه، أبى إلا أن يبدي تفاخره بإخوانه المنتخبين المحليين، ويدافع عن رصيد الحزب في تسيير شؤون الجماعات الترابية، خلال الجلسة الافتتاحية للقاء الوطني لرؤساء الجماعات المنعقد يوم الأحد 28 أبريل 2019 بالرباط، حيث قال مزهوا: ” إنه مهما قيل لم يتم اتهام الإخوان رؤساء الجماعات الترابية في نزاهتهم”، وكأننا به يريد نفي العقوبات المتخذة في حق بعضهم، وأنه رغم ما تعرفه مجموعة من الجماعات من سوء التدبير واختلالات إدارية ليس مهما أمام “نزاهة” رؤسائها.

      والنزاهة في تقديرنا ليست حكرا على مسؤولين دون غيرهم أو خاصية حزب سياسي ذي مرجعية دينية دون باقي الأحزاب السياسية، بل هي قيمة أخلاقية يفترض أن يتحلى بها كل أفراد المجتمع بصرف النظر عن انتماءاتهم، إذ يتعين على كل مواطن أن يحملها معه سواء في البيت أو المدرسة أو العمل. فلا يمكن لتصرفات المرء أن تستقيم بدونها، باعتبارها أسلوب حياة لعيش مشترك بين سائر المواطنين، تساعد في توطيد العلاقات وتعزيز الثقة بينهم وفي مؤسساتهم، وتتجسد بشكل خاص في الأمانة والصدق والإخلاص والالتزام… وبفضلها يتقوى السلوك السليم والرقابة الذاتية والابتعاد عن الممارسات الدنيئة. وهناك فروقات كبيرة بين أن يكون الشخص نزيها بدون كفاءة أو كفؤا بدون نزاهة، إذ تعتبر الكفاءة مجموعة مهارات مكتسبة عبر التحصيل العلمي ومراكمة التجارب والخبرات، وهي قابلة للمزيد من التجويد والتطور نحو الأفضل، بخلاف النزاهة التي تظل حالة معنوية وليس من الضروري أن تكون لها علاقة بالتعليم، إذ بإمكان الشخص أن يتأثر ببيئته الاجتماعية أو بالدين أو بإيديولوجية الحزب، وأن يتغير نحو الأسوأ كما أثبتت  لنا التجارب ذلك في عدة مناسبات…

      فنحن جميعا نعيش في مجتمع معني بفضيلة النزاهة وغيرها من القيم النبيلة وفق ما جاءت به تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، وكلما فرطنا في تكريسها كلما ساهمنا بوعي أو بدونه في الإكثار من الرذائل، ضرب مقومات الثقة والمصداقية وتكافؤ الفرص، تفشي الفساد وعرقلة مسار الإصلاح وجهود التنمية… لكن ما جدوى النزاهة في غياب الكفاءة، إذا ما استحضرنا جانبا من النماذج المتعلقة بتدبير الشأن العام والتي تندرج في إطار ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومنها “الزلزال السياسي” الذي عصف برؤوس وزراء ومسؤولين مركزيين ومحليين، إثر تعثر مشروع “الحسيمة منارة المتوسط”، وتورط مسؤولين آخرين ومنتخبين محليين في قضايا مختلفة، كشفت عن تفاصيلها تقارير المجلس الأعلى للحسابات، ولجان تفتيش مركزية وإقليمية، فضلا عما تعيشه جماعات ترابية من انحباس مفرط وغير مبرر، أضر كثيرا بتحقيق التنمية ؟

     وبالعودة إلى قول الوزير “الرباح” الذي بات يشاطره فيه جميع أعضاء الحزب والمتعاطفون معه، من كونهم يتميزون بالنزاهة ونظافة اليد، لا يسعنا إلا أن نحوقل أمام هذا الزعم المكشوف، ويحز في النفس أن نضطر لتذكيره وهو رئيس مؤسسة منتخبي الجماعات الترابية التابعين لحزبه، بما يعانيه بعضها من استبداد رؤسائها بالرأي وغياب الحكامة الجيدة وسوء تدبير شؤونها وتعطيل مصالحها الإدارية، وانعكاس ذلك على مصالح السكان. فعن أي نزاهة يتحدثون إزاء مسلسل الخروقات التي استدعت تدخل المجلس الأعلى للحسابات ولجان من وزارة الداخلية، أدت تقاريرها إلى صدور قرارات بعرض ملفات على المحاكم الإدارية وعزل عدد من أعضاء المجالس الجماعية بمجموعة من المدن والأقاليم، لتورطهم في إخلالات إدارية ومالية منها اختلاس وتبديد المال العام وأفعال أخرى تضر بأخلاقيات المرفق العام تخص مجال التعمير وتزوير وثائق إدارية ومنح رخص غير مستحقة…؟ وما الفائدة من النزاهة المتبجح بها ومعظم أحياء وشوارع المدن الكبرى تعاني من انتشار الأزبال وأزمة النقل وغيرها من الاختلالات البنيوية؟

      إن النزاهة وحدها لا تصنع مسؤولين جيدين، إذ أثبتت التجارب أن عديد المجالس الجماعية أخفقت في النهوض بأدوارها التنموية، لانعدام الحنكة والكفاءة في التسيير، واتضح أن منتخبين كثر يصلحون لمزاولة أي نشاطات أخرى عدا تسيير الجماعات. فالمسؤول الجماعي مطالب بالتحلي بالموضوعية، والقدرة على ابتكار الحلول الناجعة والجريئة والحرص على تكريس الحكامة والشفافية، ويدرك أن ربط المسؤولية بالمحاسبة لا ينحصر فقط في الاختلاسات وهدر المال العام، وإنما يتجاوزه إلى التهاون وتعطيل المشاريع. وعلى الأحزاب السياسية مراجعة المعايير المعتمدة في انتقاء مرشحيها، لأننا بحاجة ملحة إلى إصلاحات حقيقية، تساهم في تنمية ثقافة المواطنة وتقوية المؤسسات، والابتعاد عن المزايدات السياسوية التي تنفر من العمل السياسي وتحول دون استكمال البناء الديمقراطي الصلب…

 

الثلاثاء : 07 ماي  2019.