كثيرا ما يربط بعض المحللين بين الفقر والإرهاب، ويجعلون من العوز والفاقة سببا رئيسا ومباشرا لالتحاق الكثير من الشباب بالجماعات المتطرفة، لكن القراءات الاجتماعية والنفسية لهذه الفئة تدحض ذلك، وتؤكد أن الفراغ الفكري والتصحر الثقافي هما من أبرز الأسباب الرئيسية للالتحاق بالجماعات التكفيرية الإرهابية التي تجد فيهما أرضية خصبة لغرس أفكارها المتطرِّفة الجهادية.

لذلك، لا أرى وجودا لعلاقة سببية بين الفقر والإرهاب؛ فالعديد من مجندي ساحة الصراع السوري، على سبيل المثال، هم من ميسوري الحال في بلدانهم، تركوا أموالهم ومنازلهم وأهلهم وذهبوا ينشــَدون الجنة بحورياتها الموعودة. وكم رب أسرة ترك أسرته والتحق بسوريا للجهاد معتقدا أن الدفاع عن الله يقتضي ذلك … فالأمر يتعلق بأيديولوجيا متينة تم إعدادها بإتقان من أجل تنفيذ بعض السياسات المفروضة داخليا وإقليميا ودوليا. وتوظف الجماعات التكفيرية الجهادية في هذا أساليب وطرائق مختارة بعناية أهمها الانغلاق، من خلال اعتماد دمج الأفراد المجندين واستيعابهم ضمن مجموعة محدَّدة العدد، وتعبئتهم بالأفكار والمبادئ الإيديولوجية والعقدية العنيفة، حيث يصبح الخروج عن الجماعة مرادفا للقتل والتصفية؛ ومن ثمّ الانفصال عن المجتمع وثقافته ورؤيته ومفاهيمه… ويعتمد الاستقطاب عند التنظيمات الجهادية على مركزية استعمال خطاب مخدر يفرط في الحديث عن الرغبة الإلهية، ومحاولة تحقيق الإرادة الربانية أو الوعد الإلهي، من أجل تحويل الإرهابي إلى كائن خارق يتحرك بإرادة إلهية.

في غياب ثقافة للتنوير، توجد ثقافة الإرهاب التي هي نتيجة لسيرورة فكرية واجتماعية يتم بثها في البداية عبر التنشئة الاجتماعية. فالإرهاب ثقافة يتم زرعها وتكوينها عبر سيرورة فكرية واجتماعية متكاملة، تبدأ بالتنشئة الاجتماعية للأطفال من خلال الزج بهم باكرا في نسق ديني متشدد، حيث يتم اللجوء إلى استعمال الانتقائية في تلقينهم الآيات والأحاديث الدينية من أجل توجيههم نحو الفكر الإيديولوجي التكفيري المتشدد الذي يعدهم ويوجههم نحو الانفجار بشتى أنواعه؛ تفجير الآخر من خلال القضاء على رموزه واستقراره وأمنه وتوازنه الفكري والاجتماعي، وتفجير الذات بتنفيذ عمليات انتحارية تأتي على المنفذ نفسه.
إضافة إلى ذلك، فالإرهاب ظاهرة دولية ناجمة عن تقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية متضاربة. وهذا ما جعله ثريا ماديا، حيث تتوصل جماعاته بملايين الدولارات من جهات إقليمية ودولية مختلفة. كما أنه ثري رمزيا لأنه ينهض دوما على مرجعيات دينية يوظفها ببراغماتية خدمة لمصالحه، حيث لا يعبأ بالتناقض ويكيل بمكيالين، ما جعله يسقط في التحايل والنفاق والكذب دون أن يجد حرجا في ذلك. علاوة على ذلك، فالإرهاب ثري منهجيا لأنه يستعمل طرائق دقيقة في استقطاب الناس وتجنيدهم حسب مصالحه، وتجنيد موارده البشرية وتوظيفها. كما أن الطرق والتقنيات والأساليب التي يستعملها الفكر المتشدد في الشحن والتجنيد هي طرق محدثة تتبع استراتيجيات علمية ووسائل تكنولوجية متطورة للتأثير على الأفراد والتمكن من عقولهم واستيعابهم في منظومته.

بذلك، يكون الإرهاب مبنيا من البداية على نسق فكري متجه لخدمة غايات أساسية كبرى كانت قد أسست لها منذ القدم أدبيات دينية وفقهية وفكرية تعتمد على مقاربة نفسية للشباب المــٌستقطب قبل الاعتماد على المقاربة الاجتماعية؛ حيث يعتمد من يقوم باستقطاب الشباب إلى هذه الجماعات المغلقة على تقنيات عدة للاستيعاب والإدماج، أولها اختيار المجنــّد. فالشرط الأهم في هذا الاختيار هو أن يكون العقل النقدي منعدما في الشخص المجنَّد، ما لا يسمح له بالجدال. ولذلك نلاحظ أن أغلب المجندين في التنظيمات الإرهابية لا يتوفرون على وعي فكري، كما أنهم من خريجي الشعب العلمية وليسوا من خريجي الشعب الأدبية.
فضلا عن ذلك، يسعى الإرهاب إلى الترهيب وغرس ثقافة الخوف التي تمكن الإرهابيين ومن يحركونهم من الخلف ويدعمونهم ماديا إلى فرض سلطتهم ماديا ومعنويا، حيث يروم هؤلاء كلهم إلى تعميم الخوف بين جميع أفراد المجتمع، ما يحول دون تنمية القدرات الفكرية والإبداعية للمجتمعات التي يضربها الإرهاب، حيث تعيش هذه الأخيرة تحت سيطرة الخوف من حاضرها ومن مستقبلها، عاجزة عن تجاوز عقدة الخوف من الموت التي تقيدها، وتحول دون اكتسابها القدرة على النمو والتطور، فتصير مكبلة، بل فريسة سهلة في يد منافسيها وخصومها وأعدائها.

علاوة على ذلك، يمكن تفسير ظاهرة التطرّف بمناهج الدراسة وتراجع مستوى اللغات والانفتاح على العالم.
وللتعليم أيضا ارتباط بالتشغيل، لأنه عندما تنفصل المناهج التعليمية عن التشغيل تغيب «الحركية الاجتماعية mobilité sociale » التي كانت موجودة من قبل، حيث يجد العديد من الخريجين أنفسهم خارج سوق الشغل، ما يقذف بهم إلى هوامش المجتمع، فيتولد عندهم شعور بعدم الانتماء إليه. كما نجد بعض الخرّيجين دون المستوى المطلوب بسبب ضعف مستواهم التعليمي، ما يعمق الأزمة. وتجدر الإشارة إلى أن تهميش مسار التكوين المهني قد أثر سلبا على المراهق الذي لا يجد لديه مواهب دراسية تؤهله لمواصلة المشوار الأكاديمي. فبدون تكوين مهني جيد، لا بجد التلاميذ الذين لا يستطيعون متابعة المسار الأكاديمي حلا سوى الانقطاع المدرسي والسقوط في براثن الشارع بتطرفه بمختلف أنواعه، كالمخدرات، والانحراف، والجريمة، والتطرف الديني، إذ بينت آخر الدراسات أن عددا كبيرا من الإرهابيين الذين توجهوا إلى بؤر التوتر في سوريا قد انقطعوا عن الدراسة، ولَم يتمكنوا من الحصول على تكوين أكاديمي ومهني يؤهلهم للشغل.

كما أن تدريس العلوم الإنسانية، كالفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والأدب وغيرها، ضروري في جامعاتنا، خاصة لطلبة الاختصاصات العلمية، إذ يعتمد الفكر السلفي الجهادي على مقاييس دقيقة في استقطاب الأفراد واستيعابهم، باعتماده استراتيجيات مخابراتية علمية، وتقنيات صارمة، من أهمها أن يكون المستقطـَب ذا خلفية علمية ومعرفية هشة، أي أن تكون له قابلية لاستيعاب الخطاب المؤسطر والخرافي عامة، حيث يستطيع الداعية أن ينفث خطابه الأسطوري في دماغ ضحيته، ويشكــّله وفقا للطرح الإيديولوجي الذي يبتغيه. ويرى بعض المحللين أن تواجد عدد هام من المتعلمين في صفوف الجهاديين يدحض هذه النظرية التي ترى أن الفكر السلفي يستهدف الذين لم يتلقوا نصيبا كافيا من التعليم، وأصحاب العقول الهشة فكريا ونقديا، ولكن واقع الحال يشير إلى أن أصحاب الشهادات ضمن هذه التيارات هم في الأساس ذوو اختصاصات علمية وتقنية، أي أن قدرتهم على تكوين الحس النقدي والفكري لم تنضج بعد وهو ما يجعلهم فريسة لأي تطويع إيديولوجي متين البناء، وضحية سهلة للتلاعب والتوظيف الذي يمارسه دعاة هذا الفكر أو من يمولونهم . والدليل على ذلك أن التيار الفكري الجهادي لم يستقطب داخله إلا القليل من خريجي كليات العلوم الانسانية أو الاجتماعية وغيرها من الاختصاصات النظرية الفكرية. فالجماعات المتشددة هي جماعات مغلقة تتمحور حول الاتباع الأعمى للشيخ أو الأمير، ولا مجال في داخلها لأي تحليل أو تساؤل أو نقد فكري، وأي ميل نحو التفكير أو إعمال العقل يضع صاحبه تحت طائلة «الخروج عن الملة» أو «الردة»، ومعروفٌ عقاب مثل هذه التهم عند هذه الجماعات.

وإذا كان للتعليم دور في محاربة الإرهاب التكفيري، فكيف يجب النظر إلى مشاريع إصلاحه؟

هناك أبعاد عديدة لإصلاح التعليم، بمعنى أنه لا ينبغي ان يكون مشروعا واحدا، بل مشاريع عديدة تهدف إلى تطوير مستويات عدة في آن واحد، أهمها تمتين الربط بين واقع الشغل والاختصاصات المطلوبة مهنيا وبين الاختصاصات الأكاديمية والمناهج التعليمية، كما يجب التأكيد على بناء تعليم يوازن بين المعارف النظرية والخبرات المهنية الميدانية التي سيحتاجها الفرد على مستوى الممارسة مستقبلا.

ويكمن مستقبل التعليم في قدرته على تشغيل خريجيه، ومدى مطابقته لمتطلبات التنمية وسوق الشغل، ولا معنى لتسهيل النجاح المدرسي وتوزيع الشهادات الجامعية دون تكوين علمي وتطبيقي حقيقي يمكن المتعلِّم والطالب من إنتاج معارفهما وقِيمهما الخاصة، ودون ربط التعليم بالواقع ميدانيا بشكل ممنهج ودقيق من حيث المجال ونوعية التأطير بما يؤهل الطالب والتلميذ للاستفادة الفعلية من درسه وتداريبه ميدانيا. ومن الضروري التشديد على تفعيل التكوين المهني الذي يشكل مخرجا وملاذا للشباب الذين لا يملكون المقدرة العلمية على مواصلة المسار الأكاديمي، فيجدون في هذا المسار التكويني حماية لهم من عواقب الانقطاع المدرسي الوخيمة، كما يجد المجتمع فيهم خزانا من الحرفيين والصناع الذين شحّوا من السوق أو سيكون في حاجة إلى بعض المهن الجديدة مستقبلا. فالتكوين المهني حلّ على المستوى الفردي والاجتماعي، خاصة أن تهميشه يسهم في تدنّي مستوى الطالب الذي يتمّ تسهيل إنجاحه باعتماد المعدلات السنوية في امتحان الباكالوريا، وتكون في نهاية المطاف أفواج من الخريجين المكونين بطريقة غير مسايرة لسوق الشغل، والعاطلين عن العمل.

وبالتزامن مع تصاعد ظاهرة الإرهاب في المنطقة العربية الإسلامية، كثرت الدعوات إلى اعتماد التجديد الديني والفكري جزءا من المواجهة الأمنية ضدّ الإرهاب؛ حيث ينبغي مراجعة المنظومة الدينية التعليمية بشكل معمق، وذلك لأن فكر الإرهاب تقف خلفه مؤسسات كاملة، ولا بد في مواجهته بفكر على نفس المقدار من القوة تسنده وتخطط له مؤسسات مختصة. فالطرائق والتقنيات والأساليب التي يستعملها الفكر المتشدد في الشحن والتجنيد هي طرائق محدثة تتبع استراتيجيات علمية ووسائل تكنولوجية متطورة للتأثير على الأفراد والتمكن من عقولهم واستيعابهم في منظومته. بينما لا يزال تعامل المؤسسة التعليمية عندنا مع الظاهرة الدينية تعاملا بدائيا، حيث لم يكلف المسؤولون عن التعليم أنفسهم عناء إعادة تأطير وتكوين المدرسين وأساتذة التعليم الديني بما يتماشى مع روح العصر.

ولإنجاز ذلك، ينبغي الانخراط في الحداثة الكونية، ما يقتضي إجراء قطيعة مع كثير من ثقافات وممارسات ومؤسسات وقيم الماضي التي لا تستجيب لمتطلبات العصر الحديث والحاجات الحقيقية للمواطنين. كما ينبغي القيام بدراسة معمقة وجدية لتطوير المنظومة التعليمية تروم تعرية الفكر الذي تنهض عليه مضامين البرامج الدراسية وطرائق تدريسها. أوَّلا، هناك ميل كبير إلى تدريس المعارف والقواعد والقوانين والنماذج دون مساءلتها. وبذلك ينعدم الحس النقدي عند المتعلمين. ونتيجة ذلك، لا يدرك المتعلم معاني المعارف التي يدرسها لأنها تتحول إلى معرفة ميتة يٌطلب منه ترديدها باستمرار. كما ينبغي أن تكون المنظومة التعليمية قادرة على تكوين مدرسين أكفاء قادرين على مواجهة المدّ المتشدّد على المستوى النظري. أما على المستوى التطبيقي فعلى مدرس التربية الدينية المنشود أن يكون قادرا على بث الاطمئنان النفسي في تلاميذه أو طلبته، وتمكينه من آليات خطاب الإقناع والإشباع الذي يمكّنه في النهاية من إيصال تلميذه أو طالبه إلى مرحلة التمكين والاستقلال الذاتي المنشودين، بحيث لن ستطيع أحد بعد ذلك أن يغسل دماغه..

 

الإثنين 13 ماي 2019.