أثار انتباهنا، بغير قليل من الدهشة، دعوة الكاتب الأول للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية إلى التوجه نحو مستقبل آخر عنوانه المصالحة و ما يستدعيه ذلك من التفاف لكل الطاقات الإتحادية حول الحضن الأم. في البداية، لا يمكن لهكذا دعوة إلا أن تثير ، في الآن نفسه، الإستحسان و الفضول. إستحسانها يفرضه المأزق الذي آلت إليه مختلف مكونات الحركة الإتحادية. و الفضول منبعه غموض أو بالأحرى غياب أسباب النزول في هاته الظرفية بالذات. ما الذي تغير بين الأمس و اليوم؟ فأزمة الحركة الإتحادية قديمة قدم التاريخ مادامت مرافقة للحظة التأسيسية ذاتها بعد انفجار المؤتمر الثاني سنة 1962. ألم يمنع المهدي بنبركة ساعتها من اعتلاء المنصة لقراءة تقريره و تقييمه للأوضاع وفضل التوجه و التفرغ للنضال العالمثالتي؟ سينشر التقرير فيما بعد متحدثا عن الأخطاء الثلاثة للحركة الوطنية والتي هي نفسها تقريبا ملاحظات علال الفاسي ( بل و رفضه) لمفاوضات إكس ليبان.
يعج تاريخ الحركة الإتحادية بأمثلة كهذه بما يوحي في بعض الأحيان بتاريخ دائري يفضي إلى التسليم بخطيئة النشأة.

إذن ما الذي تغير اليوم لكي يدعو الكاتب الأول إلى المصالحة: مصالحة من مع من و لماذا؟ ألا توحي هذه الدعوة بوجود خلل في إدراك بل و تمثل العلاقة بين السياسة و التاريخ لدى القائمين تنظيميا على تدبير شؤون الإتحاد؟ فالأكيد أن بين السياسة، بما هي فعل مجرد من لاهوت الزمان، و التاريخ، بما هو صيرورة لإدراك الذات و تمثل الهوية، برزخان لا يبغيان. بصيغة أخرى، هل هي دعوة تاريخية أم صرخة سياسية؟ و لا داعي للتفصيل في شرح الفرق بينهما.
لقد آثرنا الخوض في هذا الموضوع بناء على شرطين ذاتي و موضوعي.

يتعلق الشرط الذاتي بتوجهنا إبان التحضير للمؤتمر الوطني العاشر ( الأخير) إلى ضرورة التوقف لطرح أسئلة، نوعا ما وجودية، حول مآل الحركة الإتحادية وصلت بِنَا إلى التساؤل عن ما إذا كان المغرب في حاجة إلى الإتحاد الإشتراكي؟ و أن اللحظة ربما تستدعي مساءلة الأسباب و الشروط المنتجة لارتداد التاريخ بما يشبه الدوران في حلقة مفرغة. لم يكن يسكننا غير سؤال واحد: كيف لحركة تأسست على فلسفة التاريخ أن تنسلخ طيلة عقود (منذ المؤتمر الإستثنائي) من جدلية الرؤية و الممارسة؟ فبمثل هكذا انسلاخ لن يكون أمامها غير المضي قدما ( لكن هذه المرة بوعي كامل) نحو الإندثار. لكن الجواب الذي قدم لنا كان مرتبطا بفقدان الدعم العمومي إذا ما تأخر المؤتمر عن موعده!! ففهمنا أن اللحظة لم تكن على الإطلاق مناسبة لطرح ذلك النوع من الأسئلة.

أما الشرط الموضوعي فمرتبط بمآل الدولة. ليس فقط لأن طبيعة الحقل السياسي أضحت عاجزة عن تبيان أفق يحرر طاقات المجتمع، بل لأن قراءة سريعة لطبيعة التركيبة الإجتماعية (بتعبير ماركسي) توحي بسريان التفكك و فقدان اللحمة الإجتماعية لإنتاج فعل سياسي وطني. و هنا لم يتأخر جواب الدولة في أعلى مستوياتها حينما نادت بضرورة إنتاج نموذج تنموي جديد. فالإقرار بفشل النموذج الحالي هو أعمق و أبعد من محاكمة للسياسات الإقتصادية المنتهجة.

إن النظر إلى المصالحة قد يكون مجديا إذا أخذ بعين الإعتبار مسلمتين:

تاريخ الحركة الإتحادية هو أولا تمثل مشترك لدينامياتها المتعددة: سياسية و إديولوجية و تنظيمية.
إن القدرة على إنتاج وعي نظري بتحولات الشرط الموضوعي السالف الذكر شرط لا مناص منه لإنتاج فعل سياسي مستقبلي يخرج الحركة الإتحادية من دوامتها. أليس هذا ما جسده المؤتمر الإستثنائي.

 

نشرت التدوينة بصفحته يومه : الثلاثاء 04 يونيو 2019./ 29 رمضان 1440 هج .