لِمَ لا نجرب الوطنية الأمنية patriotisme sécuritaire في فهم المغرب الجديد؟

(1) ليس لنا نووي، لكن علينا أن نحمي العالم من إرهابه

 

ليس للمغرب نووي، لكن العالم يستأمنه على ما يملكه من ترسانة نووية.
فالبلاد، لا اسم لها في لائحة ما يروج عن العالم الذي تتصارع فيه الأجندات النووية، شرقا وغربا وتتسابق إليه من كل فج نووي عميق، لكن طلبت منها الدولتان الكبيرتان النوويتان، روسيا وأمريكا أن ينسق مجهود العالم نفسه في محاربة الإرهاب النووي.
هكذا يبدو الخبر الذي تداولته وكالات الأنباء في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، قادما من عاصمة الأرجنتين .. يقول الخبر إن المغرب انتخب بالإجماع، منسقا لمجموعة التنفيذ والتقييم للمبادرة الشاملة لمكافحة الإرهاب النووي للفترة 2019-2021، من قبل 88 بلدا شريكا مشاركا في الاجتماع العمومي ال 11 لهذه المبادرة، المنعقد ما بين 5 و 7 يونيو الجاري بالعاصمة الأرجنتينية بوينوس أيريس.
هي المرة الأولى، التي يتولى فيها بلد عربي وإفريقي مسؤولية كبيرة للغاية بحجم المبادرة الشاملة لمكافحة الإرهاب النووي.
وعادة ما تذكر بلاد الجنوب الكرة الأرضية وشرقها، وتحشر في زاوية ضيقة تهم الاتهام بالسعي نحو امتلاك السلاح النووي، والتأثير على موازين القوة في عالم ينتابه باستمرار كابوس المعركة النووية التي ستقوده إلى القيامة، وسط حامض الكبريت واليورانيوم المخصب.. لكن المغرب، الذي دخل نادي حماية العالم من الإرهاب، يحقق تتويجا ثانيا فريدا من نوعه هذه المرة.
فقد انتخب في 2015، المغرب على رأس المنتدى العالمي لمحاربة الإرهاب، رفقة هولاندا خلفا للولايات المتحدة الأمريكية وتركيا اللذين ترأسا هذه الهيئة الدولية الهامة منذ إحداثها سنة 2010.
الواضح هنا أن الاجتماع، السابق كما اللاحق، هو إقرار بالثقة التي يحظى بها المغرب واستراتيجيته لمحاربة الإرهاب.
وتضطلع مجموعة التنفيذ والتقييم، الجهاز السياسي الرئيسي للمبادرة، بمهمة تيسير تفعيل إعلان المبادئ والمقتضيات المرجعية للمبادرة الشاملة، كما تشمل مهمتها، على المستوى العملي، ضمان تضافر الجهود بين مختلف مجموعات العمل التقنية وتعزيز الأولويات الاستراتيجية.
وسواء تعلق الأمر بالمنتدى العالمي لمحاربة الإرهاب أو بالمبادرة الشاملة لمكافحة الإرهاب النووي، التي أطلقت سنة 2006 من قبل الرئيسين الأمريكي والروسي على هامش قمة مجموعة الثماني بسان بيترسبورغ، فنحن أمام تكريس دولي لمجهود وطني، هو من صميم السيادة المغربية، في تأمين البلاد والعباد.
علاوة على الإطار الذي تنعقد تحت خيمته وباسمه كل المبادرات، يعطينا تشكيل الوفد فكرة عمن يقوم بالمهام الأساس في تقدير الخدمة الدولية لمغرب الأمن، وفي هذا الباب، من المفيد لفت الانتباه إلى أن الاجتماع العمومي الـ 11 للمبادرة الشاملة لمكافحة الإرهاب النووي، حضره وفد يضم عددا من القطاعات الوزارية برئاسة مدير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، فضلا عن مسؤولين سامين من إدارة الدفاع الوطني، والمديرية العامة للأمن الوطني، والوكالة المغربية للأمن والسلامة في المجالين النووي والإشعاعي، والمركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية.
وكلتا المبادرتين، لها أفق محدد في 2020، كموعد دولي لاختبار المنجز في هذا الباب. وسيكون على المغرب أن يكون المحور الذي تدور حوله مجهودات العالم في تأمين نفسه.
نحن جزء من سلامة العالم، وهذا هو الأساس في القضية، ونحن بذلك نقدم خدمة للوطن، من خلال خدمة العالم..
لنا أن نتحدث، بدون اتهام بتضخيم العنوان وتبنيطه الكبير، بأننا إزاء مقاربة أمنية وطنية، أوسياسة تخدم الوطن من زاوية السلامة..
لقد سبق التقدير الدولي الأشمل، اعتراف ثنائي، لا سيما في المحيط الأورومتوسطي، للمعلومات والخدمات التي يقدمها المغرب الأمني للدول التي يتهددها الإرهاب، كما لم يعد خافيا أن الدول الأكثر تضررا في المحيط الأوروبي أو الدولي، فرنسا واسبانيا كممثلين أوروبيين، لا تجد مضاضة في توشيح المسؤولين المغاربة الكبار في محاربة الإرهاب، كما تفعل مع أبناء وطنها الذين يبرزون في المجال نفسه، وهو تقدير يصنف المغرب في طليعة الدول التي يسمع صوتها في تأمين سلامة العالم..
وعندما يسمع العالم صوت بلاد تقدم له المساعدة في الحفاظ على سلامتها، فالضرورة تكون أكثر إنصاتا لمّا يتحدث عن قضاياها.
ولهذا نفهم لماذا تكون المجهودات حثيثة لإقصاء المغرب من أي مجهود دولي في محاربة الإرهاب، أو لِمَ يتم تبخيس عمله أو رمي ظلال الشك الحقوقي، حيث لا يكون هناك مجال ولا ضرورة، على عمله.
فراية المغرب، يحملها أيضا الأمنيون الذين يضعون مجهودهم في خدمة بلادهم، وأيضا في رفع أسهمنا الدولية في لحظات الشك والخوف، والجريمة المنظمة وارتفاع منسوب الإرهاب وازدياد المخاوف من انتقال الفلول الظلامية إلى مدارج أعلى في نشر الفزع، كما هو الأمر مع الأسلحة النووية..
قد لا نكون حققنا الكثير على درب الترسانة النووية، لكننا اليوم في مقدمة الحماية من جنونها وجنون المستعملين لها وانزلاقات المجانين الذين يصلون إليها… إن ما نقصده هنا الوطنية الأمنية patriotisme sécuritaire في فهم المغرب الجديد، هو تلك المعادلة الثلاثية التي تجمع بين الدفاع عن روح حمائية تربوية، والانتماء الجماعي إلى «لابيل» وطني في الحكامة الأمنية، وضرورة وجود دولة محرك للمواطنة الأمنية في العالم، أي تحمي مواطنيها كما تحمي مواطني العالم.. هو الحضور في قلب بناء وطني، أيضا يقدم عناصر إيجابية لتحديد الهوية المعاصرة …

 

لِمَ لا نجرب الوطنية الأمنية patriotisme sécuritaire في فهم المغرب الجديد؟ :

(2)  المخابرات الأمريكية، والولاء للوطن :

 

تقدم مدير المخابرات الأمريكية، السي آي إيه CIA، الشهير والشهيرة، بعرض غير مسبوق ، لمدير المخابرات المغربية، المديرية العامة لحماية التراب الوطني، المشهورة بالديستي (DST)، عبد اللطيف الحموشي، مفاده

1 – التمتع بالجنسية الأمريكية
-2 الالتحاق بالعمل في أقوى جهاز استخباراتي في العالم، يقيم الدنيا ويقعدها ويسقط الأنظمة ويبنيها ..
قد تكون الكلمات قد مرت، بعد نشرها وتعميمها استنادا إلى الملف الخاص الذي أنجزته أسبوعية جون افريك، مرور الكرام..على كثيرين ممن قرأوها.
لكن ما قاله مدير المخابرات الأمريكية، كاقتراح عمل،
وكاقتراح هوية..
وما رد به عبد اللطيف الحموشي،
كرفض للعرض، وكإثبات للولاء، لا يمكن أن يمر بدون أثر..
ماقاله جورج تينيت الذي تولى المهمة على رأس أعتى جهاز، (سي آي إيه) ، في الفترة ما بين 1997 و2004،للحموشي، يتجاوز اقتراح العمل، على مواطن من مواطني العالم… وحتى نفهم سياقها الحقيقي، لا بد من استحضار ما كانت المخابرات الأمريكية تواجهه في المحيط الذي يشكل المغرب جزءاَ من دائرته الترابية أو الجيوستراتيجية. وعليه، لنتذكر هذه الفترة، وكل ما يجعل منها عقدا من الرعب، والهم المشترك:
شتنبر 2001 هجمات نيويورك التي قام بها بن لادن والقاعدة وخلفت عشرات آلاف القتلى
الانتفاضة الثانية واغتيال عرفات..
مارس 2003 حرب العراق الثانية..
16 ماي 2003 الضربات التي تلقتها الدار البيضاء مخلفة عشرات القتلى، وإعادة انتخاب جورج بوش الذي قاد حرب الخليج الأولى…
والرد، هو هوية في حد ذاته، ويمكن أن يشكل فعلا وطنيا عاليا بالنسبة لمن ينظر في حالات عديدة لمسؤولين يتباهون بأنهم حصلوا على جنسيات دول راقية، واعتبروا ذلك سببا كافيا للتعالي..
قال الحموشي، جوابا عن العرض:ولدت مغربيا، وسأعيش مغربيا وسأموت مغربيا..
أي ما مفاده بالدارجة المغربية»
«أنا تْخلقْت مغربي،
وغادي نعيش مغربي
ونموت مغربي»..
انتهى الكلام ، فعلا وحقيقة..
والآن؟
يمكن اعتبار العرض الأمريكي إغراء، كما قد يكون استدراجا من باب اللياقة؟
فهو في هذه الحال، تقدير حقيقي للعمل، وللرجل، وما يقوم به الجهاز الذي يشرف عليه..
ويمكن لآخر أن يرى فيه تهديدا،إذا ما توقع أن الرد لن يعجب صاحب أقوى جهاز استخباراتي في العالم.
وقد يكون ذلك،لأن الجهاز الأمريكي تعوّد ألا يُرفض له طلب من العرب ومسؤولي العرب، ومن يرفض تكون له نهاية يعرفها الجهاز، كما لا يعرفها المعنيون أنفسهم!
وقد يكون الاقتراح في حد ذاته إعلان اعتداء، لأن شيئا من هذا القبيل، عادة، فعل حربي، وإن كان التجسس في الأوساط العالمية مبني في جزء منه على الاستقطاب والتجنيد المرن حينا والشاق حينا آخر.
ولْنفترض أن الاقتراح الأمريكي نجح، لا قدر الله سنكون إزاء ولاء أمريكي من على رأس أكبر جهاز استخباراتي مغربي، وجهاز أمني مغربي..
لهذا فالاقتراح يفوق الإغراء،
ويفوق التهديد الفردي للشخص الذي تقترب منه السي آي إيه، إلى تهديد للبلاد برمتها وتحويل ولاء وطني إلى ولاء أجنبي ومن هنا قوة العبارة تامغرابيت الحقيقية:
أعيش وأحيى فيها..
ولا بديل للوطن.. أكتب هذا، وأفكر
كم من المسؤولين ينام على جنسية ممنوحة، بفخر عابر للقارات، ولم يجرؤ أن يرد بالرد المغربي الذي قاله مدير جهاز المخابرات؟
صراحة لنقل صادقين، ونترك لغة الخشب
ولغة العادة، لاسيما في أوساط اليسار المغربي، (لأسباب تاريخية معقولة تتابعت بكثير من التوجس، لكنها لم تعد قائمة في الحالة الهنا والآن)..؟

لنطرح السؤال: ألا يزيد الاعتزاز برد من هذا القبيل، والجهاز الأمريكي مازال في قوته وجبروته يصنع ويفكك ويهدد ويهدم الأفراد والجماعات؟
لي أن أروي قصة أحد القادة اليساريين الكبار، قائد سياسي مغربي، عرف معارضة طويلة ومتعبة للنظام، كان الحديث معه يدورحول المسؤولين الأمنيين العرب، منهم قادة أجهزة ووزراء داخلية، بمناسبة أحد الاجتماعات التي نعرف انعقادها، ونخمن – عادة – أن جدول الأعمال والوحيد فيها هو :كيف نراقب المواطن العربي؟، نبهنا، وكنا غير قليل من شبيبة الحزب في تلك السنوات السالفة:

عليكم أن تعرفوا التمييزعلى قاعدة واحدة، حين يتعلق الأمر بالأمن وبالأجهزة: الوفاء للبلد أوالتأرجح.
سألناه، ونحن الذين كنا نعتبر أن المعيار الوحيد والأوحد هو القمع أوعدمه، كيف تقول هذا أنت الذي عشت في عواصم كثيرة ومنافي لا تحصى:

قال: أعرف الكثيرين لا ولاء لهم لبلادهم، وهؤلاء يستطيعون أن يبيعوا البلد وللأجنبي وأسراره وكل مقوماته، ولا يبٍقى واقفا بعدهم
،ولهذا لمّا تجد الواحد فيهم وفيا لبلاده، عليك الاعتزاز به..وتعتبره بطلا حقيقيا.
عشنا من بعد كيف كانت الدبابات تدخل العواصم المنهارة ، وتدوس على عروش الدول الساقطة، وعلى متنها قادة معارضون إلى جانب رجال دولة ومسؤولين ووزراء من الأنظمة الساقطة، سقطوا في أحضان المخابرات الأمريكية التي نحن نتحدث عنها..
لهذا لامناص من أن نرفع القبعة للحموشي، ونقول بالتامغرابيت :
«بوركتْ البطن التي حملتك..
لله يرحم الميمة وما خلات»
وما خلَّفت..
من المحقق أن المجهود المهني، الذي يتحقق في سجلات عديدة للأمن المغربي، في الداخل وفي الخارج، وحده يبعث على الطمأنينة والاعتزاز، كما قد يكون وحده مصدر فخر، غير أني أعترف بأن تلك الجملة وحدها تساوي تاريخا..
جملة وحدها في وجه أعتى جهاز، ترفع لها كل القبعات
وتفتح لها كل الأبواب كي تستقر في التاريخ،
درسا أخلاقيا وسياسيا ومدنيا ملخصا في عبارة ..
وتنبهنا إلى مقوماتنا التي تحصننا: الولاء للوطن وبكل رموزه وشرعياته..!
وهذا الولاء هو ما يفسر جزءا من الحرب التي شنتها بعض الجهات في الخارج ضده…

 

الاربعاء : 12 يونيو 2019 / الموافق ل08 شوال 1440هج