بروكوست: شخصية اسطورية يونانيّة, كان يعمل قاطعاً للطريق, حيث يقوم بعد سلب ما لدى ضحيته من أموال, بضعهاعلى سريره الخشبي, فإذا كان طول الضحية أطول من السرير قصقص من قدمي الضحية حتى تتناسب مع طول سريره, وإن كان طولها أقصر قام بمط الضحية حتى تتناسب مع طول السرير أيضاً. فسريره وساطوره في نهاية المطاف هما التعبير العملي عن قيمه وقناعاته تجاه الآخر المختلف.

بالتعبير الفكري والسياسي لهذه الأسطورة, نقول إن هناك من الشخصيات التي تحجر عقلها فكرياً, وراحت تأخذ من أفكارها قيماً معيارية ثابته تطالب الآخرين وبقوة الترهيب أن يقيسوا قيمهم وأفكارهم عليها, وأي خروج عن هذه القيم والأفكار يعتبر بدعة أوانحرافاً عن معاييرهم.وهذه النماذج من الشخصيات نجدها لدى اليسار المتطرف ولدى اليمين المتطرف معاً.

فعند اليسار وصفت هذه الحالة من التطرف بـ (اليسار الطفولي أو اليسار الحرن). ودلالاتها: أن الطفل عندما يريد حاجة من أمه أو أبيه يجب أن تتُحقق له حاجته دون مراعاة لظروف والديه وإمكانياتهما المادية والمعنوية على تحقيقها, أي دون مراعاة لقدرتهما المادية والمعنوية على تأمين هذه الحاجة المطلوبة للطفل.

أما نعت أصحاب  هذه الحالة باليسار الحرن, فهو تشبيه بليغ بسلوكية الحمار وعقله غير القابل على الأخذ والعطاء, وبالتالي مراعاة للظروف التي تحيط به. فالحمار مثلاً قد يحرن في وسط الطريق ويقطع السير دون مراعاة  أو اهتمام بكل ما يحيط به.

ففي كلتا الحالتين, نجد غياب العقل والمنطق هنا في مراعاة الظروف الموضوعية والذاتية وكل القيم الأخلاقية التي تحكم الواقع  وتفرض على الفرد أن يمارس قناعاته, أو يعبر عن قيمهالاجتماعية, من باب (الضرورات تبيح المعذورات).

      إن هذا الموقف المتزمت الرافض لرأي وقناعات الآخر, نجده لدى اليمين المتطرف أيضاً الذي يعتبر فهمه للدين والحقيقة معاً هو الفهم المعياري الذي يجب على الآخرين تبنيه والسير على هديه, وكل ما عدا فهمه, أو لا ينطبق عليه, يعتبر كفراً وزندقة وخروجاً عن القيم المعيارية الصحيحة التي فهمها هذا المتطرف اليميني. وبالتالي فهو  يعتبر كل ما يقوم به الآخر المختلف أو يفكر به هو بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

وعلى هذا الموقف المتطرف القائم على رفض الاخر في (اليمين واليسار) يأتي الارهاب,ممثلابسرير بروكوست وساطوره بكل حيويتيهما لقتل وتدمير المختلف.

إن  أصل الإرهاب إذاً, هو عدم الاعتراف بالآخر حتى ولو بالحدود الدنيا التي تفرضها الضرورات كما أشرنا أعلاه. فالعنف سيقابله العنف, وهنا يأتي العنف وسيلة للتعامل مع الآخر المختلف, أي بين من هم فيأقصى اليمين مع من هم في أقصى اليسار بالضرورة.

 

د. عدنان عويد كاتب وباحث من ديرالزور – سورية

السبت22  يونيو2019.