-1-

عرف مغرب عهد الاستقلال،(من سنة 1955 إلى اليوم) ثلاثة أجيال مترابطة، متكاثفة: الجيل الأول الذي حمل مشعل الاستقلال بعد معاناة طويلة و عريضة مع الإدارة الاستعمارية وعملائها،والذي أذى ثمن الاستقلال غاليا داخل السجون والمعتقلات،/ أدى الثمن بمئات الشهداء، وبآلاف المعتقلين، هو الجيل الذي احتفل بالنصر، سنة 1955. وتفرغ لبناء مغرب جديد لكل المغاربة، ولتأسيس مرحلة جديدة من التاريخ الوطني، لكنه اختفى ورحل دون أن يحقق أي شيء من أحلامه للمغرب والمغاربة.

ولاشك أن وقفة سريعة ومركزة على إسهام هذا الجيل في تحديد صورة مستقبل الأجيال الصاعدة، على مستوى التعليم والثقافة والاقتصاد والمجتمع والسياسة، تجعلنا في حيرة من أمرنا،بل تجعلنا أمام العشرات من الأسئلة والاستفهامات المحيرة، ذلك أن الواقع التاريخي الراهن بكل تناقضاته وإحباطاته وإسقاطاته، تجلنا نشك في فاعلية جيل الاستقلال،أو في قدرته على الفعل، حتى وان كانت حركية الحياة وحتمية التاريخ، تفرض على كل الأجيال السابقة واللاحقة، العمل في خلية موحدة من أجل المغرب والمغاربة/ من أجل مستقبل أفضل وأحسن، و هذا بالتأكيد سيطرح على الباحثين والمؤرخين، المزيد من الأسئلة والتساؤلات.

-2-

في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة والفنون، برز/ يبرز الجيل الثاني في مغرب عهد الاستقلال على كل المشاهد، وعلى كل الواجهات انطلاقا من سبعينيات القرن الماضي، ركب سفينة التحدي والمغامرة، أراد للمغرب أن يكون دولة الحق و القانون/ دولة المواطنة والديموقراطية، لأنه استلم مغربا متعدد المشاكل/ متعدد الأزمات/ متعدد القضايا، وجميعها ترتبط بحياة المواطن الذي وجد نفسه مكرها، يزداد بؤسا وفقرا وتهميشا، وعندما نقول ان الجيل الثاني استلم المغرب على هذه الصورة فلأن معظم المشاكل والقضايا والأزمات التي ورثها عن العهد البائد، تمتد جذورها إلى حقبة طويلة من التاريخ عاشها مكتوم الأنفاس، مكسور الأجنحة، لا يرتفع له صوت، ولا يؤخذ له رأي، ولا مسؤولية فيما يجري على أرضه، وعلى أرض العالم لسنوات طويلة من تاريخ المغرب الحديث. كان كل شيء يجري داخل غرف مظلمة، وكان كل رأي يتخذ في غبية الجماهير، وكانت المعارضة الشرسة التي تقودها الحركة الوطنية.هي” الوطنية” التي جسمت آمال الشعب المغربي، واختصرت طموحاته في كلمة ” الاستقلال”.

هكذا يكون الجيل الثاني، قد ورث، أولا و أخيرا، مغربا مستقلا ومعه سلسلة من مشاكل الأجيال السابقة التي عاشت طويلا في معزل عن أي مشورة أو دراسة أو تخطيط. و لم تنكشف له هذه المشاكل في اللحظة الأولى، ولكنها ظهرت جلية عندما أخذت الألسنة تتكلم، وأخذت الأقلام تكتب وتنتقد بفضل الاستقلال، وأخذت الجماهير تسترجع شخصيتها التي كانت في صراع مع الدخيل لمدة طويلة من الزمن الوطني بعد الحصول على هذا الاستقلال.

يمكن أن نضيف إلى المشاكل والأزمات التي واجهها هذا الجيل، أزمات ومحن “سنوات الرصاص” الناتجة عن مناهج الحكم الفردي/ سلطات أوفقير وادريس البصري المخزنية/ توسيع طبقة الفقراء على حساب طبقة الأغنياء الجدد/ استفحال الرشوة و المحسوبية والفساد المالي في الإدارة المغربية/ وتنصيب حكومات جائرة، خارج كل منطق وكل مسؤولية وطنية.

ولأنه بدوره لم يستطع شيئا،لم يستطع هذا الجيل،/ الجيل الثاني تحقيق” أحلام الاستقلال”وبدأ يرحل تباعا،وهو يشاهد فلذات كبده وأحفاده ينتحرون بقوارب الموت، من أجل البحث عن لقمة العيش خارج الحدود، أو يسلمون أجسادهم لعصي الشرطة و القوات المساعدة بباب البرلمان.

-3-

من هذا المنطلق يبرز لنا واقع لحال مثقلا بالعشرات من الأسئلة والاستفهامات. أن الجيل الحالي الذي فتح عينه على مغرب ذلك هو وضعه الحقيقي، يطمح إلى أن يلعب هذا المغرب دوره التاريخي والحضاري على الساحة الدولية بمحض اختياره ككل الدول ذات السيادة الكاملة، ويسهم في الصراع الدولي على قدر طاقته و حضوره، و حجمه التاريخي، وينتزع حقه من كل وسائل التقدم الحضاري والتكنولوجي بجهده و عرقه، يطمح أيضا إلى أن يكون دوره الحضاري على الساحة العربية والإفريقية مميزا ورائدا…

انه الجيل الثالث الذي تحمل مسؤوليته في ظروف خطيرة و صعبة، وهي مسؤولية تشمل الماضي و الحاضر  المستقبل، وتشمل كل سلبيات المرحلة التاريخية التي وجد بها.

فمن مسؤولياته حماية الاستقلال السياسي،/ضمان الوحدة الترابية،/ تأمين اكبر قدر من الحرية للمواطنين/ حرية الرأي والتفكير، والممارسة السياسية.ومن مسؤولياته أيضا توسيع فكرة الديموقراطية وإعطاؤها لون” التراب” الوطني، لتمتزج هذه الديموقراطية بكل المثل والقيم الذاتية والقومية للإنسان المغربي، وحماية كل المكتسبات الديمقراطية القانونية والسياسية والاجتماعية.

 ومن مسؤوليات هذا الجيل، تعميق خطة التعليم وتصحيحها وإصلاحها،وجعلها خطة تعادلية، أكثر ملاءمة للواقع الحضاري،وللمثل والقيم الحضارية المغربية، وتعميم هذه الخطة

على مختلف فئات المواطنين، حتى يصبح التعليم حقا مشاعا بين كل الذين هم في سن الدراسة من الصغار، أو الذين لهم استعداد دراسي من الكبار.

ومن مسؤوليات هذا الجيل، تأمين الشغل، والخبز، والصحة والمأوى لكافة المواطنين في الحواضر والبوادي.

ومن مسؤولياته تأسيس نهضة ثقافية يسهم فيها التعليم بكل فصائله، لتعميق الوعي الحضاري لدى المواطنين على مختلف مستوياتهم و إمكاناتهم، وتأهيلهم ليلعبوا دورهم الحضاري بما يلزم من التسلح الفكري والعقيدي…

 مسؤولية الجيل الثالث، إذن هي أن يحدد صورة المغرب المستقبلية ويضمن حدا أقصى من السلام الاجتماعي للأجيال القادمة.

والسؤال المحير: من أين له أن يحقق ذلك، وهو يعاني كالجيل السابق والذي قبله، من التعب والانكسار والتهميش،/ يعاني من أوضاع الفساد والبطالة وانعدام الضمير والفقر والأمية والتخلف/ يعاني من الإحباط المتعدد الأصناف والصفات. يخوض معاركه المتواصلة من أجل العيش والمعيش، يحلم كالجيلين السابقين بالكرامة والمواطنة وحقوق الإنسان، ويسعى لان يكون فاعلا في المشهد المغربي رغم ألمه وإحباطه وتهميشه، ليجد نفسه في نهاية المطاف جيلا محبطا،/ يجد نفسه أمام برلمان فاسد، و حكومة قاصرة فاشلة، وسياسات لا حول لها وقوة…/ وليجد نفسه مكبلا بقيم الديموقراطية الفاسدة…

أفلا تنظرون….

  • عن صفحة الكاتب